تقول التقارير الصحافية إن حلقة يوم الجمعة الفائت من برنامج ‘أرب آيدول’ على قناة ام بي سي شاهدها ثمانون مليون عربي. هل هناك زعيم أو سياسي أو قائد عربي يستطيع أن يجمع ثمانية آلاف مستمع؟ إن التفاف هذا العدد من أبناء الأمة الواحدة حول برنامج فني يثبت أنها أمة واحدة تفرح معا وتحزن معا وتغني معا، وتكره جلاديها معا وتتوق للحرية معا. إن هذا العدد يلغي الحدود المصطنعة التي رسمها البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا جورج بيكو عام 1916، ويلغي نظرية الصهيوني آرثر جيمس بلفور عام 1917، الذي منح أرضا ليست من أملاك التاج البريطاني لتكون وطنا قــــوميا ليهــــود أوروبا، كما يوجه صفعة لكافة الحكام العرب منذ عام 1917 وإلى الآن، الذين عملوا على تثبيت الحدود المصطنعة من جهة ومن جهة أخرى ساهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في استمرار الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وإعطائه شرعية لا يستحقها، سواء كان ذلك عبر قرار التقسيم (1947) أو اتفاقيات الهدنة (1949) أو قرار 242 (1967)، أو اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة (1979) أو اتفاقية أوسلو(1993) أو اتفاقية وادي عربة (1994) وصولا إلى وفد الجامعة العربية العتيد، الذي قبل فكرة تبادل الأراضي يوم 30 نيسان/أبريل الماضي.
نعم توحد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض، ومن خلفه الشعب العربي وهو يتابع غناء الشاب محمد عساف على برنامج ‘أرب أيدول’. وهل هناك أجمل من هذه الصورة الحضارية التي ينقلها هذا الشاب عن شعب مناضل وراقٍ وحيّ ينحت من صخر المعاناة فسحة للفرح، ويستنبت من عمق جراحه خارطة للوطن طرز فيها أسماء المدن والقرى في أغنية جميلة تحمل وجع المعاناة التي يعيشها شعبه الفلسطيني، وحنينه الدائم لقراه ومدنه التي هجر منها قسرا، فيحشد هذه الملايين من أبناء الأمة خلفه ويعمق من تعلقها بفلسطين وما يعانيه شعبها من نكبات لا تستطيع كل خطب السياسيين أن تنقل جزءا منها.
عندما يعتلي محمد عساف خشبة المسرح تصاب غزة بما يشبه حظر التجول، ورام الله تنصب الشاشات الكبيرة في الساحات العامة من أجل المتابعة الجماعية لغناء الشاب الذي فتح عيونه على لعلعة الرصاص وهدير المدافع وأزيز الطائرات في غزة، لكنه تجاوز كل الصعاب والحواجز، وها هو الآن يوحد الشعب الفلسطيني والعربي، وهو يغني لحيفا وصفد وعكا والناصرة وغزة وجنين وزهرة مدائن العالم العربي. أبناء فلسطين في كل مكان ومعهم أبناء الأمة العربية يتسمرون أمام التلفاز يومي الجمعة والسبت أثناء عرض البرنامج، وتبقى القلوب مشدودة لهذا الشاب الوسيم ذي الصوت الجميل الذي يثير حماسا منقطع النظير لدى الجمهور المشارك والجماهير العريضة المنتشرة في كافة أصقاع الأرض، ليس لأنه مغن فقط، بل لأنه يغني لفلسطين ولبنان توأمي النضال والمعاناة والمقاومة. يتطوع الفن وينقل الرسالة إلى جماهير الأمة طولا وعرضا بعد أن فشل السياسيون جملة وتفصيلا في القيام بتلك المهمة النبيلة. نجوم الفن والإبداع والرياضة يدخلون القلوب بلا استئذان، بينما يتعرض رموز الاستبداد والتسلط إلى الطرد، ليس من القلوب التي لم يدخلوها أصلا بل من المناصب التي احتلوها عنوة وقهرا واغتصابا.
بين السياسي والفنان – علاقة استغلال أو عقاب، نخشى على محمد عساف من تدخلات السياسيين. نخاف عليه أن يعود إلى غزة فتصدر حركة حماس فرمانا يقنن نوعية غنائه وتوقيته، ويجبره أن يغني تحت راية معينة وتمجيدا لأيديولوجية حزبية أو فئوية، أو أن تقوم أجهزة الأمن بمداهمة حفلاته، كما فعلت ليلة الثالث من شباط/فبراير الماضي في مخيم جباليا. نخشى عليه من جماعة الأوسلويين في رام الله الذين راحوا يتسابقون في الاتصال به وتشجيعه، لعلّ شيئا من محبة الجماهير له تنعكس عليهم فتعود أسماؤهم تذكر بعد أن كاد النسيان يطويها.
فتجربتنا في العالم العربي مع نجوم الفن والرياضة والإبداع بكافة أشكاله محفورة في الذاكرة لا نستطيع أن ننساها، فلا يكاد ينجو فنان، من الغناء للأمير أو الملك أو الرئيس حتى ان مغنية تونسية تجاوزت كل حد وأكدت لأحدهم ‘لولا الرسول لكنت أنت رسولا’. أمد الله في عمر فيروز التي رفضت كل إغراءات الحكام وعطاياهم وغنت للأوطان جميعها، من جبل الشيخ إلى مكة ومن القدس ويافا وبيسان إلى شط الإسكندرية.
ما فتئ النظام العربي الرسمي يبحث عن فنان موهوب أو كاتب مرموق أو مغن مشهور أو مسرحي لامع كي يضمه إلى جوقة المتزلفين له، لعله يكسب منه شرعية يفتقدها وهو الذي لا يجد شرعية دستورية يستند إليها، ولا شرعية ثورية تبرر له مواقفه الرعناء، ولا شرعية شعبية تجعل منه قائدا طوعيا للجماهير التي يلتصق بها فيتبنى مطالبها ويحس بمعاناتها ويراكم الإنجازات لصالحها، كما فعل خالد الذكر بتجربته الفريدة التي حولت الانقلاب العسكري إلى ثورة شعبية حقيقية حمتها الجماهير بعيونها وفلذات أكبادها، وعندما قرر أن يستقيل بعد الهزيمة أعادته إلى موقع المسؤولية طوعا لا كرها، وعندما فارق الحياة بكته الأمة من محيطها إلى خليجها وكادت أم كلثوم أن تعتزل الغناء للصدمة التي أصيبت بها عندما سمعت الخبر وهي في موسكو للعلاج. وما زلت أذكر نواح المغني الجزائري رابح درياسة وهو يقول ‘إبكوا يا عرب ونكسوا الرايات’، وكأنه كان يقرأ الطالع لحالة الأمة بعد رحيله. لهذا السبب غنى عبد الحليم للثورة الناصرية من قلبه لا خوفا من السلطان ولا طمعا في شهرة أو مال، كما هو الحال في عصور الانحطاط التي تلت وفاة الزعيم.
النظام العربي الفاشي وضع أمام نجوم الفن والرياضة والإبداع ثلاثة خيارات: الاحتواء أو القتل أو النفي. فإما أن يكتب الصحافي لصالح النظام، ويرسم الفنان رسوماته وكاريكاتيره على مقاس النظام، ويغني المغني متشدقا بأفضال القائد الملهم أو لا مكان له في دولة ‘قمعستان’، كما سماها المرحوم نزار قباني.
ولا يتسع المجال هنا لتعداد الصحافيين والكتاب والفنانين الذين أردوا قتلى أو كسرت أقلامهم وأصابعهـــــم لأنهم ‘تجاوزوا’ حدودهم’ ولم يلتزموا بتعليمات رجال المــــخابرات وزلم النظـــــام، أو فضلوا حياة التشــــرد في المنافي على القبول بحكم الطغاة، كما فعل نزار قباني وأدونيس ومظفر النواب ومحمد مهدي الجواهري وسعدي يوسف وأحمد مطر وكاظم الساهر وأحمد فؤاد نجم وسيد إمام وأصالة نصري وجمال سليمان، وغيرهم الكثير.
نترحم على المغني الشـــعبي إبراهيم القاشوش الذي ذبح كالشاة وتم اقتلاع حلقومه بتاريخ 3 تموز/يوليو 2011 لأنه غنى للثورة السورية أمام مئات الألوف أيام كانت ثورة سلمية. ونحزن للفنان علي فرزات، رسام الكاريكتير الشــــهير يوم 25 آب/أغسطس 2011 الذي تعرض للضرب المبرح وكسرت أصابعه ورمي على طريق مطار دمشق، لأنه تجاوز الحد ورسم لوحة تحذر بشار الأسد من مصير القذافي. أما الفنان سعيد صالح فقد أودع السجن لأنه خرج عن النص في إحدى مسرحياته قائلا’ هم ثلاثة واحد أكلنا المش وواحد علمنا الغش وواحد لا بهش ولا بنش’. فرقة الحمائم البيض في تونس اشتهرت بأغانيها الملتزمة بين عامي 1995 و2006 فوضعت في السجن لأنها غنت للحرية وفلسطين. أما الشاعر حيدر محمود فقد أودع السجن بعد قصيدته الرائعة ‘نشيد الصعاليك’، لكنه عين بعدها سفيرا للأردن في تونس عام 1991 ووزيرا للثقافة عام 2001- هذا غيض من فيض لتوضيح الفكرة ليس إلا.
بين محمود درويش وناجي العلي، سمع محمود درويش خبر تعيينه عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مسؤولا عن دائرة الثقافة عام 1987 عندما كانت القيادة على وشك التحضير لقرار الاعتراف بحق دول المنطقة بالعيش بسلام ضمن حدود آمنة. حاول أن يرفض القرار إلا أنه رضخ في الأخير للضغوط. وبقي يتحين الفرصة حتى يهرب من الموقع السياسي كي تبقى صورته كشاعر في أذهان الملايين التي عشقت شعره ولا تريد أن تراه في غير ذلك الموقع. أثناء موقعه الرسمي كتب قصيدته المشهورة ‘عابرون في كلام عابر’، التي أثارت الدنيا عليه وربما حرمته من جائزة نوبل. وقد قرأ إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، مقاطع منها في الكنيست قائلا ‘إسمعوا ما يقول وزير الثقافة الفلسطيني’ فهل هؤلاء يريدون سلاما معنا؟ لقد باعد درويش نفسه عن تلك القصيدة فيما بعد، ولم تطبع في أي من دواوينه وباعد نفسه عن دور السياسي كليا ليتذكره الناس شاعرا وأديبا فقط وقد بكته الأمة كلها عندما توفي في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، ودفن في رام الله في 11 آب/أغسطس 2008.
أما ناجي العلي، رسام الكاريكتير الأشهر في الوطن العربي، فقد رفض كافة الإغراءات والتهديدات كي يهادن القيادة التي كان يرى في مسيرتها انحرافا عن خط الثورة والتحاقا بفريق 242، كما كان يحلو له أن يسمي طاقم القادة العرب. ولما لم تجد كافة التحذيرات والنصائح والتهديدات أثناء عمله في جريدة ‘القبس’ أولا في الكويت ثم لندن التي أجبر على اتخاذها منفى له، استخدم كاتم الصوت يوم 22 يوليو 1987 ‘كما تنبأ قبل اغتياله بأيام’ لإسكات صوته وريشته إلى الأبد لكنهم لم يعلموا أن الفن لا يموت، بل يكتسب تراجيديا جديدة بالموت تضمن له الخلود فقد دخل اسم حنظلة كافة قواميس النضال وسجلات الشرف في كافة أرجاء الوطن العربي.
نوجه التحية للشاب محمد عساف ونتمنى عليه أن يخط طريقه في عالم الفن الراقي الملتزم، سواء كسب السباق أم لم يكسبه، فيكفيه فخرا أنه كسب ود ملايين الشعب الفلسطيني والعربي في كل مكان، ونجح في ما عجزت عنه قيادتا رام الله وغزة. وأتمنى عليه أخيرا أن يتذكر هذا القول لمحمود درويش وهو يرسم طريقه الفني الخاص به: ‘لا يكون هناك أسوأ من الشعر السياسي إلا الإفراط في تعالي الشعر عن قضاياه السياسية’. وما ينطبق على الشعر ينطبق على الغناء.
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك