تفاصيل سردية صغيرة

دوما ونحن نشرع في تحليل أي نص سردي ننهمك في أسئلة رئيسية عن الثيمة الأساسية في موضوع الرواية، القضية التي يعالجها السرد، الشخصيات، آليات السرد، الحبكة، المكان والزمان، اللغة السردية، وتجلياتها المتعددة في النص، وكثير من الأسئلة غير المنتهية الخاصة بالسرد.
ومن النادر جدا أن نفكر بالتفاصيل السردية الصغيرة جدا، أو الوحدات السردية الصغرى من خلال الوصف أو الديالوج والمونولوج، التي لا تعدو أن تكون فقرة واحدة من السرد، تكشف شيئا عن البيئة الاجتماعية، أو العالم النفسي للأبطال. هذه التفاصيل بمثابة لمحات، ولقطات كاميرا ليومياتنا، لما يدور في داخل الذات، أو خارجها، تعكس نظرات المجتمع ورؤاه، وتعكس آلية تعامل الفرد في المجتمع، ومع ذاته، وكيف يقوم فرد ما بقمع ذاته حتى يتماشى والنسق السائد باعتبارها إشارات مرجعية.
من هنا، سأقف عند هذه التفاصيل السردية في بعض الروايات التي لفتت انتباهي بالآونة الأخيرة وأراها بحاجة كبيرة للتحليل على اعتبار إنها دوال هامة في قراءات مدلولات اجتماعية وإشارات مرجعية في قراءة بعض أفكار وسلوكيات المجتمع.
في رواية «فليكن صبحا» لسيد قشوع توقفت عن العديد من اللمحات الاجتماعية الناقدة للمجتمعات العربية، من مثل تخلف الوطن العربي، ووضع عرب إسرائيل داخل إسرائيل بوصفهم أقلية. إلا إن الملمح العرضي الوارد في سياق استذكار السارد تفاصيل خطبته وزواجه عبر الفلاش باك يشدني لكشفه تصورات المجتمع للمرأة. فهو يقول على لسان والديه ناقلا الفكر التقليدي الأبوي لنا إن الفتيات الجيدات والصالحات للزواج هن اللاتي يدرسن في المعاهد المحلية في المدن والقرى من دون الذهاب للجامعة، بحيث يكون «كل فرد يعلم ما هو السرير الذي نمن عليه».
(الرواية) لذا ستكون زوجته واحدة من النساء اللاتي حظين بهذه التربية في المنزل الاجتماعي الكبير (القرية) وهو ما تعتبره القرية صك ضمان لأهلها بأن نسائهم لم تلوثها رياح التغيير في الجامعة، ولم يبتن بسرير بعيد عن بيت العائلة. مما يكشف إن المدرسة في هذا المجتمع تحظى بوضعية اجتماعية محترمة ذات تقدير بوصفها من النساء اللاتي « لم يحظين بفرصة معرفة العالم خارج القرية».
كما يحيل إلى ضرورة محدودية معرفة المرأة بوصفها شخصية تعطى ما يصل إليها من معرفة محدودة، حتى لا تزعج الزوج وأسرتها والآخرين بأسئلة هامة حول وضعها كامرأة، وأشكال للتفكير في مجتمعها قد يعجز المجتمع عن الإجابة عليها، لأنها تمس بشكل كبير أنظمة التفكير الأبوية القمعية المتوارثة منذ قرون ليس من السهل تغييرها.
فالأمر كما تقول جوديث باتلر: « أنا أعلم كيف إنا بصعوبة نحاول رفض الأفكار المبنية اجتماعيا الخاصة بالجنس والنوع، ولكن حتى نحدد أنفسنا، بحدودنا الخاصة وحرياتنا، ونستخدم مصطلحاتنا نحن، سوف نبقى نقوم بهذه التصرفات». بهذا الشكل المرأة ستبقى مقيدة في المجتمع، مادام القدر المقدم لها من الوعي هو ما يمنحه لها الآخر بحبور شديد مستخدما إياها في مساعدته ومشاركته في الحياة وفق شروطه الخاصة.
النظرة الاجتماعية التي انبثقت منها هذه الرواية تقودني للسياق الاجتماعي الخارجي، خارج الفضاء الروائي للفضاء الاجتماعي انطلاقا من بيئة السرد الاجتماعية عرب فلسطين المقيميين بإسرائيل إلى بيئة الخليج العربي، والموضة الجديدة في التعامل مع المرأة المتعلمة في الخليج، حيث يفضل أن تكون مدرسة ، لأسباب مشابهة لأسباب السارد، تصب في أنها تكون في بيئة عمل مكونة من النساء فقط، وأن يكون دخلها مرتفعا لتساعد الزوج في المصاريف، وفي أحيان كثيرة لتقوم هي بالصرف بدلا من الزوج، إذ تتحول الأدوار الوظيفية بين الرجل والمرأة، بشكل سري بينهما وغير معلن للمجتمع.
هذا الالتقاط لنظرة المجتمعين يبين وحدة النظرة الاجتماعية للمرأة المتوارثة في المجتمعات العربية، سواء أكانت تعيش هذه المجتمعات بإسرائيل أم بأشد الأنظمة الأبوية حضورا في الخليج العربي.
لمحة أخرى من رواية كويتية أخرى، تعكس ملمح خفي في المجتمعات العربية، وهو دور الأطفال في نشر الإشاعات، وفي المحاربة والانتقام الاجتماعي ممن يخرج من الأنظمة السائدة، فالأطفال كما يصورهم كاتب رواية «الصهد» ناصر الظفيري في الفصل الخاص بقصة «المهري» في القرية في المشهد التالي:

« المهري يحب ديمة»

كان ذلك السطر الذي خلفه المطر إضافة لمستنقعات وجروح غائرة في وجه الأرض، يتناقل الصبية عبارتهم لتسمعها النسوة وتنقلها لرجالهن، لكن هذه الحقيقة لم تجد قبولا من أحد ومن الرجال تحديدا، فما يقال عن ديمة اليوم سيقال عن نسائهم اللائي يستقبلن الباعة المهرة عاريات الجيوب والوجوه، لذا أحس الصبية بخيبة، ولم يثأروا لأنفسهم من ديمة كما يجب». (الرواية، ص 100).
في هذا المشهد يسلط الكاتب الضوء على دور الصبية في المجتمعات الصغيرة بشقاوة صبيانية غير مسؤولة يثيرون الإشاعات والأقاويل، ومن مواقف بسيطة قد لا تكون دقيقة ينميها خيالهم الطفولي غير المحدود بالمنطق والعقل لتثير فتنة اجتماعية في المجتمع. وكم خلق الأطفال بأقاويلهم الكثير من المشاكل الاجتماعية. وإن كانوا في هذه الحالة لم يتم تصديقهم لسبب يعود للرغبة في المحافظة على خصوصية نسائهم وعدم التطرق لهن، مما يعني لو إن الأمر لا يتعلق بنسائهم فلكان هناك قبول جمعي للوشاية من الصبية من دون تحقق. وهو أمر مشابه لتفصيل آخر في رواية «سماء مقلوبة» إذ يقوم الصبي البطل والسارد بأن ينقل أخبار نجوى، عشيقته، لزوجها لأهطل، ويساعده في قتلها.
نظرة الظفيري في الروايتين تنحرف عن الصورة المألوفة في الواقع والتخييل للطفولة بأنها عالم من البراءة، إلا إن العملين يكسران هذا المألوف ويقدمان صورة للطفولة غير المسؤولة وغير المهذبة، مما قد يفضح الطفولة ويفكك جزءا من السرديات المتعلقة بتصرفاتها غير المعلنة لا في السرد ولا في الواقع والقادرة على تأجيج الفتن في المجتمع.
في رواية «ارتياب» للسعودي بدر السماري تفاصيل سردية متعددة تخترق ما يجول في النفس الإنسانية من خواطر وأفكار وهواجس يومية، تجعل من المهم الالتفات لها لأنها تنقل مايدور في داخل النفس الإنسانية من دون علنية ظاهرة، ولكنها تتشظى بيومياتنا بثرثرات جانبية على هامش موضوع ما. «ارتياب» تقدم ارتياب الأشخاص وهم يحاولون نقل ما يدور في دواخلهم لخوارجهم، في قول كلمة، أو التصريح برأي، أو الاقتراب من شخص، والبعد عن آخر، اكتشاف الغيرة والحسد غير المعلنيين بسقطات اللسان أو الأفعال غير المرسومة بدقة تفضحها، وتجعلنا ننظر له بنظرة ريبة وغير تحقق من حدوث الشيء ولكنه يبقى في مروياتنا وتأويلاتنا الذاتية، والتي لا نسرها إلا لقريب ومصدر ثقة.
يقول السارد: « كانت كذبة سيئة التي قلتها، لم تفكر كثيرا في السيناريو، قررت نوع الهدية و»سلقت» السناريو على عجل، دون ملح وبهار».
في الحوار السابق بين السارد والشخصية يلتقط بدر السماري فكرة مهمة في «سلق» السيناريوهات اليومية في دواخلنا ونحن نفكر ونرتب ونعد كذباتنا اليومية الصغيرة التي أحيانا تبدو ضعيفة أمام الآخر لعدم منطقيتها، فذيبان الذي يهدي كحلا لغزيل، والتي لم تتطور علاقتهما لمدة أشهر كثيرة بسبب الخجل، والوقوع في دوامة التوقعات غير السارة، لم يفلح في الإجابة على تساؤلها المشروع كيف يهديه صديقه كحل وهو يعلم إنه مطلق منذ أشهر!
فكرة «سلق» أي إعداد السناريوهات اليومية أمر يحدث بشكل يومي ونحن نعدل من قصصنا الذاتية، وما يدور بخواطرنا ونحن ننزع لحوار الأخر والتعامل مع بشكل لائق يبين التصنع في حيواتنا هي إحدى التقاطات «ارتياب» الذكية، وغيرها من التحليلات النفسية لعديد من السلوكيات الإنسانية التي تخفي خلفها الغيرة والحقد وأمور أخرى تشدنا ب تلتقط يومياتنا بشكل دقيق ومركز عسى أن ننتبه لها ونعدل منا. مثل هذه الومضات تعد واحدة مما يتوق الأدب لتنبيهنا له في حياتنا اليومية.

٭ كاتبة كويتية

سعاد العنزي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية