دمشق – «القدس العربي»: بموازاة حراكها التفاوضي، عززت قوات النظام السوري مواقعها العسكرية في ريف درعا الشرقي، جنوب سوريا، وأرسلت أرتالاً من الآليات والجنود إلى بلدة صيدا، والأوتوستراد الدولي دمشق – عمان، تهديداً باقتحام المنطقة، فيما لو تعثرت جهود عقد اتفاقيات مصالحة محلية جديدة في المنطقة، أسوة بريف درعا الغربي، وذلك في أعقاب اجتماع لأعضاء اللجنة الأمنية التي تضم ممثلين عن أفرع الأمن العسكري والأمن السياسي، ومكتب الأمن الوطني، مع قادة ووجهاء بلدة نصيب وعلى رأسهم القيادي السابق لدى قوات «الجيش الحر» عماد أبو زريق.
إجراء عمليات التسوية
وقال المتحدث باسم تجمع أحرار حوران، أيمن الحوراني لـ «القدس العربي» إن اللجنة الأمنية اجتمعت مع القيادي السابق في الجيش الحر، والمتطوع حالياً لدى فرع الأمن العسكري عماد أبو زريق في مقر الفرقة التاسعة في مدينة الصنمين شمالي درعا، حيث تسلم الأخير قوائم بعشرات المطلوبين للنظام من أبناء الريف الشرقي والمطالبين بإجراء تسوية أمنية.
سلمت وجهاء المنطقة قوائم بعشرات المطلوبين
وسبق الاجتماع وفق المتحدث «تعزيزات عسكرية ضخمة توجهت إلى ريف درعا الشرقي، بينها آليات وسيارات دفع رباعي تحمل عدداً من العناصر، استقر بعضها بالقرب من بلدة صيدا، والبعض الآخر على الأوتوستراد الدولي دمشق عمان، بالقرب من بلدة أم المياذن» حيث عزا المتحدث الهدف من العزيزات لـ»إجبار المنطقة على إجراء عمليات التسوية، على غرار التسوية التي جرت في الريف الغربي لدرعا، وخصوصاً البلدات التي شهدت مواجهات عسكرية في 29 تموز/يوليو الماضي خلال مهاجمة النظام أحياء درعا البلد وحي طريق السد ومخيم اللاجئين الفلسطينيين في مدينة درعا».
وأضاف الحوراني «أخبرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام وجهاء بلدة نصيب وعلى رأسهم القيادي في الأمن العسكري عماد أبو زريق، بضرورة دخول البلدة ضمن اتفاق التسوية، وذلك خلال الاجتماع الذي عقد أمس في مقر الفرقة التاسعة في مدينة الصنمين».
وستفتح اللجنة الأمنية اليوم السبت، مركزاً مؤقتاً لعمليات التسوية في بلدة نصيب، وستشمل كلاً من قرى وبلدات نصيب، الطيبة، وأم المياذن، حيث تعتبر بلدتي الطيبة وأم المياذن من مناطق نفوذ اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم من قبل روسيا، الأمر الذي يشير وفق المتحدث إلى أن التسوية ستصل إلى جميع المناطق في المحافظة، بما فيها منطقة بصرى الشام.
وقال الحوراني «خلال التسوية في مدينة انخل شمال درعا، طالبت اللجنة الأمنية عدد من العناصر التابعين للواء الثامن، بإجراء عملية المصالحة وتسليم أسلحتهم الشخصية، بينما لم يصدر عن اللواء الثامن، أي تعليق أو تحرك حول الأمر» إذ يسعى اللواء الثامن نحو استقرار المنطقة، وإبعاد شبح العمليات العسكرية، بينما «يسعى النظام من خلال عملية التسوية في درعا، إلى النصر الإعلامي، وإظهار قدرته على ضبط الأمور في المنطقة الجنوبية، كما يعمل على جباية الأموال كون اللجنة الأمنية طالبت المناطق الخاضعة للتسوية بمبالغ مالية طائلة، بلغت مئات الملايين من الليرات السورية عوضاً عن أعداد من قطع السلاح الفردي».
