مصطلحات ما انفكت تطرق آذاننا منذ عهد الطفولة الأول، كبرنا ولم تزل هذه الكلمات تحتفظ بنفس الحجم في نفوسنا؛ ولا يخفى على أحد بأن مبدأ الحوار والشورى والتفاهم تنزل به الملك الأمين من لدن مالك الملكوت بالصيغة التلاطفية الودية والتي عرض لها في محكم التنزيل من القصص القرآني ما يجعله قاعدة وثقة لا يراودها شك بنجاح هذا المبدأ التفاعلي التشاركي على كافة الأصعدة، فهاهي بلقيس تتدارس وبرلمانها رسالة سليمان والطريقة الأنسب للرد عليه، وهاهو سليمان نفسه يتشاور مع جانه على الإتيان بعرش تلك الملكة العظيمة رافضاً مبدأ التكليف وهو القادر عليه وكفى برسول الله صلى الله عليه وسلم معلماً ومثالاً يحتذى في كل زمان ومكان حينما أعار أذنه لنصيحة ذاك الشاب الفارسي وعمل بها وما لبثت أن آتت أكلها.. لكن دعونا ننظر في نفس الوقت إلى الاتجاه السلبي من التشاور والحوار فلنا في يوسف وإخوته آيات للسائلين، ومنه مشورة فرعون لملكه وسحرته وإلى ما هنالك من القصص القرآني العظيم. لكننا في واقع الأمر في أيامنا هذه ومع ارتفاع الخط البياني لمعطيات الحضارة غفلنا عن الحوار والشورى في كافة نواحي حياتنا – وأخص السياسية منها فاستعضنا به عن تسلط في الرآي من قبل أساطين الساسة وألاعيب قذرة أفضت إلى تشغيل طاحونة القتل والدمار التي ما فتأت تحصد زهور شبابنا.. لتستبدل بهم شياطين آدميين استباحوا القتل وآمنوا به واتبعوه متجاوزين كل الشرائع والأعراف والإنسانية، متغافيلن عن الشورى والاحتكام إلى طاولات الحوار منهم من تغافل عنداً وكبراً وترفعاً ومنهم من تغافل عنه إيماناً منه بنصر بات وشيكاً تتضح ملامحه يوماً بعد يوم واقتحاماً بعد اقتحام، صامين آذانهم عن آهات وصرخات وحسرات. فأما آن لك الآن أيتها البندقية أن تصمتي، أما آن لنا أن نطرب لصوت العصافير ورقرقة مياه بردى والنيل، أما أن لضحكة الأطفال الصدئة أن تعلو من جديد. اعذرينا أم كلثوم فعندما صدحت بـ ‘أصبح الآن عندي بندقية’ كنت قد أعلنتها صراحة ‘.إلى فلسطين خذوني معكم’ وأود أن أخبرك – وللأسف – بأن بنادقنا توجهت إلى مصارع أخوتنا، إلى أكباد أمهاتنا.. متناسين عدوا ً مزروعاً بخاصرتنا ينهش منها ما يلذ له ويطيب. محمود غويني