دمشق ـ «القدس العربي»: قرر المجلس الأوروبي، أمس الإثنين، تعليق عدد من العقوبات على سوريا، سيما المتعلقة بالطاقة والمصارف والنقل وإعادة الإعمار، وذلك في إطار جهود دعم عملية انتقال سياسي شامل وتسريع تعافي البلاد اقتصادياً، وإعادة إعمارها، وتحقيق الاستقرار. وأكد المجلس مواصلة وراقبة الوضع في سوريا لضمان استمرار ملاءمة تعليق العقوبات.
وخلال اجتماع في بروكسل أمس الإثنين، اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على تعليق القيود المفروضة على قطاع الطاقة، والتي تشمل النفط والغاز والكهرباء، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على قطاع النقل، كما رفعوا تجميد الأصول عن خمسة مصارف، وقرروا تخفيف القيود على المصرف المركزي السوري، ومددوا إلى أجل غير مسمى الإعفاءات الخاصة بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية.
في المقابل، أبقى الاتحاد الأوروبي على مجموعة من العقوبات الأخرى المتعلقة بسلطات الأسد، بما في ذلك حظر تجارة الأسلحة، والقيود على السلع ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) وبرمجيات المراقبة، والتجارة الدولية للتراث الثقافي السوري، كما واصل فرض مجموعة من العقوبات تستهدف أفرادا وقطاعات اقتصادية في سوريا.
وأصدر المجلس الأوروبي الإثنين، بيانا، أعلن فيه تسهيل التعاون مع سوريا وشعبها وقطاعاتها الاقتصادية، لا سيما في مجالات الطاقة والنقل، بالإضافة إلى تيسير المعاملات المالية والمصرفية المرتبطة بهذه القطاعات، وكذلك تلك الضرورية للأغراض الإنسانية وإعادة الإعمار.
وعلى وجه الخصوص، قرر المجلس تعليق التدابير القطاعية في مجالي الطاقة (بما في ذلك النفط والغاز والكهرباء) والنقل، وإزالة خمس كيانات (البنك الصناعي، بنك الائتمان الشعبي، بنك الادخار، البنك التعاوني الزراعي، والخطوط الجوية العربية السورية) من قائمة الكيانات الخاضعة لتجميد الأصول والموارد الاقتصادية، والسماح بتوفير الأموال والموارد الاقتصادية للمصرف المركزي السوري.
كما قرر إدخال بعض الاستثناءات على حظر إقامة علاقات مصرفية بين البنوك السورية والمؤسسات المالية داخل أراضي الدول الأعضاء، وذلك للسماح بالمعاملات المرتبطة بقطاعي الطاقة والنقل، بالإضافة إلى المعاملات اللازمة للاغراض الانسانية وإعادة الإعمار. وتمديد الإعفاذ الانساني الحالي الى اجل غير مسمى، وإدخال اعفاء للاستخدام الشخصي من حظر تصدير السلع الفاخرة الى سوريا.
تتعلق بالطاقة والمصارف والنقل وإعادة الإعمار … وترقب لخطوات أمريكية
وأضاف البيان: في اعقاب قرار اليوم، سيواصل المجلس متابعة الوضع، وتقييم امكانية تعليق المزيد من العقوبات الاقتصادية. كما سيستمر في مراقبة الوضع في سوريا عن كثب لضمان ان هذه التعليقات تظل ملائمة. وفي الوقت نفسه، يواصل المجلس فرض العقوبات المتعلقة بنظام الاسد، وقطاع الاسلحة الكيميائية، وتجارة المخدرات غير المشروعة، بالاضافة الى عدد من التدابير القطاعية، مثل حظر تجارة الاسلحة، والقيود على السلع ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) وحظر المعدات الخاصة بالقمع الداخلي، والبرمجيات الخاصة بالتجسس والمراقبة، والقيود على استيراد وتصدير التراث الثقافي السوري.
وتعقيبا على أهمية قرار تعليق بعض العقوبات الأوروبية، ومدى تأثير هذا القرار على قدرة سوريا على التعافي يقول مدير «مركز حرمون للدراسات المعاصرة» المستشار والخبير الاقتصادي سمير سعيفان لـ «القدس العربي» إن موضوع العقوبات بالنسبة الى سوريا، يكاد أن يكون مصيرياً.
وبين أن رفع العقوبات الحالية، يساعد على انتعاش الطاقة ومسالة النقل والانشاءات، لكن بنفس الوقت، تحتاج سوريا الى المساعدات، وحتى الان دول مجلس التعاون الخليجي ومنهم قطر والسعودية التي ترغب في مساعدة سوريا والسلطة الجديدة، لم تقدم الكثير من المساعدات، ومازلت هذه الدول مترددة نتيجة العقوبات الأمريكية، وبالتالي هي خطوة جيدة تسهم بنوع من التسهيلات التي تساعد على انتعاش سوريا.
وأضاف: مالم يتم رفع العقوبات عن سوريا، فان المعاناة السورية سوف تبقى واسعة وكبيرة، ومن يعاني بشكل فعلي هو الشعب السوري الذي بلغت لديه مستويات الفقر مستويات عليا يقدرها البعض بنحو 90٪، لذلك فإن رفع العقوبات من قبل الاتحاد الاوروبي خطوة ايجابية وبداية طريق.
ووفق الخبير الاقتصادي، الاتحاد الاوروبي متحمس لرفع العقوبات ويرغب في خروج سوريا من أزمتها، لكن العقدة هي دائما مع الجانب الامريكي، لانه بدون موافقة واشنطن على رفع العقوبات سواء دفعة واحدة او تدريجيا، فلن يكون هناك اثر ايجابي كبير، وخاصة مسألة البنوك وسويفت كود، التحويلات، لانه حاليا لايوجد عمل في العالم بدون دفع وقبض، والدفع والقبض اليوم يتم عبر البنوك والتحويلات وفتح الاعتمادات والضمانات والتسهيلات بأشكالها المختلفة
وشدد سعيفان على أن «الغاء العقوبات امر حاسم بالنسبة لمستقبل سوريا، وانتعاشها وخروجها من مأزقها الصعب جدا، لكن خطوة الاتحاد الأوروبي يمكن ان تكون بداية جيدة لان هناك ضغوط اوروبية وتركية وعربية على الولايات المتحدة الامريكية، لرفع العقوبات عن سوريا ولو بشكل تدريجي».
الموقف الأمريكي
وحول الموقف الأمريكي، قال المتحدث: «حتى الان الجانب الامريكي لم يتخذ موقف واضح من السلطة الجديدة في سوريا، فيما يتردد انه خلال اسبوعين يمكن ان تتوضح سياسية واشنطن اتجاه السلطة الجديدة، فيما اذا ستكون متشددة وتستمر في التشدد، ام سيكون هناك نوع من التسهيلات التي تساعد هذه السلطة على تقود سوريا نحو التعافي».
وأشار إلى أن لدى واشنطن مجموعة من الشروط على هذه السلطة ولديها أيضا مآخذها. لكنه أمل «رفع العقوبات، لان من يعاني هو الشعب السوري».
وواصل: وعد الاتحاد الاوروبي بانه حتى لم يرفع الجانب الامريكي عقوباته على سوريا، فإنه سيجد طرق لتسهيل تنفيذ العمليات بشكل عام.
وبعد سقوط نظام الاسد في سوريا، شدد المجلس الاوروبي في استنتاجاته الصادرة في 19 ديسمبر 2024 على الفرصة التاريخية لجميع السوريين للتوحد واعادة بناء بلدهم، كما اكد على اهمية عملية سياسية شاملة يقودها السوريون انفسهم، تلبّي التطلعات المشروعة للشعب السوري.
الخبير الاقتصادي الدكتور أسامة القاضي، اعتبر من جهته، أن تعليق العقوبات الأوربية خطوة هامة، تظهر ديناميكية ومعرفة بالمتغيرات السياسية وتدرك المكاسب الاقتصادية في الاستثمار في سوريا وتظهر فهما عميقا في ضرورة الاستقرار السياسي والامني لنهضة اقتصادية يكون فيها كل الأطراف رابحون.
رسالة أوروبية
وأشار إلى أن فتح مجالات الصيرفة والبنوك والدعوة للتعامل مع المصرف المركزي وادخاله منظومة السويفت، يعتبر رسالة أوربية لامريكا لتحذو حذو أوروبا التي تعبت من نظام الاسد المخلوع من فساد وعداء لأوروبا.
وقال: ستبدأ مشاريع اصلاحات البنية التحتية والطاقة وربما يعلن عن دخول بنوك اوربية تسهل اعمال المشاريع، معبرا عن اعتقاده بأنه «سرعان ما سترفع واشنطن العقوبات نظرا للعلاقات السعودية الامريكية القوية فضلا عن التركية والأوربية.
وحول مدى تأثير هذا القرار على قدرة سوريا على التعافي، يقول الباحث اقتصادي في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، مناف قومان، لـ «القدس العربي» إن هكذا قرار سيودي الى زيادة قدرة سوريا على التعافي على المدى المنظور في قطاعات الكهرباء والنقط والغاز من خلال تحديث البنية التحتية للطاقة وزيادة الانتاج المحلي لتوفير امدادات طاقة اكثر بما يدعم القطاعات الصناعية والزراعية ويعزز من عملية النمو والتنمية الاقتصادية في ظل الظروف الصعبة التي تواجه سوريا.
وايضاً من شان تعليق العقوبات على قطاع النقل ان «يسمح في اعادة تاهيل وتطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ، ما يسهل حركة البضائع والافراد داخل البلاد ومع الدول المجاورة، وكذلك سيساهم في تحسين التجارة من خلال خفض تكاليف الشحن وزمن التسليم» وفق قومان.
أما النقطة الاهم، حسب المتحدث، فهو ما يتعلق في القطاع المالي، «حيث ستصبح عمليات التحويل المالي والتجارة الخارجية اكثر سهولة مع رفع العقوبات عن المصارف، ويعزز من ثقة الناس والمستثمرين في البيئة الاستثمارية بسوريا.
واخيراً بالنسبة للإنشاءات سيتمكن الشركات والأفراد من استيراد المواد الاولية والمعدات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، مما يوفر فرص عمل اضافة الى اعادة بناء المرافق العامة مثل المستشفيات والمدارس، مؤكدا على ان العقوبات الامريكية لها تأثير كبير على الاقتصاد السوري وسيظل يواجه صعوبات وتحديات كبيرة طالما ان العقوبات الأمريكية على العديد من القطاعات الرئيسية تحت وطاة العقوبات.