لعل المهمة شاقة حين تبادر بكتابة رواية، لكن الأهم بتقديرنا هو الاختيار الأمثل للأسلوب الذي تُكتب به، كذلك الاختيار الأكثر أهمية في اختيار الموضوع، وبالتالي تشكيل الصوت الروائي مجتمعاً بكل هذه الوحدات. هذه مجتمعة تشكّل هوية النص التي تتركز في الممارسة والعمل على خلق النمط، والقارئ لرواية عبد الزهرة علي «مصل الجمال» يدرك الجُهد الذي بذله الكاتب، لغرض الوصول إلى ما قلنا كمقياس ينحاز إلى الشكل بقدر ما يقف مع المعنى. إذ نجد وبمثابرة في التقصي؛ أن الروائي حاول أن يستفيد من كل أنماط السرد، منحازاً إلى تأثيرات الموروث السردي والحكائي. لذا نرى في النص نوعاً من الفسيفساء النصية، فهي تأخذ من هذا لملء الفراغ السردي، وتعرض عن ذاك لضرورات فنية، وبالتالي تشكل معمارها الروائي عبر التلوين وتعدد الأساليب. ثم إنه يقرّبها من نص (الميتا سرد) خلال تداخلات الأنا المنتجة للنص. فالحضور يعني المشاركة في الفعل والتدوين لشهادة روائية باتجاه المستقبل. إن الكاتب يتحرك داخل النص عبر اشتراطات الجمل الاعتراضية، التي تنبئ بتخطيط جديد للبناء الروائي، من احتمال ورود جزء من المعنى والاجتماع مع الآخر لاستكمال المعنى الكُلْ. فللرواية مجرى وروافد تتناوب ضمن عملية البناء الكلي لها، وما سير المجرى هذا المشبه بالنهر، إلى ما فيه من احتواء للالتزام الشرطي لكتابة النص الروائي. من هذا الاستنتاج العام نستطيع القول إنها رواية ناتجة عن جُهد مبذول لاستكمال مشروع روائي ابتدأه الكاتب في عدد من إصداراته، وما زال مستمراً لبناء حلقاته.
العتبات
لمّا كان النص الحديث، هو مجموعة من حلقات متراصّة ومتظافرة، يؤدي كل منها دوره لاستكمال الحلقة الكبرى. فالعتبة الأولى في الرواية تتمثل في ثريتها (مصل الجمال). وفيه نوع من تأصيل الصورة التي سيكون عليها واقع المسرود في النص. وهو في مجمله معني بجمال الوجود، فالمصل دفق فيه حيوية حمل الجينات الوراثية، غير أن التحاق العنوان الثانوي (أولاد كلب) فيه مباشرة، وتقليل من الثريا الأُم. كما أن الجملة فيها مباشرة ونعت غير موجب يُضعف من كشوفات العنوان لمتن النص. أما لوحة الغلاف، فهي دالّة واضحة على الانتماء الطبقي، فالمرأة حاملة لنفايات البيئة، وهي نموذج الفناه ما بعد الاحتلال المرير والبغيض بكل حمولاته. وهي واحدة من النماذج في الرواية التي تنتمي مع أسرتها إلى البيوت المتداعية في الأطراف، وإلى الجماعات الساكنة في أحياء (التجاوز) الذين لا يحصدون سوى النعوت غير الإنسانية، بسبب بحثهم عن ملاذ يأويهم. وهي تشكلات واعتبارات طبقية فرضتها ظروف التغيّرات السلبية ما بعد 2003. فأحياؤنا تبدأ هكذا بسبب الهجرة وترك الأرض، ومن ثم تفرض الظروف الموضوعية، وكثافة السكان باتجاه تأسيس مدن.
في فقرة «تنويه» نوع من محاول التخلص من مسؤولية توصيف حالة المنتمين إلى وجود يمكن وصفه بالطرد عن المجال، وكل من فيه سكان مطرودون عن مجالهم . فالدهشة متوفرة ضمن عدم انتظام حياة هؤلاء مقابل الفوضى التي يعيشون داخلها، وقلق انتمائهم إلى الجماعات، بسبب تداخل معنى الحياة في التغيرات التي طرأت على الوجود العراقي بعد الاحتلال، لذا فالنص سجّل أمين لهؤلاء المطرودين. غير أن العبارة التي تؤكد على تدوين حياتهم، هي فعل موجب، والحنين ينبئ بانتماء طبقي لهؤلاء.
الزمن بحراكه ومغادرته للنمط، حقق نقلات نوعية، استطاع الكاتب أن يوازن بين ما هو جار في الحياة، وما هو ضمن مدونة خطية كوثيقة للأجيال اللاحقة.
ما رواه المتن
في مجمل تحركات نص «مصل الجمال»، تستوقفنا جملة تشكلات، لعل الزمان العلامة الرئيسية في النص، من منطلق تحوّلاته ضمن تحوّل البنية السردية المجتمعة مع الروي. فنحن إزاء زمن متحرك وذاكرة وبصيرة متيقظة، ترصد الواقع، وتربط أجزاءه ومنجزه مع أحداث في التاريخ القريب والبعيد. وهو من باب التاريخ يُعيد نفسه على أشكال ومسميات مختلفة، ليس ببنيتها الذاتية، بل بالبنية العامة. غير أن البنية المضمرة، تؤدي إلى إحالة الأحداث وظواهرها إلى بنى يضمها كتاب التاريخ الذي تلعب حوله الذاكرة كمسرد وروي له، وفق تحرك الشخصيات من جهة، وحضور السارد المشارك في توثيق حياة هؤلاء المهمشين. إننا نواجه مدوّنة سردية ذات نمط متحوّل في مجمل تحوّلات السرد.
إن الزمن بحراكه ومغادرته للنمط، حقق نقلات نوعية، استطاع الكاتب أن يوازن بين ما هو جار في الحياة، وما هو ضمن مدونة خطية كوثيقة للأجيال اللاحقة. إننا نعيش زمنا مضطربا وشكوكيا بسبب عدم انتظام برنامج الحياة وجدلية تطورها وتخلفها، فالتخلف في الحياة، لا يوازيه نوع من التقدم اللاحق الذي يمتص بذور التخلف. إننا إزاء فعل تدمير للوجود العراقي، ومحو لذاكرته. وما مدوّنة عبد الزهرة علي هذه، سوى محاولة لتوثيق الحياة العراقية وهي ترزح تحت نير التخلف والهدم، عبر استحداث ظواهر لا تنتمي إلى تاريخ البلد في أي شكل من الأشكال. إننا بمواجهة معادلة صعبة ومتشابكة، وهذا توصيف منطقي لمحتوى الرواية.
أما في مجال بناء الشخصيات، فهو كشأن الزمن، تزدحم خلاله النماذج وتتسابق للإدلاء بوجهات نظرها التي تؤهلها لنقد الواقع والسخرية منه، ما آلت إليه مصائرهم. فـ(أولاد الكلب). هي عبارة تصلح في المتن، كتوصيف تلقائي يستنبط معناه من وجود فيه حساسية وإرباك للحياة. إن العقد الاجتماعي في تجمعات الأحياء العشوائية، يكاد تنفرط حلقاته، بسبب حمولات المنتمين إليه، فهم مجموعة استحصلت هوياتها غير المستقرة، عبر المغادرة والقبول بالطرد كعقاب اجتماعي جائر. ومعظمهم من شغيلة الأرض وذوي الحرف الشعبية، والمغادرين صفوف الدراسة، فلهم إرثهم كما التجمعات المستقرة والبانية لأسس الأمكنة.
إن ورود بعض العبارات، المنضوية تحت مسميات الإدانة مثل (كان يحكمنا كلب أهوج، والآن تريد كلاب شرهة حكمنا) وهي عبارة دالة على موقف مبني على واقع. ثم (إنهما أرشدا الجنود الغرباء على مخابئ الملثمين)، ويعني بها الخيانة العظمى في مقاومة الأجنبي المحتل. إن المزج بين الحاضر والتاريخ كواحد من أسس النص، لأنه يربط بين الخاص والعام، كما ورد في قصة «موسى وسرجون» وتركهما في النهر (الصندوق، السفط). كذلك عبارة «ونزحت العائلة إلى بغداد يوم حصار الوالي داود باشا وإقالته»، لذا فموقف السارد الذي هو موقف المؤلف، يعمل على إزاحة الغطاء عن الحقيقة المرّة في عبارة السرد «فالناس بحاجة إلى مساكن كي يغذوا بها أحلامهم، قوة يُعززوا إحساسهم بالانتماء، لاسيّما وهم ارتدوا ثوب الحرية الفضفاض عليهم، لكنهم لم يعثروا إلا على سراب واهم». إن عدم المتحقق الإيجابي المؤمل في ظروف التغيير أصبح متحققاً سلبياً، إذ ارتدى وجوهاً متعددة رُفعت كشعارات داخل منظومات تبني نفسها على حساب الغيّر. والذي يظهر في سردية الرواية نماذج مسحوقة، وضعها الزمن ضمن دائرة مفرغة، لم تستطع خلاله موازنة وجودها، في تحقيق ذاتها وفق مشروع وطني صاعد. فهي نماذج متشرذمة، فاقدة لصيرورتها. وهي بالتالي منحرفة في نظر النخبة السياسية. إن الطرد عن المجال يشمل الجميع، سواء الذين وجدوا ضمن الدائرة المفرغة (المشردون في الأرض) أو ممن اختاروا العزلة في أحياء فقيرة (عشوائية) منعزلة ومسيّجة تجمعاتهم بالنعت الطبقي أو الفئوي (حي التجاوز) الجائر. لذا نجد في الرواية حقيقة مبدئية؛ كوّنها ترصد وتسجل تاريخ هؤلاء المشردين في وطنهم.
٭ «مصل الجمال» /عبد الزهرة علي/ دار لارسا 2018
٭ ناقد عراقي