القاهرة ـ «القدس العربي»: كما هو الحال في جميع بلاد العالم، لا حديث ولا اهتمام ولا مشكلة إلا كورونا، في مصر الناس والحكومة والطلاب، خاصة في مرحلة الشهادة الإعدادية، الذين ألغيت امتحاناتهم وانتقلوا إلى الأولى ثانوي، بشرط إعداد بحث وهم في منازلهم على التابلت، وإرساله، وهو ما اعتبروه المكسب الأول من وراء وباء كورونا، لدرجة أن الرسام عمرو سليم في «المصري اليوم» ذهب لزيارة قريب له ففوجئ بكورونا عنده ويقول لزوجته: أدوني نص اللي كنتم هتدفعوه دروس خصوصية، وأنا ألغي لكم امتحان الثانوية كمان السنة دي.
اتساع نشاط تجار السوق السوداء وعودة سوق العملة غير الرسمية… والحكومة تضيِّق الخناق على المواقع والصحف الإلكترونية
أما الفائدة الثانية لكورونا ففي انتباه القادة العرب إلى ضرورة استغلال الفرصة، لإنهاء خلافاتهم، إذ لا يعقل أن يتوحد العالم بدوله المتناحرة، وتظل البلاد العربية التي تجمعها قومية واحدة ومنظمة إقليمية ومواثيق وحدة اقتصادية وعسكرية، ممزقة لا تلتزم بتنفيذ ما وقّعت عليه، ولذلك اتصل ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد بالرئيس السوري بشار الأسد وعرض عليه المساعدة في مكافحة كورونا، وأشاد بسوريا ودورها.
والغريب أن الصحف المصرية لم تشر إلى هذا التطور المهم، إلا أنها اهتمت بنشر خبر اتصال الرئيس السيسي بالشيخ محمد، وقال السيسي على صفحته في الفيسبوك: تشرفت مساء اليوم بالحديث مع أخي وصديقي العزيز سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، وكعادتنا دائما تبادلنا وجهات النظر بشـــأن تطـــورات الأحداث في منطقتنا والعالم، وكذلك جهود مكـــافحة انتـــــشار فيروس كورونا، وسبل تعزيز التعاون وتبادل الخبرات بين الأجهزة الطبية في البلدين. كما تناول الحديث دعم وتعزيز العلاقات الاستراتيجــــية الأبدية بـــين البلديـــن الشقــيقين.
أما الحكومة فاستمرت بكل أجهزتها في عمليات التعقيم المتواصلة، وتنفيذ الإجراءات التي اتخذتها بكل حزم، وقرر النائب العام القبض على كل من يروج للإشاعات بالحبس ستة أشهر وغرامة عشرين ألف جنيه لإثارة البلبلة حول المرض. ونفت الحكومة كل ما نشر عن صرفها مرتبات لعمال موظفي القطاع الخاص، وأمرت بتشغيل كل المصانع العامة والخاصة بكامل طاقتها لتوفير السلع في الأسواق، ورغم حالة الرضى العام الشعبي عن كل هذه الإجراءات، خاصة غلق المساجد، فإن هناك مشكلة بدأت تثير الاهتمام من الآن، وهي ماذا لو استمر الحظر إلى شهر رمضان وهو يقترب بسرعة؟ وإلى ما عندنا…
المحبة والوحدة
الوحيد الذي أثار موضوع الاتصال بين ولي عهد أبو ظبي والرئيس السوري بشار الأسد، كان علاء عريبي في «الوفد» قال: «سعدت جدًا مثل كل عربي وعروبي على امتداد هذا الوطن بالمكالمة التي أجراها الشيخ محمد بن زايد ولي عهد دولة الإمارات مع الرئيس السوري بشار الأسد، وتأكيده تضامن ومساندة دولة الإمارات مع الشعب السوري الشقيق في مواجهة وباء فيروس كورونا، المنتشر في العالم أجمع. الشيخ محمد أنهى تويتته بجملة تستفز مشاعر ونخوة أي عربي في أي مكان قال: « سوريا العربية الشقيقة لن تبقي وحدها في هذه الظروف الحرجة». بالفعل سوريا يجب ألا تبقى وحدها، ويجب ألا نترك أهالينا في سوريا يواجهون وحدهم الوباء القاتل، بغض النظر عن الخلافات والتوجهات السياسية، أهالينا في المدن والقرى السورية، لم يعودوا يواجهون الحصار والقذائف والقنابل والمدافع فقط، بل دخل عليهم عدو جديد سلاحه أشد فتكًا وقتلاً من القذائف والنيران، وهو فيروس كورونا. مبادرة الشيخ محمد بن زايد يجب ألا تقف عند أهالينا في سوريا فقط، بل يجب أن تمتد إلى كل بلد عربي في أزمة، إلى أهالينا في اليمن وأهالينا في ليبيا وأهالينا في العراق وفي السودان، نحن في حاجة إلى الاصطفاف والتكاتف في حاجة إلى مبادرات شجاعة تعمل على نبذ الفرقة والعداوة والكراهية وتعيد إلينا المحبة والوحدة».
خطة للكشف المبكر
وإلى أبرز ما نشر عن أزمة فيروس كورونا، وما كشفه من معدن أصيل للشعب، وكذلك عن الجهود الجبارة التي بذلتها ويبذلها النظام في محاصرة الوباء، بحيث أصبحت مصر، الأقل في الإصابة على مستوى العالم، ولكن ربط هؤلاء الزملاء بين ذلك وضرورة أن يثق النظام في الشعب، وأن يوقف مشروعات مظهرية، ويركز على تطوير المناطق الشعبية، التي تحتاج إلى عناية، فمثلا في «الشروق» قال خالد سيد أحمد: «الدولة اتخذت خلال الفترة الأخيرة العديد من الإجراءات الاحترازية، كان آخرها حظر حركة المواطنين من السابعة مساء وحتى السادسة صباحا، إضافة إلى تمديد تعليق الدراسة في جميع المدارس والمعاهد والجامعات، وكذلك تعليق حركة الطيران لمدة 15 يوما أخرى إضافية. هذه الإجراءات تستهدف وفق أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام «إطالة أمد المرحلة الثانية للفيروس، بقدر المستطاع، وعدم الدخول في مراحل جديدة، أملا في الحصول على مصل أو دواء شافٍ لمصابي فيروس كورونا»، لكن الإجراء الأهم الذي يمكن أن يمنع الكابوس، أو على الأقل أن يحد من انتشاره في مصر، هو التوسع في إجراء الاختبار على أكبر عدد من المواطنين، وهو ما يساهم في معرفة الوضع الحقيقي لحجم الإصابات في البلاد. في الماضي القريب نفذت الدولة سلسلة من المبادرات الصحية المهمة مثل، حملة 100 مليون صحة، للكشف عن فيروس سي، والأمراض غير السارية، وحققت نجاحا مهما في وضع ما يمكن وصفه بخريطة كاملة لأوضاع المصريين الصحية. حاليا ليس هناك من خطر داهم مثل هذا الفيروس الواسع الانتشار، الذي يمكن العمل على احتوائه، أو تقليل فرص انتشاره بين البشر، إذا كان لدى السلطات في مصر خريطة شاملة وبيانات حقيقية، وإحصاءات موثوقة عن الواقع الفعلي له، وهذا لن يتأتى إلا بالتوسع في إجراء الاختبار للجميع. هذا الأمر يتطلب مبادرة من صانع القرار لإطلاق حملات لتوقيع الاختبار، والكشف على كل من يشتبه في إصابته بالفيروس، وليس من يعانون من أعراض حادة فقط، كذلك يجب أن تكون هناك مساندة مجتمعية لهذه الخطوة، خصوصا من جانب القطاع الخاص عن طريق تحمل تكلفة الكشف والفحص عن الأشخاص الذين يعملون تحت ولايته».
المعدن الأصيل
وفي «الوطن» عبّر الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة، عن فرحته الغامرة بالمبادرات التي قام بها الشعب المصري، متحملا تكاليفها في تطهير الأماكن والمحلات، مؤكدا على أن هذا السلوك كشف عن المعدن الأصيل للمصريين، وتوحدهم وقت الأزمات مسلمين ومسيحيين، لكن المشكلة أنهم لم يجدوا من يفهمونهم من الحكومات والحكام وقال: «هذا الشعب ابن حضارة، ما أسرع ما تكشف المحن عن معدنه الأصيل، اتهم البعض المصريين بالتزاحم على محال بيع السلع الاستهلاكية، من أجل التخزين لأيام الحظر، المشاهدات تقول إن التزاحم لم يحدث إلا في حدود ضيقة مقارنة بما نقلته تقارير إعلامية حول ما حدث لدى شعوب دول أخرى توصف بالمتقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية، تزاحم الأمريكيون أمام محلات بيع الأسلحة والذخيرة، لشراء ما يلزم والاستعداد لأي حالة فوضى أو انفلات نتيجة تفشي الوباء، وانهيار النظام الصحي، أو التمويني، وتحول الناس إلى التحرش ببعضهم بعضا. هذا الشعب أيضاً يتمتع مسلموه ومسيحيوه بإيمان عميق بالله، لذا تجدهم أقل هلعاً أو خوفاً من غيرهم من الشعوب في مواجهة أي تهديد، إنه يحترم فكرة الموت ويعلم أنه مصير كل حي، ومآل كل إنسان، لكنه يعي أن احترام الموت لا يعني الاستسلام له، فإيمانه النقي يجعله محباً للحياة، ومدافعاً عنها إلى أقصى درجة، وصبوراً عند مواجهة الشدائد، لأنه يؤمن بأن كل ما له أول، لا بد أن يكون له آخر. إيمان المصريين إيجابي يرحب بالمواجهة وهو يواجه حباً في الحياة، ولا يتمنى الموت، لأنه يعلم أن تمني الموت ليس من الإيمان. طيلة تاريخه وهذا الشعب يثبت المرة بعد الأخرى أنه قادر على تحمل المسؤولية، لكن مشكلته أن من تولوا أمره لا يمنحونه الثقة الواجبة، ولا يفسحون له المجال للمشاركة وإثبات ذاته وقدراته، تلك آفة تاريخية عانينا منها عبر مراحل مختلفة، أدت في أوقات إلى إفقاد هذا الشعب ثقته في نفسه، وغذّت في داخله إحساساً مقيتاً بجلد الذات، وجعلته في مواجهة العديد من المشكلات والأزمات مجرد شماعة يعلق عليها الفاشلون فشلهم. هذا الشعب يحتاج فقط إلى من يتواصل معه، ويشرح له ويبين له وجه الخطر والمطلوب منه في مواجهته، ثم يترك الباقي على الله ثم عليه، ويخطئ البعض حين يتعامل مع المصريين بمنطق الأمر والنهي لأن هذا الأسلوب لا يتسق مع طبيعة هذا الشعب، الذي صقلته التجربة وحنكته السنون، لذا يظل الفهم هو الطريق الأقصر إلى إقناعه والأدعي إلى مشاركته في مواجهة أي شدة أو محنة، سيعبر هذا الشعب الطيب محنة كورونا، كما عبر غيرها، وظني أنه سيتعلم منها الكثير وستضيف إليه على مستوى التجربة وسيخرج منها – شأنه شأن غيره من شعوب العالم- غير ما دخلها».
علماء وتجارب
وإلى قضية أخرى فجرتها الإعلانات عن الأبحاث الجديدة التي تجريها دول أجنبية، وكذلك مصر، حيث أعلن علماء ومراكز أبحاث في بعض الجامعات، بأنهم يعكفون على التوصل إلى طعم يقضي على فيروس كورونا، ما أدى إلى أن يطالبهم دندراوي الهواري في «اليوم السابع» بعدم التسرع، لأن إمكانياتنا أقل بكثير جدا من إمكانيات الدول الأوروبية والصين وأمريكا وقال: «إذا ما وضعنا في الاعتبار أن البحث العلمي، إلى جانب الاعتماد على العقول المؤهلة والمدربة، فإنه يحتاج إلى إمكانيات كبيرة من أحدث الأجهزة والأدوات وخلافه، فهل المراكز البحثية والجامعات المصرية تمتلك الإمكانيات والأجهزة والأدوات الحديثة والمتطورة؟ لذلك نرجو من المؤسسات البحثية ألا تنساق وراء شطط بعض الباحثين، والإعلان عن تمكنهم من التوصل لمصل أو عقار يعالج مرضًا وبائيًا، إلا بعد إجراء كل التجارب وإخضاعه لعملية تقييم علمية كبرى، حتى لا تتورط المؤسسات، وتتعرض لحملة تشكيك، والنيل من قدرها ومكانتها، ونتمنى ونحلم أن يتوصل باحثون مصريون للقاح يقهر كورونا، حينها سيكون أعظم وأهم اكتشاف في القرن الجديد، بدون منازع ويدفع بالمؤسسات العلمية والبحثية إلى قمة الهرم العلمي في العالم».
مرحلة سيذكرها التاريخ
ما الذي سيذكره التاريخ حين يسجل هذه الأيام التي نعيشها؟ هل سيبدأ بالأذان المعدل، كعلامة مميزة لزمن كورونا، «ألا صلوا في بيوتكم، ألا صلوا في رحالكم»، وقرار وقف صلاة الجماعة وغلق المساجد وملحقاتها، وحالة التردد التي سبقت اتخاذه؟ أم سيبدأ بفيديوهات اليوتيوب، بما أننا في عصر الإنترنت؟ قد تكون أيضا نقطة البداية، كما تقول داليا شمس في «الشروق»: «هي أحوال الميديا بأنواعها، وكيف تعاملت مع انتشار الوباء، وهل استطاعت أن تنجو من الأزمة وتتأقلم وتخرج بأقل الخسائر؟ أم كان الفيروس هو علامة النهاية للعديد من الصحف الورقية، التي كانت تعاني بالفعل من مشكلات مزمنة؟ يؤكد بعض الخبراء أن الاقتصاد سيتعافي سريعا، ويضربون الأمثال بأوبئة شبيهة حصدت الكثير من الأرواح كالأنفلونزا الإسبانية، التي انتشرت في الفترة بين 1918 و1920، وراح ضحيتها حوالي خمسين مليون شخص، ويقولون إنه سرعان ما تم تعويض الخسائر المادية، حسب قدرة الشركات والمؤسسات على إيجاد حلول خلاّقة، فالأوبئة لا تؤدي بالضرورة إلى الكساد على حد كلام المتفائلين. منذ بداية أزمة كورونا ازداد الإقبال على مصادر الأخبار بشكل غير مسبوق. وازداد أيضا الخوف من الصحف الورقية، التي تصل إلى بيوتنا بشكل غير مسبوق، فصار الناس، خاصة الأكبر سنا، الذين اعتادوا قراءة الجرائد اليومية يتوجسون خيفة من لمسها، بل قرر جزء منهم عدم شرائها، ومنعت بعض دول المنطقة تداولها مكتفية بالنسخ الإلكترونية. وبما أن هناك حالة عامة من القلق، فقد تناقصت بالضرورة الإعلانات، وهي مصدر دخل أساسي لوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، كما تم إلغاء كل الفاعليات الثقافية والتجارية والمؤتمرات وخلافه، ما أثر بدون شك في حجم المعلنين، أي أن خلاصة الموقف هو طلب غير مسبوق، ونقص ملحوظ في الموارد قد يطول. في بعض دول العالم ارتفعت نسب مشاهدة القنوات التلفزيونية من 10٪ إلى 40٪. وفي أمريكا وبريطانيا كانت الصحف المحلية هي الأكثر تأثرا رغم تعلق الناس بها، إلا أنها تعتمد بالأساس في تمويلها على المعلنين، وعلي الأحداث والفاعليات، التي تقع في محيطها، وبالتالي عدم توافر هذين العاملين ضربها في مقتل، وجعل بعضها يستغني عن المحررين، أو يتحول إلى نسخة إلكترونية فقط، ضغطا للنفقات. وفي أحيان أخرى كان لزاما على بعض الصحف أن تغير من طبيعة الإصدار لتواكب مرحلة كورونا، فهناك صحف رياضية ذات شعبية كبيرة مثل «ليكيب» الفرنسية التي اشتهرت بتغطية الشأن الرياضي، منذ تأسيسها في 1896، قامت بتطويع سياستها التحريرية لخدمة الناس، في ظل إلغاء الأنشطة الرياضية، التي كانت تتناولها بصورة يومية.. قررت بعض الصحف المصرية الكبرى تقليل عدد صفحاتها، وهي تعاني في السنوات الأخيرة من صعوبات مادية واضحة، لكن في الوقت الذي يتوجه الناس حول العالم إلى الصحافة الإلكترونية أكثر فأكثر، للتغلب على غلاء أسعار الورق، وعلى خوف الناس من النسخ الورقية، وعدم إقبالهم عليها، لم تُعِد بعض الصحف القومية النظر في إيقاف بواباتها الإلكترونية، وهو القرار الذي اتُخذ قبل أشهر بشكل غير مدروس، وفُرض عليها فرضا. أزمة كورونا فرصة ذهبية لعودة هذه البوابات، ولتطوير مواقع الجرائد الأخرى بما فيها الخاصة، فالمتلقي الذي يتابع ما يكتب وما يبث على مدار 24 ساعة في انتظار أن يقدم له الجديد. صار هذا الأخير يعمل من البيت «أونلاين» ويتسوق عبر المواقع الإلكترونية مثل «أمازون» الذي يشهد أزهي أيامه في ظل فيروس كورونا، إذ تضاعفت أرباحه، وأعلن عن رغبته في توظيف 100 ألف موظف إضافي. المستقبل صار بدون شك للأنشطة الاقتصادية التي تمارس من البيت، ونحن ما زلنا نضيق الخناق على المواقع والصحف الإلكترونية. هذه فرصة لإعادة النظر والتدبر والتفكير، فرصة لمضاعفة متابعي الميديا، فرصة لأشكال تفاعلية جديدة، فرصة للتفاوض مع المعنيين والقائمين على الأمور.. ربما أحداث كورونا قد تغير من طريقة تفكيرهم، فقد صلينا من البيت، وألغينا العمرة والموالد وغالبا الحج، فليس من المستحيل أن نطور أحوال الصحافة، وهذه مناسبة استثنائية إذا ما نجحنا في استثمارها».
تجار السوق السوداء
«في وقت يتألم فيها الجميع، ورائحة الموت تزكم الأنفاس، والبحث عن بصيص أمل ودواء، حلم يراود الناس، مع اليقين برحمة الله، يتعجب محمد مكي في «الشروق» من وجود بعض الناس يستغلون الأزمة، التي تهدد البشرية، في تحقيق مصالح ومكاسب صغيرة. أثبتت أزمة فيروس كورونا أنها لن تفيد حتى لو بلغت أطنانا من الأموال. للأسف الشديد شهدت السوق المصرية خلال الأسبوع الماضي، تحركا لسوق العملة غير الرسمية، وإن كان محدودا وتحت مجهر «الرقيب»، إلا أنه ينمُّ عن خصال غير إنسانية مليئة بالجشع، في وقت تحاول الدولة بشتى الطرق تأمين حاجات الناس، تجد فئة باغية امتلأت بطونهم بالمال الحرام، ويأبون أن يتوبوا، حتى في وقت أصبح الموت قريبا أكثر مما يظنون، مستغلين أوضاعا عالمية للضغط على مقدرات الدولة، فقد نجح المركزي في كبح جماح العملة خلال الفترة السابقة للأزمة، ولولا أزمة الأسواق الناشئة العام الماضي، لحققت العملة الوطنية قفزات في سعر الصرف أمام العملات الأجنبية. ليسوا وحدهم تجار السوق السوداء في العملة فقط، فقد ظهر مستغلون للأزمة فرفعوا أسعار السلع الأساسية والمنظفات والمطهرات والمستلزمات الطبية، وهو ما يحتاج إلى تدخل حكومي حازم لتصويب المسار، واتباع نهج البنك المركزي في غلق الصرافات، التي تعمل في عمليات غير شرعية، وسحب التراخيص، ويا حبذا لو قامت الدولة بتشميع تلك الشركات ومحال التجار، ممن يستغلون الموقف.. فما أحوج المصريين في الوقت الحالي إلى مسكنات تضمد الجراح، في وقت العالم كله يحتاج إلى من يحنو عليه. إن كنا مع حرية السوق وضد التسعير الجبري، لكن نحن في أشد الاحتياج إلى اقتصاد «منضبط». ففي الوقت الذي تجد محاولات إنسانية تفرح القلوب تجد مقابلها للأسف من يستغل الأزمة في أبشع صورها.. قانون الطوارئ نتحفظ عليه من حيث المبدأ، لكن أمام تلك الفئة المستغلة نعزف مع الدولة أن فلسفته تأتي لتأمين حياة الناس، مع التأكيد على أن الجميع في مركب واحد، ووجوبية السمو عن أي خلاف سياسي، طالما يراعي المعايير الأخلاقية والإنسانية، التي صارت أساسيات وليست ترفا. الأزمة أيها المستغلون هدمت اقتصاديات وبورصات وقصورا وهددت عروشا، وأكدت أن التكافل الاجتماعي والحقوق المتساوية في العلاج والعيش المشترك، طوق نجاة للبشرية. فحتي لو حققت مكاسب وقتية لن تفيدك في وقت، فقد أكبر اقتصاد في العالم 50٪ من قيمته، وانضمت ملايين لطابور البطالة، فما بالك ببلدان مثلنا تحاول البحث عن طوق نجاة، لا تكاد تخرج من أزمة إلا قابلتها أخرى، وظن من عليها أن الإفاقة والسعادة مرادف للغول والعنقاء والخل الوفي. إن كان العالم يتحدث عما بعد أزمة كورونا من تغييرات في أماكن النفوذ ومسارات الاقتصاد وصراعات الحضارات وعلم الفيروسات، فلسنا على مستوى الأفراد أحق بأن نقوِّم إعوجاجنا، بعد أن أصبحنا في معتقلات إجبارية، ونلفظ الحب الجمَّ للأموال التي لن تطيل عمرنا.. ولكم عبرة في المافيا الإيطالية التي تبرعت بمليارات الدولارات، لإنقاذ الاقتصاد القومي. بعيدا عن «الكوميكس» والسخرية التي دأبنا عليها من أداء الحكومات المتعاقبة، هناك للحق أداء جيد ومتوازن من أجهزة الدولة المختلفة، يتناغم مع الأزمة بشكل كبير، ويشعرك بأنه أداء مدرب وطني بعقلية أجنبية.. لكن هناك بعض الرتوش تحتاج إلى معالجة، منها الزحام الشديد في وسائل المواصلات، خاصة في الساعات السابقة مباشرة لوقت الحظر قبل السابعة مساء، وتدابير موارد لمحدودي الدخل، مع التفكير في إعفاء المواطنين من فواتير المياه والكهرباء والغاز لمدة شهر أو شهرين على الأقل.. وسط جهود فردية ومؤسسية تجعلنا نطمئن أن فجرًا قريبًا سيأتي، وإنْ سبقه ظلام دامس، الدروس منه لن تنتهي».
النخبة المالية
لا أحد ينكر على الإطلاق أن تداعيات أزمة فيروس كورونا، ضربت اقتصاديات دول العالم أجمع بلا استثناء، ويعاني العالم حالياً شبح الانهيار الاقتصادي، ومؤخراً يقول وجدي زين الدين في «الوفد»: «خرجت علينا مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا قائلة، إن جائحة كورونا دفعت الاقتصاد العالمي إلى ركود سيتطلب تمويلاً هائلاً، خاصة في مساعدة الدول النامية، وأشارت المسؤولة الدولية إلى أن هذا الركود سيكون أسوأ مما كان عليه الوضع في عام 2009 بعد الأزمة المالية العالمية. وفي ظل هذه الأوضاع البائسة، اضطرت دول كبرى، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن تجبر الشركات الكبرى مثل جنرال موتورز، أن تشارك الدولة في الأعباء، وطلبت من هذه الشركة وغيرها من الشركات، أن تغير نشاطاتها وتسخرها لخدمة أمريكا وتصنيع الأجهزة الخاصة بالتنفس، حتى يتم عبور هذه الأزمة، وكذلك تفعل حالياً فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، بل إن الغرب أجمع الآن، فرض على النخبة المالية لدى كل هذه الدول المشاركة في الأعباء، على اعتباره واجبا وطنيا. هنا يثور التساؤل المهم: أين النخبة المالية المصرية من هذا الأمر؟ صحيح أن هناك عدداً من المصريين يتجاوبون مع الأزمة، التي تعد الأخطر في تاريخ مصر، إلا أن هذا التجاوب ليس على المستوى المطلوب، بل يجب على هذه النخبة المالية التي تمتلك الكثير، أن تكون أكثر فاعلية في التجاوب مع الدولة، وتكون أكثر مشاركة، ونعلم أن الدولة المصرية فتحت حساباً لهذا الأمر في صندوق «تحيا مصر»، فلماذا حتى الآن لم تقدم النخبة المالية على ضخ الأموال في هذا الصندوق، وعلى جميع المصانع والشركات أسوة بأمريكا أن تسخر كل إمكانياتها مع الدولة المصرية، حتى تعبر البلاد هذه الأزمة. على سبيل المثال لا الحصر مثلاً لماذا لا تسخر المستشفيات الخاصة في البلاد – وما أكثرها في كل المحافظات – كل إمكانياتها لخدمة المواطنين بالمجان، وليس بمقابل مادي، وتكون بذلك قد شاركت الدولة في الأعباء خلال هذا الظرف؟ فلا يجوز بأي منطق أن تستمر المستشفيات الخاصة في جباية الأموال من المرضى في هذا الظرف الخطير، الذي تمر به البلاد. والمعروف أن النخبة المالية في العالم كله سخّرت أموالها وشركاتها ومصانعها لبلادها حتى العبور من هذه الأزمة، التي ضربت الدنيا كلها، فما فائدة هذه الأموال لدى أصحابها والدنيا تواجه خراباً بشعاً؟ صحيح أن نفراً قليلاً تبرع بعدة ملايين، لكن هذا غير كافٍ على الإطلاق، خاصة أنه ليس هناك خطر أشد مما نحن فيه الآن.. فأمريكا أم الرأسمالية والغرب الذي يطبقها وينفذها، بدأ مع نخبته المالية في اتخاذ إجراءات مهمة، لن نقول عليها تأميما، بل هو واجب وطني حتى تعبر بلادهم إلى بر الأمان.. وما زلنا نحن في مصر في حاجة شديدة وماسة لأن تقوم هذه النخبة بمشاركة الدولة المصرية في «هذا الهم» الذي لم يكن يخطر على بال أحد. الوقت يمر والدنيا من حولنا تنهار اقتصادياً، وحتى كتابة هذه السطور، لم نجد رجل أعمال لديه ملاءة مالية كبيرة، يعلن تخصيص أمواله لمشاركة الدولة في الأعباء؟ فإلى متى تقف النخبة المالية تتفرج على هذه الأوضاع البشعة، فالتبرع بعدة ملايين من هذا أو ذاك غير كاف، وإنما المفروض مشاركة فعالة قوية، حتى تعبر البلاد هذه الأزمة ويغور هذا الوباء إلى غير رجعة».
صور سيئة
عباس الطرابيلي في «الوفد» أزعجته كثيرا صور ازدحام بعض شواطئنا في الأيام القليلة الماضية، فقد خرجت عائلات عديدة إلى شواطئ رأس البر والإسكندرية والسخنة ورأس سدر، أغراهم تحسن الطقس بالخروج إلى هذه الشواطئ.. فهل خرج كل هؤلاء للاستمتاع بهذا الجو.. بدون مراعاة لمخاطر هذا الخروج الذي وصل إلى حد الازدحام؟ ويواصل الكاتب تساؤله، هل هو لا مبالاة، أم ثقة أكثر مما يجب؟ أم هو عدم احترام لما تنصحنا به الحكومة، وكأن الدعوة التي تطالبنا بالبقاء في البيوت، مجرد عبارات بلا معنى؟ أكاد أقول بل هي جهل وعدم إدراك لحقيقة الخطر الذي يحدق بنا. يقول الكاتب، رأيت صور مئات السيارات الخاصة تنطلق عبر شارع بورسعيد، في مصيف رأس البر، وتزدحم وهي تبحث لها عن مكان، حتى لسان المصيف الشهير، رغم التزام المطاعم والكافيهات، وأماكن التسلية بقرارات حظر التجول.. وقد تنبهت محافظة دمياط الدكتورة منال عوض لهذه الصور المؤلمة.. وتفاعلت أكثر.. وقررت إغلاق هذه الشواطئ أمام من لا يعي المعنى الحقيقي لقرارات الحظر، ولكن الأمر يحتاج إلى وعي أكثر حدة.. مثل تعاون إدارات المرور في دمياط، لكي تمنع انطلاق هذه السيارات، حاملة مئات العائلات، التي اعتبرت تحسن الجو ـ يوم الجمعة الماضي ـ فرصة للخروج والتنزه، بدون أن تدري خطر هذه الظاهرة، فهل كانت إدارات المرور تحتاج قراراً لإغلاق الطرق المؤدية إلى شاطئ رأس البر؟ أم أن العقوبات المالية والحبس التي قررتها الدولة ليست رادعة كما يجب؟ حقيقة الدولة لم تقصر، ولكننا كنا ننتظر استجابة شعبية فورية وحاسمة، باحترام وبفهم معنى الحظر، ومعنى البقاء في البيت، وإذا كانت الدكتورة محافظة دمياط قد أسرعت إلى إغلاق شواطئ رأس البر. فهــــل كانت إدارة المــــرور تحتاج قرارا بسحب تراخيص هذه الســـيارات، وهي خارجة من المصيف، لقد أدت الحكومة دورها كما يجب، والدليـــل قرارات الدكتورة محافظة دمياط، فماذا تفعل الدولة أكثر من ذلك حماية للناس من خطر التجمعات؟ والشيء نفسه اتخذه محافظ الإسكندرية من إغلاق شواطئ المدينة، وأيضا ما اتخذه محافظ جنوب سيناء، ولكننا كنا نتمنى تحركا شعبيا، خصوصا أن هذه القرارات ما أصدرتها الدولة إلا لحماية الناس.. ويؤسفني بل يؤلمني تلك الصور السيئة لقطاعات كبيرة من المصريين، لأن قرارات الدولة تطير في الهواء من بعض الشباب، الذين اصطحبوا عائلاتهم وأطفالهم إلى هذه المصايف، وكأنهم في رحلة ترفيهية، بل سمعت أن العديد من سيارات الرحلات انطلقت إلى شواطئ الإسكندرية، وتلك هي قمة الملهاة».
قضية واحدة
ثلاثة وزراء وقضية واحدة.. هكذا يبدو الموضوع، كما يقول سليمان جودة في «المصري اليوم»: «بين المهندس طارق الملا، والدكتورة ياسمين فؤاد، واللواء محمود شعراوي، في وزارات البترول، والبيئة، والتنمية المحلية، على التوالى. أما الموضوع فهو قضية النظافة العامة التي صارت هاجساً عالمياً هذه الأيام، منذ أن بدأ فيروس كورونا مهاجمة العالم، انطلاقاً من مدينة ووهان الصينية منتصف ديسمبر،كانون الأول الماضي.. فقبلها لم تكن النظافة العامة ولا الخاصة بهذه الدرجة من الإلحاح في سلوك كل إنسان يعيش على كوكب الأرض، ولو أن الوزراء الثلاثة طلبوا الاطلاع على تفاصيل تجربة افريقية قريبة منا، هي تجربة العاصمة الرواندية في مسألة النظافة العامة بالذات، فسوف يجدون فيها ما يفيدنا كثيراً.. فالعاصمة كيجالي لها تجربة فريدة، وتجربتها تقوم على أساس تخصيص السبت الأخير من كل شهر، لينزل فيه المسؤولون في العاصمة إلى الشارع، ومعهم الموظفون والمواطنون.. والهدف هو أن تكون عاصمة رواندا أجمل عواصم القارة السمراء، وما حدث ويحدث في رواندا، التي هي إحدى دول حوض النيل، يقول إن قضية مثل النظافة العامة، لا تخص الحكومة وحدها، وإن المواطن لا بد أن يكون شريكاً فاعلاً فيها.. وربما سيفاجأ الوزراء الثلاثة إذا عرفوا أن عاصمة رواندا صارت تُعرف بين عواصم افريقيا بأنها باريس القارة. إنني أتابع مشروع المخلفات الصلبة الذي تتبناه وزيرة البيئة، وأراها مؤمنة به ومتحمسة له للغاية، وأتابع حركتها الدائبة بين وزارة البترول مرة، ووزارة التنمية المحلية مرة أخرى، لعل المشروع يكتمل قبل انتقاله إلى مرحلة تالية، هي المناقشة في مجلس الوزراء، ثم مرحلة ثالثة وأخيرة هي الإقرار النهائي الذي سيتحول معها إلى مشروع حي في حياة الناس. وأرى أن اللواء شعراوي ليس أقل تحمساً، ولا أقل انخراطاً في مضمون المشروع، بحكم مسؤوليته المحلية التي تمتد إلى المحافظات وتشمل المحافظين.. وكذلك المهندس الملا الذي تتبعه شركات في السويس وفي البحر الأحمر، ولا بديل أمامها سوى الالتزام في صرفها الصناعي باشتراطات ومعايير بيئية عالمية، عرفها العالم وأصبح يعمل بها، ويمشي عليها. قبل 25 يناير/كانون الثاني كنا نتابع شعاراً ناجحاً كان يقول: الضرائب مصلحتك أولاً.. والتحدي الحقيقي أمام الوزراء الثلاثة، وأمامنا جميعاً في الحقيقة، هو إعادة صياغة الشعار ليصبح: النظافة أيضاً مصلحتك أولاً.. والباقي سوف يكون سعياً إلى إقناع كل مواطن بأن القضية على مستوييها العام والخاص ليست نوعاً من الترف».