لم يشهد الوسط الثقافي العراقي أن تصاعد الجدل بين مثقفيه حول موقفهم من الأوضاع العامة التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003 مثلما هو اليوم، وقد ارتفعت حدته مع ارتفاع سخونة التظاهرات بعد 25 تشرين الأول/اكتوبر والتي كانت قد ابتدأت في الأول من الشهر نفسه، خاصة ان من يقود الحراك الشعبي لا علاقة له بالنخب المثقفة، وأغلبهم شباب صغار لم تتجاوز أعمارهم عشرين عاما، بينهم طلاب اعدادية وجامعات وبينهم الكثير ممن لم يكمل تعليمه. إلاّ ان ما يميزهم وعيهم العالي بقضية وطنهم، وهذا ما شكل مفاجأة لكل الأجيال التي تجاوزتهم في السن والخبرة سواء في الحياة أو العمل السياسي، ولعل المثقفين في مقدمة من تلقى هذه الصدمة، لأنها كشفت خواء الفعل الثقافي إذا لم يكن يملك مجسَّا يتنبأ أو يستشف ما يتحرك في أعماق المجتمع من تحولات. من هنا خرجنا بسؤال محدد: أين الثقافة العراقية من الصراع الدائر بين السلطة والشارع؟ ولأجل الخروج بإجابة تحمل تصورا واقعيا حول هذه القضية آثرنا ان نطرح سؤالنا على مجموعة مثقفين، منهم من يعيش داخل العراق ومنهم من يقيم في بلدان الاغتراب لكنه على تواصل وتفاعل مع يجري في وطنه الأول.
تمزقت صورة المثقف
الكاتب المسرحي العراقي ناهض الرمضاني يقرأ صورة المثقف بعد الاحتلال الأمريكي ويجدها أوشكت ان تتمزق تماما، لأن حرية النشر والفوضى الكبيرة التي سادت قد أوجدت طلبا كبيرا على مواد إعلامية أو شبه ثقافية لملء هذه الفجوة. وكانت هذه فرصة لعدد ممن الكتاب والمتثقفين الذين سرعان ما التحق كل منهم بجهة ٍما وأصبح صوتا لها يميل حيث تميل. وحينما احتد الصراع وأخذ بعدا طائفيا تحول عدد من المثقفين التنويرين إلى أبواق تمجد الطائفة أو العرق وازداد التصاق كل منهم بجهة أو شخصية ممن تسيدوا المشهد. ويرى الرمضاني ان أيا من هؤلاء جميعا لم يكن بحسبانه ان جيلا عراقيا جديدا سيظهر ويشق طريقه إلى النور متجاوزا أطنانا من جعجعتهم الفارغة. لذا “فأنا واثق من انهم قد اصيبوا بصدمة كبيرة وهم يشاهدون ما يحدث اليوم في ساحة التحرير. أنه مشهد لم يتمنوا حدوثه ليس لأنهم لم يشاركوا في صنعه فحسب. بل لأنه مشهد ينذر بكنسهم هم وأسيادهم من الطبقة السياسية الفاسدة التي شلت العراق لعقد من الزمان”.
السلطة واستقطاب المثقفين
الشاعر العراقي هاتف الجنابي الذي يقيم في بولندا يرى من جانبه أن المعضلة في العراق تكمن في أن من جاء إلى السلطة واستلمها جاهزة بعد 2003 لا يمتلك حسا وطنيا ولا كفاءة ولا وعيا اجتماعيا، فكريا، يؤهله لقيادة دولة مفككة كالعراق. ويضيف، استلمت السلطة قوى غوغائية في مجملها تنتمي إلى طوائف وقوميات (لملوم) كما يقال باللهجة الشعبية المحلية، جمعتهم السلطة ونهب المال العام. ونلاحظ تفاقم نقمة الشارع مقابل توسع أخطبوطي لسلطة مافيا الأحزاب الدينية والعشائرية وأذرعها القمعية، واشتداد نهبها وتجهيلها للناس وتبعيتها للخارج. ويعزو الجنابي تعاظم حالة الاغتراب في المجتمع العراقي إلى ارتباط ذلك ببروز هوة سحيقة ما بين المجتمع والسلطة، فوصل الشارع إلى حالة لا رجعة فيها من احتقار الأحزاب والفئات الحاكمة وعدم الثقة بهم. أما عن موقف المثقف العراقي مما يجري فمن وجهة نظره ان حالة من التخبط والتردد والتسطيح والتشظي تسود المثقفين، ويضيف: كان المثقف في السابق موزعا بين انتماءين، مع السلطة أو ضدها، لكنه كان يلتقي حول أفكار كالوطنية، وأهمية وجود مؤسسات رسمية راعية للثقافة، إضافة إلى الانفتاح على الثقافات الأجنبية، والاجتهاد الأدبي-الفني-المعرفي. وبعد العام 2003 حاولت بعض القوى والأحزاب أن تستقطب من بقي في الداخل بعد هجرة جماعية لمثقفي العراق، لكنها لم تفعل ذلك بهدف خدمة الثقافة العراقية التي لا تؤمن بها. ويحمل الجنابي مسؤولية هذا التعدد في الانتماءات الحزبية والقومية والطائفية إلى نشوء حالة منفعة وتشرذم في الوسط الثقافي العراقي. وعليه فمن صار موظفا في إعلام الأحزاب الدينية أو الحكومية لم يعد له دور في مواجهة ومحاسبة المسؤولين عن خراب البلاد. ويختتم قائلا إنّ تحرّك الشارع بزخم غير معهود وضع المثقف العراقي أمام معادلة جديدة: أما أن تكون مع ما يجري أو تتحمل عواقب لا مبالاتك. وسيخلق هذا الحراك استقطابا ووعيا ثقافيين عراقيين جديدين.
مواقف فردية للمثقفين
الأكاديمي والمخرج السينمائي حمودي جاسم الذي لجأ إلى اسبانيا بعد مرور ثمانية أعوام على احتلال بغداد يعتقد جازما ان الثورة التي حصلت في الأول من تشرين الأول/اكتوبر كانت أكبر بكثير من كل الحراك الثقافي، ويأسف لأن غالبية العاملين في الثقافة العراقية طيلة الفترة الماضية كانوا طفيليين. ويضيف، لقد تعّلمَتْ هذه الغالبية بتراكم السنين على الاعتياش من طبق السلطة، بينما هذه الثورة بالأساس هي ثورة شباب فقدوا الأمل بواقعهم ويائسون من المستقبل، ولكن عند نجاح الاعتصامات وتوسع نطاقها انخرط عدد من المثقفين لتأييد نشاط المتظاهرين. ويجد حمودي دليلا على ما ذهب إليه في تأخر إعلان مساهمة اتحاد الأدباء ونقابة الفنانين، وامتنعت نقابة الصحافيين عن المؤازرة بهذا الانقلاب الوطني والحضاري. بينما نرى نقابتي المحامين والمعلمين قد سجلت حضورا والتفافا مع المتظاهرين. ولا ينفي حمودي وجود مواقف فردية متقدمة ووعي تنبؤي لمراسيم التغيير وأدواته. ومن وجهة نظره ان الثورة الاجتماعية اليوم أكبر من انتفاضة اقتصادية أو سياسية وأعمق وأشمل بكثير ومدادها الايمان العميق بالحراك السلمي وقدرته على التغيير وهو ما كان غائبا في منظور حياتنا التي اعتادت على الانقلابات العسكرية.
المثقف الصامت
الشاعر العراقي بولص آدم المقيم في النمسا منذ ربع قرن يجد في صمت المثقف خدمة للسلطة، ومن ضَرَبَه فيروس الطائفية فهو خير معبّر عن صنف تلك السلطة، ويضيف قائلا لن نفاجأ لاحقا لو انقلب أغلب هؤلاء، فهم ماهرون في التقلب من هذا الموقف إلى نقيضه، فقد تعودوا مثل سادتهم وبمهارة ان يكون المقسوم من ملك الشعب هدفا أول، بل أدّوا دوراً يرقى إلى الخيانة. ويؤكد آدم أن الثورة لم تكن تحت قيادة المثقف، سواء إيديولوجي مضاد ام مثقف حر، وأن هذه الثورة بحاجة ماسة لنا في الدعم بأي وسيلة من وسائل المثقف المبدع أو المفكر المبدع من وسائل تقليدية وأخرى غير تقليدية، فلو نزل المثقف وانضم إلى المتظاهرين فذلك أروع دور، أما إذا أبدع من موقعه أينما كان في خدمة الثورة فذلك يدعم شباب الثورة. وفي قراءته لعينة الثوار في سوح التظاهر اليوم يُقر آدم بأنهم غير مثقفين ومدفوعين بفطرة وطنية نابعة من رغبة عارمة في التغيير الجذري، لأنهم يرون في ذلك أملا، لذلك جازفوا بحياتهم وسيواصلون إلى أن يتحقق الهدف. ومن جانبه كشاعر ومثقف وإن كان مقيما في ديار الغربة يؤكد آدم بأنه وعدد آخر من المثقفين المغتربين يستنفرون فطرتهم الوطنية السليمة ويضعونها في خدمة الشباب المنتفض ولن ينتظروا أو يتعالوا أو يشككوا أو ينزووا أو يبقوا متفرجين، ومن يسلك هذا المسلك السلبي سيُنظر اليه نظرة لإ يحسد عليها، ويستشهد بموقف الفيلسوف برتدراند رسل فيقول بإن هذا المفكر بمكانته الكبيرة لم يكتف بالاحتجاج الفكري بل قاد المظاهرات في لندن فحق له تمثيل الثقافة التي تشرب منها وأضاف إليها وإلى الفكر البشري من بعد، كما لم يلتزم الشاعر الاسباني لوركا الإقامة في بيته عندما عمت الثورة اسبانيا بل واجه مصيره من أجل الثوار، وإذا ما اعتقد المثقف بأن خياراته محدودة فسوف يكون مسلوب الإرادة، أما إذا أردنا تمثيل الثقافة العراقية فليس هناك غير وضع بصمة إضافية وضمها إلى بصمات التاريخ.
مثقفون أم كهنة
الأكاديمي والمخرج السينمائي سمير زيدان من خلال تواجده في أوروبا وجد عددا من أصدقائه المثقفين وجلهم شعراء وكتاب وفنانون وبعد سقوط نظام البعث، بدأوا يمدحون المرجعية الدينية والحوزة واثنوا كثيرا على تدريسها للفلسفة والعلوم التطبيقية. ويضيف، بما أن جميعهم شيوعيون فقد تساءلت في حينها أمامهم عن مسؤولية رجال الدين بشيوع التخلف وعن رأيهم في مقولة “الدين افيون الشعوب” حسب ايديولوجياتهم على الأقل، وسرعان ما اتضح لي أن هذه النماذج تعاني من ازدواجية لم تستطع أوروبا بمجتمعاتها المنفتحة وثقافتها ان تنهيها وان تنهي روافد التخلف في بنيتهم الثقافية.
ويؤشر زيدان على طيف واسع من المثقفين العراقيين الذين ينافقون بنتاجهم الأدبي، فهم ملحدون وفي نفس الوقت يستخدمون الأحاديث والمقولات والآيات القرآنية. ويصل إلى نتيجة حول هذه النماذج فيقول عنهم بأنهم لا يريدون مواجهة الأنظمة المتخلفة ولن يعول عليهم بأي دور في التغيير. ويرى أيضا أن المثقف المرتبط باللوبيات القومية والشيوعية والدينية تحوّل إلى بوق ويريد اليوم ان يكون ناصحا للشباب المنتفض. وتقمص الكثير منهم هذا الدور وتناسى ان التجارب السياسية في العالم لتأسيس نظام دولة سواء كانت شيوعية أو قومية أو دينية باءت بالفشل وكلفت البشرية ملايين الضحايا سواء بالقتل أو بالجوع كتجربة الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا وكمبوديا والصين. وخلاصة ما يريد قوله إن المثقف المتمسك بالموروثات القبلية والدينية من الطبيعي ان يستنكر على الشباب في ساحة التحرير مظاهر البهجة والغناء والرقص لأنه يدرك بأن الإسلام السياسي يخاف من بهجة الثوار بالموسيقى وكل الفنون، وما من شهيد سقط إلا ليعيش اخوته وأبناء وطنه حياة أجمل وأكثر فرحا. ولا يجد غرابة في أن قسما من المثقفين الذين تعودنا على تلوّنهم حسب الظروف قد انقلب فجأة وصار إلى جانب المنتفضين، وهناك قلة قليلة جدا كانوا حقيقة إلى جانب الحراك الشعبي، ويختتم حديثه قائلا بإن المثقف الخائف لا يصنع الحرية.