أوري بار يوسيف
بعد مرور 51 سنة على حرب الغفران، نشر أرشيف الدولة كالعادة توثيقاً يتعلق بالحرب. في هذه المرة، تم اختيار محاضر نقاشات الكابنت برئاسة غولدا مئير بتاريخ 19 تشرين الثاني 1973. العنوان الذي اختاره عوفر أدير لهذا النشر يؤكد رسالته الرئيسية: إيمان المشاركين بعدم وجود احتمالية لسلام حقيقي مع العرب (“هآرتس”، 10/10).
لقد أخطأوا. فبعد أربع سنوات، في 19 تشرين الثاني 1977، هبطت طائرة أنور السادات في مطار بن غوريون. وبعد خمس سنوات من ذلك، تم التوقيع على اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر في واشنطن. الهدف الأساسي للاتفاق هو منع الحرب، وتحقق ذلك. ورغم كل المشككين، فإن السلام ثبت وصمد منذ 45 سنة. إسهامه في أمن دولة إسرائيل كبير، وهو الثاني بعد الحلف مع الولايات المتحدة.
من خطأ ذلك الحين إلى خطأ اليوم. إن فشل الإنذار في يوم الغفران في 1973 حل محله فشل أفظع. وحل محل صدمة ذلك الحين شدة صدمة 7 أكتوبر وبدرجة أكثر. وحل محل غضب غولدا مئير وموشيه ديان غضب الجمهور المبرر من رئيس الحكومة والوزراء. ولكن من يتطلع إلى المستقبل، بالتحديد الوثيقة التي كشف عنها الآن أرشيف الدولة مهمة لأنها تعلمنا، مرة أخرى، إلى أي درجة لم يكن للقيادة أي فكرة حول ما قد يحدث وإلى أي درجة هي مقتنعة بصدق تنبؤاتها.
سنبدأ بغولدا مئير. عندما أوضحت موقفها السلبي بخصوص السلام، في تشرين الثاني 1973، كانت تعرف عن مبادرة السادات في شباط 1973. في تلك المبادرة السرية، اقترح السادات إنهاء النزاع والاستجابة لكل طلبات إسرائيل الأمنية مقابل إخلاء شبه جزيرة سيناء. كان رد غولدا مئير الرفض التلقائي، ولم تجر نقاشاً حول إمكانية الرد عليها بالإيجاب. المنطق الذي وجهها قبل الحرب هو نفس المنطق الحازم والمبرر الذي وجهها أيضاً بعدها: لو جُررنا وراء من وعدونا بوجود سلام خلف الحدود الدولية.. السلام كما نريد نحن أن نفهمه، فالويل لنا عندها”. ولكن غولدا مئير ظهرت فجأة كصدّيقة مقارنة مع جيل قادة اليوم. لأنها على الأقل قالت كلمة “سلام” وتاقت إليه حتى لو لم تؤمن باحتماليته. وماذا بالنسبة لهم؟ يأس كامل.
لا فائدة من التطرق إلى مصلحة وزراء الحكومة الحالية في التوصل إلى السلام، سواء كانوا مسيحانيين أو انتهازيين أو عديمي الرأي والتفكير المستقل، الحلم الذي يربط أمن إسرائيل بإنهاء حالة الحرب مع جيرانها غريب عنهم. المشكلة ليست معهم، بل مع الذين يتفاخرون باستبدالهم، وقيادة إسرائيل نحو مستقبل أفضل.
خذوا بني غانتس مثالاً. متى سمعتم منه كلمة واحدة عن حلم استراتيجي للسلام والأمن؟ إنما يُسمع على أنه ليس سوى قائد فرقة. حلمه الرئيسي والوحيد هو احتلال رفح في شباط وليس فيما بعد. رد أفيغدور ليبرمان على التهديدات، الذي اعتبره كثير في اليسار والوسط بشرى كبيرة، هو المزيد من القوة، بدءاً من احتلال جبل الشيخ السوري ومروراً بقطاع أمني واسع جداً في لبنان، وانتهاء بتجويع غزة.
إن تعلم دروس التاريخ ليس الجانب القوي لديه. يئير لبيد يطرح بين الحين والآخر حلماً صغيراً، لكنه يحذر من أي كلمة حول الحاجة إلى عملية سياسية.
خيبة الأمل الكبيرة (في هذه المرحلة) جاءت ممن كان يبدو أنه سيقود خطاً واضحاً في شؤون السلام والأمن: يئير غولان تغير منذ أن شكل حزب الديمقراطيين. في الحقيقة، هو يتحدث عن “الانفصال”، لكن حلم “الدولتين” بالضبط مثل حلم السلام لدى غولدا مئير، فهو ليس على الأجندة من ناحيته، ولن يوجد في السنوات القادمة أيضاً. تهنئته بالسنة الجديدة مليئة بالنوايا الحسنة، لكن عملية سياسية مع الفلسطينيين لم تذكر فيها. البرنامج الاستراتيجي الذي نشره مع تشيك فرايلخ (“هآرتس”، 14/10) يبدو كوثيقة عمل ليس فيها إلهام، وهي من إنتاج هيئة الأمن القومي، ومبنية على افتراض غير واضح يقول إن الحرب أبعدت احتمالية الحل السياسي “لسنوات كثيرة”.
عندما طرحت غولدا مئير حلمها المتشائم، كانت معظم الدول العربية لا تزال ملتزمة بتدمير إسرائيل. ولكن منذ 22 سنة ومبادرة الجامعة العربية تقف أمام إسرائيل، وتطالب بإنهاء النزاع والتوقيع على اتفاق سلام والتطبيع معها مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967. هذا موقف أفضل صديقاتنا التي تدعو إلى خلق أفق سياسي لتحريك خطوات إقليمية تعزز المشروع الصهيوني.
لكن متى سمعتم زعيماً مركزياً في إسرائيل يتحدث عن اقتراح السلام هذا؟ مشكوك فيه أنهم قد أجروا حوله نقاشاً واحداً، رغم أنه التغيير الأكثر أهمية ووعداً في تاريخ النزاع. الانطباع الواضح الذي يبثونه أن أفقهم نسخة عن أخبار المساء، والتهديد الرئيسي هو فقدان مقعدين في الاستطلاعات. وما لم يخلعوا قفازاتهم السياسية ويطرحون بديلاً للإجماع العنيف، فقد حكم علينا الاستمرار في العيش هنا مع انعدام الأمن.
هآرتس 20/10/2024