«القافر» شخص منحه الله قدرة خارقة لتتبُّع الأثر واقتفائه، لكنّه في رواية الشاعر والروائي العُماني زهران القاسمي (1974) شخص يمكنه سماع صوت الماء في باطن الأرض و«تغريبة القافر» هي روايته الجديدة الصادرة عن دار مسكلياني بالتعاون مع دار رشم.
مثل الأفلام السينمائية الصادمة بمشهدها الأول، حيث تتجسّد أعجوبة الخالق في إخراج الحي من الميت، ما يبقينا حبيسي تفاصيلها حتى آخر لقطة، تأسرنا الرواية بمشهد «الغريقة في البئر» مريم، التي تجرّها أصوات غريبة إليها فتموت ميتتها الفجائعية تلك، دون فهم كبير لما حدث، هل لأن تلك الأصوات أنهكتها فلجأت للانتحار للتخلص من ضجيج نداءات الماء في رأسها؟ أم أن كائنات غير مرئية مثل الجن والعفاريت جرّتها جرّا نحو البئر وتخلّصت منها حتى لا يولد ذلك الطفل.
منذ البداية تبدو ولادة الطفل عملية قيصرية تخالف منطق العقل، في منطقة يتجاور فيها البشر وكائنات الله الأخرى فيتقاسمون الفضاء الحياتي نفسه، مع توزيع فانتازي للأدوار. إذ نشعر بأننا أمام أسطورة من التراث العماني ربما، لكن أي بحث عن «قافر للماء» فيه لن يوصلنا لشيء، ثمة من وهبه الله قدرة على إيجاد آبار الماء بطرق مختلفة باستعمال جذوع الأشجار، أو تحسس حرارة سطح الأرض بالأيادي، أو تتبع حيوانات زاحفة تعرف مخابئ الأمواه الباطنية، لكن قافر زهران القاسمي نوع آخر من البشر، طفل يسمع خرير المياه بين الشقوق، وخلف الصخور الضخمة، وفي أعماق الأرض. أمّا ارتباطه بالماء فهو مثل ارتباط كل شيء حي به، به تقوم الحياة ومن دونه أو بكثرته الزائدة عن حدّها تموت.
صعب ألاّ نقع في حب لغة القاسمي، الذي برع في السّرد مثل براعته شاعرا، وصعب أيضا ألاّ نحب سالم بن عبد الله الخارج من رحم أمه الميتة، حاملا قدره السائل معه، ونصيبه في الدنيا من معارك الحياة، كما لم يتوقعها أحد.
سمة التّفرّد في صياغة قوالب الرواية وترتيبها وفق خط الأحداث، عملية بناء ذكية بفصولها الإثني عشرة إضافة إلى النهاية، وحكاية «ابن الجن» هذا حكاية مسلية وجميلة، ولكنها أيضا رواية بديعة وقمة في الكمال. تجري الأحداث كما لو أنها سيل عرف شقّ سُبله، فيما تحكّم الماء كبطل استثنائي وعنصر تأسيسي لكل حدث تلته نتائجه. يقع الموت، فيأتي الحب لينقذ الأيتام والأرامل والمفجوعين من مصابهم، يدخل من أبواب غير متوقعة، مثل «كاذية» لتنقذ الطفل حين أخرجته من بطن أمه، و»آسيا» لترضعه وتمنحه حليبها ودفأها. أحداث في قمة الإنسانية تتقاطع في نسيج روائي غرائبي سحري، لا يتوقف عن أخذنا بعيدا عن اليومي المألوف لدينا.
المبهر حقا هي علاقة الحب التي ربطت سالم ابن الغريقة بالماء، الذي يسمع هديره في الأرض فيحدد مساره، طوله وعمقه، ويعرف بالضبط في أي موضع يجب الحفر ليتدفق نحو السطح، «لكن من هو حتى يقتنع الناس بكلامه، هل يترك الجميع كلام مشايخهم وأعيانهم وشيابهم الذين خبروا الحياة وينصتون إليه؟». رصد عميق للعلاقة المختلّة بين البشر حين تتشوّه فطرتهم، فتتحكم في مُثُلِهم أكثر الصفات بشاعة من جشع ونفاق وكذب من أجل وجاهة مزيفة. يصف الكاتب تلك الطبقية العمياء التي تتحكم في المجتمعات وكأنه يروي حكاية البشر جميعهم، حين يجَرّد الفقير من صوته لأنه فقير، حتى إن زوّده الخالق بآلة عجيبة في رأسه كالتي وهبها لسالم، الخبير بالفطرة بإيجاد الماء وحفر الأفلاج. يصف بؤرة الشر البشري كيف تنبثق من بعض الأعماق وتلوث ما حولها، ويحفر بلغته المتمكنة في الداخل المعقّد لألوان من النماذج البشرية دون أن يفوته تسليط الضوء على ذلك التناقض الذي يصبح علامة في المرء كلما لعبت به الأقدار بين حقب الرّخاء والشدّة.
سفر عجيب في الزمن لقارئ الرواية المعاصرة، لكنه أيضا جسر نحو جذورنا التي تفصلنا عنها فترات زمنية مختلفة في طولها وقِصَرها غيّرت في وسائل عيشنا، وتجهيزات رفاهيتنا، لكنّها لم تستطع أن تغير النواة الأخلاقية التي تتحكّم في سلوكنا.
يصف القاسمي بداية الحب هكذا: «كما ينفجر الماء من قلب الحجر، ويسري الينبوع منحدرا برقته على الأرض العطشى، وكما كان القافر يطرب لخرير الماء في الأعماق ناداه الحب» ثم يواصل في موضع آخر: «ظلّت ابتسامتها تزوره في منامه، ثم سكنت في داخله مثل سكون الينابيع في قلب الحجر»، مستخدما لغة بملمس الماء، وهذا ما يجعلنا ربما نقف مطوّلا عند الفصل الثامن، نتقفّى أثر الحب في قلب سالم، وأثر العشق الطبيعي بين التربة والماء في فلج قرية المسفاة، حتى عادت تنبض بالحياة، يفجعنا الموت بذلك التوصيف البليغ، عندما يفقد سالم أباه، يلهب عواطفنا حين يصف نهاية الحب، حين يكتبها الموت حينما ماتت كاذية بنت غانم التي أحبها سلام بن عامور الوعري، الذي صار يختار «الليالي المظلمة ليقضيها جالسا عند قبرها، يحدّثها عن تلك اللواعج التي عاشت في صدره، ويخبرها بحكايته التي ودّ لو أسمعها إيّاها منذ زمن».
لا يتوقف القافر عن اقتفاء حلمه في أن يصبح مالكا لأرض يزرعها ويرتقي بها سلّم الوجاهة الاجتماعية، لكنه لم يكن يعلم أنه يمضي إلى حتفه، وأن نهايته ستشبه في مشهدية غريبة نهاية أمه وأبيه، وأن الماء سيحاصره وتغمره الأوحال وتهرسه الحجارة، فيما زوجته صبرا ستذكرنا بقصة بينيلوب التي تتخذ من مغزلها ذريعة حتى لا تتزوّج غيره.
ينهكنا هذا النص بعبقريته، إذ يصعب تركه جانبا قبل بلوغ نهايته 228 صفحة من القطع الوسط، تشدنا بقوة، ولا تطلق سراحنا إلاّ والنهاية السينمائية البليغة تبتلعنا حتى الغرق الكامل. إنها تحفة! هذه التغريبة التي كان بطلها القافر ساعيا خلف رزقه، نازحا، مسافرا، مغتربا، باحثا عن مستقرٍّ آمن له، بين القرى التي شكّلت في الحقيقة الجغرافيا العمانية بأشكالها الطبيعية والثقافية. إنها رواية بعيدة عن بهرج المدينة، ومشاغل الناس فيها، وصراعاتهم السطحية في الغالب، فهذا العالم الذي نقله لنا القاسمي مرتبط بشكل وطيد بإنسان بدائي، توقف عند الحقبة الزراعية، ولم يخطُ بعد خطوات أبعد من اهتماماته بالأرض والماء والكلأ والقطعان.
سفر عجيب في الزمن لقارئ الرواية المعاصرة، لكنه أيضا جسر نحو جذورنا التي تفصلنا عنها فترات زمنية مختلفة في طولها وقِصَرها غيّرت في وسائل عيشنا، وتجهيزات رفاهيتنا، لكنّها لم تستطع أن تغير النواة الأخلاقية التي تتحكّم في سلوكنا.
يترك لنا الكاتب مذاقا لا يمكن تحديده بالضبط في نهاية الرواية هو بين المرارة اللاذعة والحلاوة الطيبة، وقد عرفنا أن سالما جرفه السيل مع ما جرفه، دون أن يعلن موته، وفي قرارة أنفسنا نكاد نكون متأكدين أن لا أمل له في النجاة، بعد صراع طويل في النفق مع الماء الذي تلبّس كل أشكال الإغواء والعشق اللامفهوم، حتى بلغ مرحلة خلع قناعه التنكري، فبرز منه قاتل لا تعرف الرّحمة طريقا إلى قلبه.
في كل ما رواه القاسمي يلتقي قارئان مهمان جدا، القارئ العارف بالبيئة العمانية وتفاصيل كثيرة حول الأفلاج ومشهدية الحياة في القرى العمانية، والقارئ المكتشف لكل هذه العوالم المجهولة لديه، وأعتقد أن كليهما سيجد متعة كبيرة وهو يقرأ هذه الرواية، ليس فقط على مستوى الحكاية وبنائها البديع، بل على مستوى اللغة الأخاذة التي برع الكاتب في جعلها نسيجا جميلا، خاصة ما ارتبط مباشرة بوصف المشاعر الجياشة لشخصياته الرئيسية.
إنها حكاية الفتى الذي كان سيعيش منبوذا لولا قدرته على اكتشاف منابع الماء حتى سقى القرى التي كاد يقتلها العطش، لكن كما في كل القصص التي تترك بصمة في متلقيها، ثمن التضحيات الإنقاذية غالبا ما يكون باهظا، مثل نهاية ابن الغريقة.
شاعرة وإعلامية من البحرين