تزايدت اتهامات كييف وحلفائها الغربيين لروسيا باستخدام طائرات مسيرة إيرانية الصنع على نطاق واسع، بهدف تدمير مراكز الطاقة ومراكز القيادة الأوكرانية.
باريس ـ «القدس العربي»: ألقى التقدم الميداني الأخير للقوات الأوكرانية باتجاه مدينة خيرسون، ولجوء موسكو إلى استخدام طائرات إيرانية مُسيرة، بظلاله على تطورات مشهد الحرب الأوكرانية الروسية خلال هذا الأسبوع، الذي شهد أيضا إعلان الاتحاد الأوروبي عزمه توفير مساعدات بقيمة 1.5 مليار يورو شهرياً لأوكرانيا.
فبينما أعلنت أوكرانيا نهاية هذا الأسبوع أنها استعادت عشرات البلدات من الجيش الروسي ضمن هجومها المضاد الذي تشنه لاستعادة ميدنة خيرسون – أول عاصمة إقليمية سيطرت عليها روسيا ، قال الانفصاليون الموالون لروسيا إنهم يعملون على تحويل هذه المدينة الواقعة بالجنوب الأوكراني إلى «حصن». وقد قامت السلطات المحليّة الموالية لروسيا بإجلاء الآلاف، وسط اتهامها القوات الأوكرانية بقتل مدنيين جراء قصف جسر أنتونيفسكي، الذي يربط بين الضفتين الشمالية والجنوبية لنهر دنيبر والذي يستخدم لعمليات الإجلاء هذه من خيرسون، إذ تخطط الإدارة الموالية لموسكو لإجلاء ما بين خمسين وستين ألف شخص في غضون أيام قليلة، الأمر الذي انتقدته كييف، معتبرة أن «تخطيط موسكو للترحيل الجماعي للسكان الأوكرانيين إلى روسيا هدفه تغيير المكون السكاني للأراضي المحتلة».
في خضم هذه التطورات الميدانية حول خيرسون، طالبت أوكرانيا بإرسال بعثة مراقبة دولية إلى سد كاخوفكا للطاقة الكهرومائية في منطقة خيرسون، الذي يُعد هيكل رئيسي لتزويد شبه جزيرة القرم، وذلك إثر اتهام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الروس بتفخيخ السد الواقع في منطقة خيرسون التي ما تزال القوات الروسية تسيطر عليها. وقد فندت موسكو هذه الاتهامات منددة بـ«أكاذيب» يسوقها الرئيس الأوكراني. ويُعد سد كاخوفكا للطاقة الكهرومائية، الذي تم بناؤه على نهر دنيبر عام 1956 ويبلغ ارتفاعه 16 مترًا وطوله 3850 مترًا، من أكبر البنى التحتية من هذا النوع في أوكرانيا، ومن شأن انفجاره أن يضع أكثر من ثمانين بلدة، بما في ذلك خيرسون، في منطقة الفيضانات السريعة. وهذا ما أثار قلق الرئيس الأوكراني زيلينسكي، الذي حذر من مغبة أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تدمير إمدادات المياه لمعظم جنوب أوكرانيا، والتأثير على تبريد المفاعلات في محطة الطاقة النووية في زابوريجيا، التي تسحب مياهها من البحيرة الاصطناعية التي تبلغ مساحتها 18 مليون متر مكعب.
في غضون ذلك، أجرى وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن هذا الأسبوع مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي سيرجي شويغو، هي الثانية بينهما منذ بدء الصراع في أوكرانيا، شدد خلالها الوزير الأمريكي على «أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال» في سياق هذه الحرب. وبينما لم يقدم البنتاغون مزيدًا من التفاصيل حول ما تم التباحث فيه، أوضحت الوزارة الروسية أن الرجلين ناقشا «العديد من القضايا الحالية للأمن الدولي، بما في ذلك الوضع في أوكرانيا». وأتت هذه المكالمة الهاتفية في وقت تنتقد فيه موسكو بشكل خاص المساعدة العسكرية والمالية الأمريكية الكبيرة لكييف. وقبل قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها في إندونيسيا في منتصف تشرين الثاني/توفمبر المُقبل، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي إنه لا يرى «حاجة» لإجراء محادثات مع نظيره الأمريكي جو بايدن. من جانبه لم يستبعد الرئيس الأمريكي عقد مثل هذا الاجتماع.
المُسيرات في قلب المعركة
إلى جانب التطورات الميدانية في خيرسون، خيم موضوع المُسيرات الإيرانية على مشهد الحرب الأوكرانية -الروسية هذا الأسبوع، حيث تزايدت اتهامات كييف وحلفائها الغربيين لروسيا باستخدام هذه الطائرات إيرانية الصنع على نطاق واسع، بهدف تدمير مراكز الطاقة ومراكز القيادة الأوكرانية. وهي استراتيجية جديدة إلى حد ما، تسببت في أضرار فادحة في مواقع عسكرية مهمة في مدينتي أوديسا وبيلا تسيركفا، وكذلك في العديد من البنى التحتية المدنية في وسط كييف، حسب موقع Aviapro الروسي. وحسب «بي بي سي» فقد وقعت هجمات أخرى على منشآت تخزين النفط ومحطات الطاقة الأوكرانية. وزعم فولوديمير زيلينسكي أن هذه الهجمات تسببت في انقطاع التيار الكهربائي عن مئات البلدات والقرى.
وميزة هذه الطائرات بدون طيار هي أنها غير مكلفة، إذ تبلغ تكلفة وحدتها 20 ألف يورو. وتكمن قوتها أيضًا في بساطتها التكنولوجية، فهي لا تحتاج إلى إلكترونيات متقدمة للعمل. ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعيد بفعالية هذه الطائرات المسيرة لأن موسكو طلبت من إيران تزويدها بطائرات بدون طيار وحتى صواريخ أخرى، وفق تقارير إعلامية. وشدد رئيس الدبلوماسية الإيرانية حسين أمير عبداللهيان على أن «مزاعم إرسال صواريخ إيرانية إلى روسيا لاستخدامها ضد أوكرانيا لا أساس لها من الصحة» معترفا في الوقت نفسه بوجود «تعاون في المجال الدفاعي مع موسكو».
علاوة على ذلك، تحدث البيت الأبيض عن وجود إيرانيين كانوا على الأرض في شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا، لمساعدة القوات الروسية في شن هجمات بطائرات مسيرة على أوكرانيا، وهو ما يثير مزيدا من الاتهامات ضد إيران التي تم استهدافها بعقوبات غربية لتسليمها روسيا «مسيّرات انتحارية» رغم نفي موسكو وطهران أن تكون المسيّرات التي تستخدمها روسيا إيرانية الصنع، وذلك في أعقاب جلسة مغلقة عقدها مجلس الأمن الدولي بطلب من دول غربية.
ويبدو أن هذه العلاقات العسكرية الروسية الإيرانية موضع قلق كذلك بالنسبة لإسرائيل، العدو اللدود لطهران، وقد تلقي بظلاها على العلاقة بين موسكو وتل أبيب. فقد أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد عن « قلق بلاده العميق» حيال العلاقات العسكرية الإيرانية مع روسيا، وذلك خلال مكالمة هاتفية يوم الخميس المُنصرم مع وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا. ومع ذلك، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس على أن بلاده لن تزود أوكرانيا بالسلاح، وذلك بعد تحذير موسكو من إمداد كييف بأسلحة إسرائيلية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة الإسرائيلية حصرت حتى الآن تعاونها مع أوكرانيا في المساعدات الإنسانية وشحنات معدات غير فتاكة للحفاظ على العلاقات مع موسكو، لكنها أضحت، في الوقت نفسه، ملاذا لمنتقدي الكرملين، وانتقل إليها أيضا مشاهير روس منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في بداية شباط/فبراير الماضي.
ودعت فرنسا وألمانيا وبريطانيا الأمم المتحدة إلى التحقيق في الاتهامات بأن روسيا استخدمت طائرات مسيرة إيرانية الصنع لمهاجمة أوكرانيا بما سيشكل انتهاكا لقرار من مجلس الأمن الدولي، وذلك غداة موافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على تجميد أصول ثلاثة أفراد وكيان مسؤول عن تسليم الطائرات بدون طيار تُستخدم في أوكرانيا، حسبما أعلنت الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي. واستهدفت العقوبات بشكل خاص شركة شاهد لصناعة الطيران الإيرانية، المرتبطة بالحرس الثوري، وثلاثة مسؤولين عسكريين، من بينهم الجنرال محمد حسين باقري، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية.
في موازاة ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي عن عزمه توفير مساعدات بقيمة 1.5 مليار يورو لأوكرانيا شهريا، كما أعلنت ذلك رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين الجمعة الماضي من بروكسل في ختام قمة قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، موضحة أن الرقم الإجمالي لذلك سيكون 18 مليارًا للعام المقبل، وهي إيرادات متوقّعة مستقرّة وموثوقة. كما دعت الدول الأوروبية الإفراج السريع عن الثلاثة مليارات يورو المتبقية من حزمة المساعدات البالغة 9 مليارات يورو لعام 2022 والتي تم الإعلان عنها في أيار/مايز الماضي. وتأخذ هذه «المساعدة المالية الكلية» شكل قروض طويلة الأجل بشروط ميسرة للغاية.