تفاحة الجزائر: فاسدة أم تكاد؟

حجم الخط
4

الفارق بين الأمس واليوم هو أن التهديد الشيوعي لم يعد الشبح المرابط على الأسوار، المتأهب للإنقضاض والتخريب إذا ما غفلت عين الحارس الأمريكي الساهر على الحرية والديمقراطية والأمن. التهديد، هذه المرّة، يأتي من الداخل، والداخل وحده تقريباً. يأتي ولا يتوقف عند حدود البلد المحوري، بل يتعداه إلى أكثر من جوار، بالضرورة الناجمة عن طبيعة انبثاقه من عوامل مكوّنة ليست داخلية على الدوام: الزيادات الهائلة في أعداد السكان، موجات الهجرة، التدهور البيئي، الصراعات الإثنية، انعدام الوزن الاقتصادي… وما إلى ذلك من ظاهرات تعجز السياسات السابقة عن معالجتها أو حتى تطويقها وتضييق نطاق انتشارها.
قبل قرابة عقدين من الزمن، نشر المؤرخ الأمريكي الشهير بول كنيدي، المعروف ببصيرة ثاقبة في شؤون صعود وانحطاط القوى العظمى، مقالة شهيرة لافتة في فصلية Foreign Aairs الأمريكية ثمّ طوّرها من بعد، اعتبر فيها أنّ المكسيك والبرازيل والجزائر ومصر وجنوب أفريقيا وتركيا والهند وباكستان وأندونيسيا هي الدول/’التفاحات الفاسدة’، التي ستلحق الأذى بصناديق الاستراتيجيات الكبرى المرسومة للقرن القادم. أو هي قطع الدومينو التي قد تودي بكامل شروط اللعبة، كما كان سيقول رجال من نوع دوايت أيزنهاور أو دين أشيسن أو هنري كيسنجر أو زبغنيو بريجنسكي، أو ‘الدول المحورية’ Pivotal States كما جادل الجغرافي والاستراتيجي البريطاني هالفورد ماكيندر في مطلع القرن، أو ما يحلو للمرء أن يسمّيه، إذْ يقيم الرابطة بين اندثار القوى العظمى وعجز الاستراتيجيات الكبرى عن احتواء القطع الصغيرة في لعبة الدومينو إياها.
وليس الأمر أن كنيدي يناهض نظريات الدومينو القديمة في غمرة مقترحاته الجديدة، أو القديمة في الواقع، بل قد يكون العكس هو الصحيح، لأنّ التركيز على قطع الدومينو الجديدة، وبينها بعض كثير من القطع القديمة للتذكير، يمكن أن يخدم الاستراتيجيات الراهنة والمستقبلية للولايات المتحدة أكثر مما كانت عليه الحال أيام نظام القطبين والاستقطابين، خصوصاً وأنّ أحداً لا يبدو اليوم مُلزَماً بإثقال الخزينة الأمريكية لخدمة مشاريع مارشال من أيّ نوع، أو ملء الفراغ على قاعدة ‘الموت ولا الحمر’Better Dead than Red.
ويسرد بول كنيدي المعايير والخصائص التي تسمح بتحديد الدولة المحورية، فيشير إلى عدد السكان، والموقع الجغرافي الهامّ، والإمكانات الاقتصادية، واحتمال ولادة الأسواق الكبرى، والحجم الفيزيائي… هذه جميعها عوامل كلاسيكية تساعد في تعريف الدولة المحورية، ولكن المعيار الأهمّ هو قدرة تلك الدولة على التأثير في الاستقرار الإقليمي والدولي، بحيث يكون انهيارها بمثابة تقويض لعدد كبير من المعادلات السياسية والاقتصادية والأمنية والإثنية والثقافية. وضمن هذا التعريف سارع كنيدي إلى التحذير من خطأين: اعتبار اللائحة مقتصرة على هذه الدول وحدها (إذ قد تتبدّل، أو بالأحرى ينبغي أن تتبدّل، اللائحة)، وانقلاب نظرية التفاحات الفاسدة إلى ‘مزمور’ مقدّس شبيه بنظرية الدومينو (لأن منظورات هذه الدول المحورية يمكن أن تتقاطع وتتباين كثيراً، في واحد أو أكثر من المعايير المشتركة).
الجزائر تشغل موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية، ومستقبلها السياسي يحظى بأهمية فائقة في حسابات دول أوروبية حليفة مثل فرنسا وإسبانيا، وتهديد أمن حوض المتوسط بأسره، وأمن الأسواق الدولية للنفط والغاز، وتكوين قاعدة لاحتضان التيارات الأصولية العالمية. هنالك أيضاً، حسب كنيدي دائماً، تطوير شروط المجابهة بين الأصولية والعلمانية من جهة أولى، وإعادة صياغة العلاقة بين التيارات المعتدلة والراديكالية ضمن الحركة الإسلامية الواحدة من جهة ثانية، فضلاً عن امتداد الفيروس إلى الجوار ميمنة وميسرة (مصر، تونس، ليبيا، المغرب)، وفي العمق الأفريقي المسلم. كذلك فإنّ وصول نظام راديكالي معادٍ للغرب إلى السلطة سوف يعني تهديد حاجة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا إلى موارد الجزائر من النفط والغاز، وتهديد الاستثمارات الأوروبية الواسعة، الأمر الذي سيلحق الاضطراب بالأسواق العالمية، ويهدد المصالح الأمريكية. كذلك سوف تضطر الطبقات الوسطى العلمانية إلى الهجرة الكثيفة، وستضطرب من جديد سياسات الهجرة في دول الاتحاد الأوروبي.
‘فريق ‘المحافظين الجدد’ في إدارة بوش، وكذلك نظراؤهم في إدارة أوباما (حتى إذا تقنعوا بمسميات أخرى)، تابعوا النهج ذاته تقريباً، في تفضيل نظام عبد العزيز بوتفليقة، وجنرالات الجيش والأمن، على أية سيرورة أخرى ديمقراطية يمكن أن تعيد الإسلاميين، وتكرر تجربة ‘جبهة الإنقاذ’. الغاز والطاقة أولاً، والديمقراطية ليست أخيراً فحسب، بل خارج لائحة الاعتبارات التي تحدّد ما إذا كانت تفاحة الجزائر فاسدة، أم أنها فاسدة ولا بأس من إبقائها في الصندوق!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية