باريس ـ من أحمد صلال: وسط حضور لافت لوسائل الإعلام الفرنسية والعربية، وإقبال كبير على شباك التذاكر، أفتتحت مساء الأربعاء الماضي في معهد العالم العربي بباريس، تظاهرة السينما المغاربية والتي تستمر لخمسة أيام قادمة. حضور جعل من التظاهرة شيئا يقارب المهرجان، وحضر الافتتاح، جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي، ومنى خزندار، مديرة المعهد، وأقتصر حفل الافتتاح على لقاء سريع مع الجمهور، تحدث فيه مخرج فيلم الافتتاح ‘التراس’ للجزائري، مرزاق علواش، الذي شكر المعهد وأبدى سعادته للقائه الجمهور في باريس.
التظاهرة التي تغيب عنها الموازنة الضخمة والتحضيرات النموذجية، لم ينقصا من حضورها المميز، بما تجسده من فسحة للتعرف على النتاج السينمائي المغاربي من قبل النقاد والإعلام والجمهور، وهذا كرس عبر حضور كبريات وسائل الإعلام الفرنسية منها والعربية، المرئية ‘منها والمسموعة والمقروءة، على قدم المساواة.
حضور السينما العربية وخاصةً بعد ثورات الربيع العربي، أصبح أمر ملح أكثر من السابق، الكل يحتاج للتعرف على راهنية اللحظة السياسية والمجتمعية، والسينما خير من يجسد الواقع بصرياً، وخاصةً حينما يحضر بعض نجوم الأفلام المشاركة ومخرجيها.
والجمهور كما أسلفنا كان على موعد مع فيلم الافتتاح للمخرج الجزائري، مرزاق علواش، فيلم ‘التراس’ وما يقابل تسمية الفيلم بالعربي ‘السطوح’. وفيلم الافتتاح لم يختر عبثاً، حيث قدم متوجاً كأفضل فيلم في مهرجان أبو ظبي السينمائي الأخير، وحصل على عديد الجوائز.
فيلم صوره مخرجه، العلواش، وهو نفسه صاحب السيناريو والحوار في ظل إمكانيات مادية متواضعة، وأختار لأدواره وجوه شابة متحمسة للكاميرا، واشتغلت بأجور بسيطة، وغياب التمويل لم يكن عائقاُ أمام، علواش، الذي حمل كاميرته ويمم وجه شطر أحياء الجزائر القديمة، حيث تشتبك التناقضات المجتمعية من قبيل الفقر والعنف والتطرف، لتكون ساحة اعتراك مع المهمشين والمسلوبين والمغلوب على أمرهم، ثيمات اختارت عدسة، علواش، أن تفك الاشتباك بينها.
فض اشتباك بصري لم يكن بالأمر السهل، خمسة أسطح موزعة على الأحياء القديمة، وخاصةً أحياء الواد والقصبة، ووسط هذه الأسطح الخمسة، كان هناك خمس قصص لتروى، واستدعاء الأسطح بما تجسده من حضور بالمخيلة العربية، كان عبر وساطة سيناريو، لم يقم أي نوع من العلائقية بين شخوصه، بل ترك الكاميرا تنتقي خمس قصص عشوائية، ولكنها غير عشوائية.عشوائية كون غياب العلائقية لا يقيم أي نوع من العلاقة بين شخصيات الفيلم، ولكن المشتركات تبقى كون هذه القصص، تروي تجربة مجتمع واحد في مكان واحد وبيئة واحدة وهم واحد.
نجد على أحد الأسطح أم مغتصبة مع ابنها المدمن وأمها الكبيرة في السن، تترك العدسة هذه المشهدية الأسرية، لترصد على سطح آخر حضور فرقة موسيقية من الشباب، يلكون بعض العبارات الفرنسية الممزوجة بالعامية الجزائرية وتراودهم أحلام وردية، ويتشارك هؤلاء الشباب تدريباتهم مع متفرجة من سطح متجاور، في بناء لم يكتمل يظهر فريق تصوير يتقاسم الحضور المكاني مع عصابة اعتقلت شخص، ومارست عليه صنوف من التعذيب، وتستمر الكاميرا بالتنقل لتطل على سطح يسكونه مجنون مع أخ له متشدد يقيم على هذا السطح اجتماعات لبعض المتطرفين، وتستمر الكاميرا في السرد البصري للأسطحة، لينتهي المطاف بالكاميرا في سطح يقطنه متشرد مع شاب رياضي وشيخ دجال.
الأسطحة لم تتشابك اجتماعياً، ولكن مناخ التلصص الذي يستمر ليوم كامل تتوزع كوادر تصويره على إيقاع مواقيت الصلوات الخمسة، المخرج مهد بالكوادر الأولى لنوع من الضحك الأسود، والذي كان يمهد فيه المتلقي، لتقبل جرعات من العنف القاسية، تبدأ مع قتل الأم العانس لصاحب الغرفة التي يقطونها على السطح، ولا تنتهي مع انتحار الصبية التي كانت تتفرج على تدريبات الفرقة الموسيقية، ويكون الحض العاثر الذي يرمي فريق التصوير في طريق العصابة، حظ يضع حد لحيواتهم حينما يلقون حتفهم على أيدي رجال العصابة مغبة افتضاح سرهم بعد قتلهم للرجل الذي اعتقلوه.
ضحك أسود ونهايات تراجيدية، ولسان حال الفيلم يرصد بصرياً، لحظات سابقة لانفجار مجتمع ملغم بمختلف أشكال الفساد والرذيلة والفقر، وتلميح موضوعي نسبي، يحمل المسؤولية كاملة للإسلاميين، مما يفقده شيء من اكتمال الموضوعية المتجسدة في نقط الديكتاتورية الحاكمة أيضاً، واقع مرير لا تفبركه الكاميرا بل تجسده واقعاً حسياً عبر لغة بصرية ذات أدوات راقية، وثقافة معقلنة تسعى لفضح المستور والمسكوت عنه، هذه الجزائر امرأة حزينة بلا مكياج ولا ثياب جميلة، هكذا بدت كوادر الفيلم.
صحيح أن الافتتاح كان بسيطاً، ولكن فيلم الافتتاح المنتقى بعناية، والانسجام بين المسرح الذي غص بالجمهور الذي لم يوفر تذكرة واحدة على شباك التذاكر، والفيلم، أكسبت التظاهرة سمات من الرقي والجمال والأبهة.