«تسويق العمليات العسكرية»
في 23 حزيران/ يونيو 2012، أصدر النظام السوري المرسوم التشريعي رقم (210) لتشكيل حكومة جديدة تضمنت استحداث وزارة تحمل اسم «المصالحة الوطنية» كانت الأولى من نوعها، وأسندت شؤونها إلى علي حيدر رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، حيث جاء تشكيل الوزارة بعد عدد من الاجتماعات أجراها بشار الأسد مع ممثلين ووُجهاء عن الوحدات الإدارية في مختلف المحافظات، في محاولة لتسويق رغبة النظام السوري محلياً ودولياً بالاستجابة لمطالب المحتجين.
وحول أهمية عمليات المصالحة المحلية بالنسبة للنظام السوري يقول الباحث السياسي لدى مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي لـ «القدس العربي» إن النظام السوري اعتبر منذ استحداث وزارة «المصالحة الوطنية» التسوية المحلية مقدمة للوصول إلى العملية السياسية، وآلية لإنهاء الأسباب التي أدت إلى اندلاع النزاع والمقتصرة على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية دون السياسية.
كما حاول النظام السوري وفق المتحدث «عبر اتفاقيات التسوية تسويق العمليات العسكرية كاستجابة لمطالب السكان المحليين بإعادة الاستقرار وسلطة الدولة، وكذلك لتعزيز الرواية الرسمية القائمة على الحرب ضد الإرهاب، كذلك حاول النظام السوري من خلال مسار التسوية، التسويق لقدرة مؤسسات الدولة على القيام بمسؤولياتها في تقديم الخدمات مقابل عجز المعارضة عن ذلك، والذي كان سبباً في بعض الأحيان لتوقيع اتفاقيات تهدئة ثم مصالحة، كما كان مسار التسوية إحدى دعائم المسار العسكري بالنسبة للنظام السوري، حيث عمل من خلاله على تحييد العديد من المناطق عن الاستهداف، مما عزز من فرص الحسم في مناطق أخرى، وشن عمليات عسكرية واسعة كتلك التي اطلقها شمال غربي البلاد بين عامي 2019 و 2020».
وبرأي المتحدث فإن النظام السوري كان على قناعة منذ إحداث وزارة المصالحة، بضرورة إعادة تشكيل وتعريف شبكة الوسطاء المحليين؛ بما يساعد على فرض مزيد من الإملاءات ولضمان ولاء الوجهاء والممثلين عن الوحدات الإدارية، عبر منحهم صفة رسمية وصلاحيات واسعة على المستوى الأمني كالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وصلاحيات أقل على المستوى الإداري بالتواصل بين الوزارات، لتنفيذ عملية التسوية وتلقي الشكاوَى الخدمية، ويضيف المتحدث أن التسوية كانت بالنسبة للنظام السوري، وفق الرؤية التي قدمتها وزارة المصالحة الوطنية لمجلس الشعب، عبارة عن نزع السلاح الذي تم حمله ضد السلطة، وعقد مؤتمر عامّ وعلى مستوى المحافظات يضمن مشاركة القوى الاجتماعية في التنمية ومؤسسات الدولة.
وحول ضعف نتائج عمل وزارة المصالحة الوطنية قبل تدخل روسيا المباشر في سوريا، أرجع المتحدث ذلك إلى عدة أسباب أبرزها عدم وجود آلية محددة وواضحة للتنسيق والتعاون بين وزارة المصالحة ولجنة المصالحة في مجلس الشعب، وكذلك ضعف كبير في التنسيق بين وزارة المصالحة ووزارة العدل، إضافة إلى التوسع العشوائي لدور ومهام الوزارة، وعدم وجود لجنة مركزية واحدة في كل محافظة، عدا تعدُّد مرجعيات لجان المصالحة في المحافظة، مما أسهم بتحويل بعضها إلى نشاط اقتصادي واستثماري، وعدم قدرة قوات النظام السوري على الحسم الميداني بل كان التراجع والضعف العسكري واضحين إلى أن تدخلت روسيا.