تطلب من الشاعر والملحِن والموزع أفضل ما لديهم وتطلق «فلّو» المغنية عبير نعمة: علمتني جائحة كورونا أهمية التضامن الإنساني والاجتماعي وبدلت لائحة الأولويات

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-»القدس العربي»: بحب وصدق يشبه شخصيتها أدت الفنانة عبير نعمة أغنية «فلّو» التي تُجسّد فكرة الغياب بكافة ظروفه وحالاته، والأثر الذي يتركه في حياة البشر. إنها أغنية تعكس المشاعر المختلفة التي يمر بها الإنسان للتغلّب على جراحه، أو تحقيق المساكنة معها. اختارتها عبير نعمة أغنية حقيقية مستمدة من تجربة مؤلمة لكاتبها الشاعر غسان مطر مع الغياب، وعكستها بحدود ما تستحق على تجربتها في تحقيق امومتها، والتي لم تكن سهلة المنال.

بصمة عبير نعمة في جديدها ظهرت أيضاً في اللحن الذي نسجته بريشة المشاعر المرهفة، والذي تمكن الموزع طارق سكيكر من منحه أبعاداً فنية، جعلته يتسلل إلى الإحساس بهدوء.
مع عبير نعمة هذا الحوار:
*اخترت من قصائد الشاعر غسان مطر العاطفية والإنسانية قصيدة «فلّو». ما الذي أخذك إليها؟
**النص بذاته ناداني، شعرت أن الهروب من تلحينه مستحيل. نص واقعي، أحسسته معبراً عن الواقع الذي نعيشه جميعنا في هذه الفترة الزمنية. نعيش الكثير من الغياب والألم ليس فقط من خلال الموت بل عبر وجوه أخرى. الصور التي تضمنها النص الشعري عظيمة برأي.
*الغياب جرح بليغ في حياة الشاعر. هل تلتقين معه في مكان ما؟
**من المؤكد أن الشاعر يعبّر بقلمه، والموسيقي بما يؤلفه من موسيقى، أو من خلال صوته. بالطبع تختلف طريقة التعبير ويبقى الجرح نفسه، وخاصة لدى الفنانين نظراً لرهافة الإحساس لديهم.
*هل حسم القرار بغناء شعر ما سهل بالنسبة لك؟ وهل تشعرين حيال الشعر بالحب من النظرة الأولى، أم يراودك التردد؟
**مطلقاً هي ليست مسألة سهلة. اختيار الشعر مرحلة صعبة وهي الأولى ضمن مراحل إعداد الأغنية. صحيح أحياناً أقع في حب القصيدة من القراءة الأولى، وعندها أتمسك بها للنهاية. وفي أحيان أعيش تردداً عندما ألمس بعض التكرار في النصوص والأفكار. أبحث عن النص الجديد والحامل لرسالة محددة، ويتوجه للناس بأسلوب جذّاب. نص يتميز بالسهولة التي تمكِّن الناس من حفظه وغنائه، وبالوقت عينه يتصف بالعمق. الوصول إلى نص يحمل كافة هذه المقومات غالباً ما يكون صعباً، في أحيان أخرى يكون سهلا وسريعاً.
*وأي كلام يناديك فتحسمين قرارك بتلحينه أنت شخصياً؟
**ليس كل نص أحبه أعمد لتلحينه بنفسي. فقط هناك نصوص أشعر برغبة تلحينها بطريقة محددة، فأسند المهمة لذاتي. وأعترف بأن كافة الأغنيات التي لم ألحنها وغنيتها أعيش معها حالة غرام.
*كيف يترجم الموزع أفكار الملحن؟ هل توافقين أن الموزع ملحن ثانٍ للأغنية؟
**يترجم الموزع الموسيقي ليس فقط افكار الملحن، بل كذلك أفكار القصيدة التي بين يديه. وإن أخذ الموزع اللحن نحو اتجاه مختلف عن الذي أراده الملحن، فهو قد يحمل الأغنية إلى مكان غير جميل، بغض النظر عن أهمية اللحن، أو الصوت المؤدي، أو النص المكتوب. الموزع هو موسيقي دارس لعلم الأصوات، وعلم الآلات وهو بالتأكيد ملحن ثانٍ للأغنية. وهو شريك كبير جداً في صناعة الأغنية ونجاحها تماماً كما الملحن والكاتب.
*الفنان/ة التي تملك دراسة أكاديمية في الموسيقى والغناء هل يصبح التعاون معها على صعيد اللحن صعباً؟
**أبداً ليس صعباً. دراسة الموسيقى تحتاج لسنوات طويلة ولا يمكن أن تنتهي. المغني المتخصص أكاديمياً يعرف حرفته. وبطبيعة الحال من درس الموسيقى يتدخل بتلقائية. تدخل ليس لفرض رأيه على الملحن أو الموزع، بل يأتي كنوع من لقاء موسيقي جميل بين الأطراف التي تشكّل هذه الأغنية. وهذا ما أعتبره غِنى للعمل.
*وهل أنت متطلبة؟
**متطلبة كثيراً بالتأكيد، إنما ليس لحدود الإزعاج. نعم أطلب الأفضل من الملحن، والشاعر، والأفضل من أي موزع. أصرّ حتى آخر لحظة لتكون الأغنية عملاً أفتخر به. وعندما يسمعها الناس تكون مطابقة لتوقعاتهم منها.
*من تستشيرين في ألحانك؟
**استشير زوجي أولاً كونه موسيقي وعازف «بيس» ويعدُّ الدكتوراه في العلوم الموسيقية. واستشير إخوتي، فجميعهم موسيقيين خاصة جورج وأيلي نعمة، وكافة إخوتي وأخواتي. كما استشير أصدقائي الموسيقيين الذين أثق بمحبتهم، والأهم ثقتي بهم على الصعيد الموسيقي.

*وماذا في أرشيفك من ألحان خاصة؟
**هناك العديد من الأغاني التي قمت بتلحينها وصَدَرت إلى العلن، وبحوزتي قسم آخر لا يزال قيد التحضير. «فلّو» هي الأغنية التي لحنتها في الألبوم السابق مع شركة Universal Music MENA. ولحنت أغنية «يا ترى» من كلمات لوكاس صقر وتوزيع جورج قسيس. إضافة لأغنية «في سفري» التي أنتجتها هيئة أبو ظبي للسياحة والفنون، والتي صدرت مؤخراً ضمن ألبوم «حكاية». وهذه الأغنية اشتركتُ بتلحينها مع وسام كيروز وهي من توزيع مارك نعّوم. أغنية أتت ضمن عمل متكامل مختار من دواوين الشاعر أبو الطيب المتنبي تحت عنوان «المتني مسافراً أبداً». هذا العمل قدمتهُ بمناسبة افتتاح معرض أبو ظبي الدولي للكتاب، وهو من إنتاج هيئة أبو ظبي للسياحة والفنون. ويتضمن بالإضافة لأغنية «في سفري» أغنيات «على قدر أهل العزم» و»المتنبي مسافراً أبداً». كما ولحّنت الموسيقى الخاصة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وهي الموسيقى التي ترافق فعاليات هذه الجائزة في كل عام.
*لماذا النساء هنّ رمز للمعاناة في الفيديو كليب؟
**نظراً لكوني امرأة رغبت بأن تمثل هذه الأغنية والفيديو كليب ما تواجهه المرأة من معاناة مع الغياب والألم. تسألينني عن كونهنّ رمزاً للمعاناة، واجابتي أنهنّ في المقابل رمز للقوة. فالمرأة تحمل في داخلها كل هذا الألم وتعيشه مع نفسها، ودون أن تُشرك فيه من حولها. هو فيديو كليب لا يحمل فقط رمزية المعاناة، بل ينتهي بصورة جامعة مفادها أننا لبعضنا، وكلانا يستمد قوته من الآخر.
*في زمن كورونا نسألك كيف تعاملت مع الجائحة؟
**كانت مرحلة صعبة ولا تزال. علمتنا جائحة كورونا الكثير، ودون شك عشنا الحجر بكل ما يتطلبه من حماية ذاتية. وعندما تسلل الفيروس إلى عائلتنا الصغيرة واجهنا وضعاً صعباً نظراً للأعراض غير السهلة التي مررنا بها. الحمد لله مرّت الأمور بسلام، وتخطينا الصعوبات. وتعلّمنا من جائحة كورونا أن سلوك كل فرد في هذا العالم الذي يتميز بسهولة وسرعة التنقل، يؤثر على إنسان آخر في أبعد نقطة من الكرة الأرضية. ومما تعلمناه قيمة التضامن الاجتماعي والإنساني، وقيمة العائلة ومن نحب. تبدلت الأحوال، والأمور التي كانت بالنسبة لنا من البديهيات باتت من أساسيات حياتنا. كان مفيداً أن الجائحة بدّلت سُلم الأولويات في حياتنا، وتخلينا عن قصص كثيرة لا لزوم لها.
*هل لديك تصور لمستقبل العالم بعد الجائحة؟
**تصوري قاتم نسبياً خاصة في منطقتنا المعذّبة تاريخياً، وبلدنا بشكل خاص. بهدف الوقاية تعلمنا خلال الجائحة ولا نزال، أنه بات طبيعياً أن لا نقترب من أحدهم للسلام باليد. هذا السلوك الذي بات طبيعياً كحذر من العدوى، أتمنى أن لا يستمر ليصبح هو الطبيعي والدائم في المستقبل. بغير ذلك يكفينا ما فينا من توقعات سلبية على الصعيد المحلي والدولي. فقد تعلمنا أيضاً عدم الإفراط في التوقعات الإيجابية، فمنذ سنة وحتى الآن كنا حيال تغيرات وأحداث كبيرة وكثيرة. لذلك علينا انتظار الحياة لمعرفة ماذا ستحمل لنا.
*في شهر آذار عيد الأم والطفل فماذا تقول لك الأمومة ونعرف أن تجربتك معها ليست سهلة؟
**من خلال تجربتي أقول أني حققت أكبر إنجاز في حياتي عندما أصبحت أماً. عندما صرت أماً بت أعرف قيمة أمي. ليس هذا وحسب بل عرفت قيمة كل أم في الدنيا. على الأمهات مسؤولية كبيرة جداً في تربية الأجيال وفي زمن صعب للغاية. نعم لم تكن تجربتي سهلة في تحقيق الأمومة، وتحياتي لكل أم تربي وتصنع رجالات ونساء المجتمع. وأملنا أن تكون تلك الأجيال على قدر واسع من التهذيب والعلم. أجيال تتحلى بالثقافة والوعي، وهي مسؤولية غير بسيطة. أدعو الله لحماية الأطفال والأمهات في هذا العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية