من اهم مظاهر سوء الادارة السياسية في اليمن خلال العقود الثلاثة الماضية والسنوات الاخيرة خصوصا، انها عملت على تعطيل او تغييب متعمد للجغرافيا السياسية، التي يستقيم عليها ويرتكز، بناء لها، النظام السياسي بمصادر قوة تمكنه من الحضور الايجابي داخليا وخارجيا. وهذا التعطيل او التغييب تم وفقا لتغييب اخر’استهدف مؤسسة الدولة وتحويلها الى مجرد سلطة لمراكز القوى التي تتقاسم دوائر صنع القرار واقتسام عائدات الثروة الريعية. ومن هنا كانت العلاقات بين اليمن والخارج الاقليمي والدولي تتم وفقا لدعم ذلك الخارج لمراكز القوى ودور هذه الاخيرة بحماية مصالح الطرف الاول، وهنا غابت الرؤية الاستراتيجية لليمن سياسيا واقتصاديا وامنيا وكان التعامل معها كتابع لمحاور اقليمية او دولية.
ومن هنا تم تعطيل كثير من مصادر القوة للدولة والمجتمع ليس الجغرافيا فقط واهميتها في الاشراف على اهم ممر بحري يعبر خلاله اكثر من 30′ من نفط العالم وتجارته، بل تعطيل فاعلية الموارد البشرية المتمثلة في الكتلة السكانية الكبيرة مقابل ضعف سكاني في دول الجوار، اضافة الى تعطيل فاعلية المحددات الثقافية والاجتماعية المؤسسة لوعي عربي ينطلق من حقيقة اصله التاريخي، والاهم في هذا التعطيل او التغييب ان النظام السياسي والحكومات اليمنية حتى اليوم تفتقد للوعي والادراك الكاملين لنظرية المجال الحيوي التي تستند اليها مفاهيم ومنظورات الجغرافيا السياسية.
فاليمن وفق نظرية المجال الحيوي ذو اهمية للجوار النفطي وللسياسات الغربية والامريكية خصوصا، التي تولي اهمية كبيرة لمنطقة الخليج وباب المندب والقرن الافريقي، وهنا طالما النظام يعتمد منطق الغنيمة في امتلاكه سلطة، من دون قدرته على بناء الدولة، فهو لا ينطلق من رؤى استراتيجية تخص المجتمع والشعب في الحاضر والمستقبل واعادة اكتشاف الماضي بمحطاته المضيئة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، ولا ينطلق من مقاربات سياسية وامنية تستفيد من المنظور الاستراتيجي الامني دوليا واقليميا، بان تكون تحالفات الاخرين مع اليمن او العكس من منطلق تعزيز الاستفادة اقتصاديا وانمائيا، ورفع قيمة الجغرافيا السياسية في تعظيم فاعلية النظام السياسي كواجهة لدولة مؤسسية تحظى بالاحترام في الداخل والخارج.
فالنظام السياسي يعكس طبيعة الدولة وفلسفتها وارتكازها على منطق الجغرافيا بدلالاتها الحيوية والسياسية، ومن ثم فالامثلة الراهنة في الصراع داخل منطقة الشرق الاوسط (سوريا نموذجا)، والصراع الايراني في منطقة الخليج نموذجا اخر، والصراع الراهن في المثال الاوكراني نموذجا ثالثا. فالصراع الدولي بعد الحرب الكونية الثانية قسم جغرافية العالم وفق منظور ايديولوجي الى معسكر رأسمالي ومعسكر اشتراكي ثم انهارت الثنائية القطبية عام 90 وظهرت الجغرافيا وفق منظورات ومقاربات امنية واقتصادية وديمقراطية، وهنا تولت امريكا هذا التنميط منفردة بالتحالف مع الغرب الرأسمالي بعد اعلانها انتصار الرأسمالية ونهاية التاريخ. ومع ذلك لاتزال الجغرافيا تستمد اهميتها من المنظورات الاستراتيجية للقوى العظمى وللدول التي تحسن تحويل الجغرافيا الى مرتكز سياسي يعزز من حضورها وقوتها، بل مساوماتها التفاوضية، اقليميا ودوليا، وهو ما لا تجيده الدولة في اليمن، بل ان بعضهم في هذه الدولة سفه من قيمة الجغرافيا وجعل منها مجرد حفنة تراب لا يجوز الصراع حولها مع دول الجوار، لكن يجوز القتال حولها في الداخل في اطار التملك اللامحدود للفضاءات المكانية.
ولما كانت الحكومات والنخب الحاكمة لا تدرك قيمة ومعنى الجغرافيا السياسية، ولا تستند الى خبرات واستشارات علماء واكاديميين متخصصين، فان التغييب والتعطيل لواقعنا الجغرافي ودلالاته السياسية سيظل يلقي بآثاره السلبية من زاوية عدم الاستفادة من الجغرافيا وعدم القدرة في توظيفها لصالح مشروعنا الاستراتيجي في التغيير السياسي والاقتصادي، وبناء الدولة الحديثة.. ولايمكن ان يكون للجغرافيا السياسية من توظيف ومعنى ودلالات من دون امتلاك رؤية استراتيجية بمنطق الدولة وليس بمنطق العصابات والتنظيمات المافيوية.
فالدولة وحدها من يستثمر الجغرافيا السياسية، ومن هنا فدعوتنا المتكررة من سنوات طوال الى اهمية الدولة الوطنية المؤسسية، لكونها اهم الروافع التحديثية والتنظيمية للمجتمع وجغرافيته في آن واحد. مع العلم ان في بلادنا احزابا وجماعات تعطل الجغرافيا السياسية، وفقا لمنظوراتها الايديولوجية، ووفق زعم تاريخي يتعالى عن الجغرافيا ومنطق الدولة، وهذا يؤثر سلبا في بناء الدولة ويعطله، كما يؤثر سلبا في منطق الجغرافيا ويعطل مفاعيلها.
وللعلم لدينا في اليمن جغرافية متنوعة في مناخها ومهمة في موقعها البحري وذات بعد جيواستراتيجي، لكننا لا نملك نظاما وحكومة يفهمان ويدركان بوعي مفاعيل الجغرافيا وكيفية جعلها جزءا من مكونات النظام السياسي للدولة ومصدر قوة ايضا. فاذا كان جمال حمدان تكلم عن عبقرية المكان في مصر، فالمفهوم له حضوره في اكثر من بلد، واليمن احد اهم هذه البلدان.. ولان الجغرافيا تتطلب بشرا ينطقون بها ويدركون مفاعيلها، الا ان هؤلاء غائبون عن دوائر صنع القرار السياسي، لاننا ازاء دولة وحكومة لا تقدران منطق العلم في رسم السياسات ولا الخطط والبرامج الانمائية ولا في تقييم المتغيرات الاقليمية والدولية، وفق طبيعة المشهد السياسي بكل تداعياته وتعقيداته، ومن هنا فلا مجال امام دولة تعتمد الجهل مصدرا ومكونا لسياساتها الا ان يكون الفشل حليفها، وهنا تتعطل القدرات الكامنة في جغرافية اليمن وتتعطل الاهمية الحيوية في استثمار الموارد البشرية ايضا فتغيب الدولة ويكون خروجها ومجتمعها من التاريخ الحضاري العالمي.
‘ أستاذ علم الاجتماع السياسي ـ اليمن