الناصرة- “القدس العربي”:
يؤكد تقرير للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن الخلاف بين جيش الاحتلال وبين المستوطنين على الأرض الفلسطينية يدور على الأسلوب فقط. ويستذكر أن حكومة الاحتلال وافقت قبل أيام على بناء 2200 وحدة استيطانية جديدة، بالإضافة إلى 1000 وحدة بناء للفلسطينيين في مناطق “ج” من أراضي الضفة الغربية.
بالنسبة للوحدات الاستيطانية، هذه المرة الأولى منذ ثمانية شهور، يقوم الاحتلال بالمصادقة على توسيع الاستيطان. أما فيما يخص البناء الفلسطيني في المناطق “ج”، فهذه المصادقة تأتي للمرة الأولى منذ سنوات عديدة. في الأيام القادمة ستقوم الإدارة المدنية الإسرائيلية بالبدء في تنفيذ القرار من خلال سياق إداري وتنفيذي معقد وطويل، يبدأ بإقرار مخططات هيكلية، وصولا إلى وضع حجر الأساس.
بعد اتخاذ الائتلاف الحكومي لهذا القرار، وقبيل بدء عمل الإدارة المدنية لتنفيذه، تجدد الخلاف القديم الجديد بين مجلس المستوطنات وبين الإدارة المدنية رغم أن الإدارة المدنية تقوم بكل ما بوسعها لتسهيل التوسع الاستيطاني. بيد أن هذا الدور الذي تلعبه الإدارة المدنية غير كاف على ما يبدو للمستوطنين فقد قال أحد ممثلي مجلس المستوطنات بأن ثمة “خلافا عميقا بيننا وبين الإدارة المدنية”، ومن المتوقع أن يجتمع وفد من المستوطنين مع رئاستها قريبا لينقل لها امتعاض المستوطنين الشديد”.
وبحسب المستوطنين، هناك 1000 وحدة سكنية قديمة كانت مقرة ولم تتعامل الإدارة المدنية معها بجدية وما تزال تراوح مكانها داخل بيروقراطيا هذه الإدارة. هذا الخلاف القديم الجديد بين المستوطنين وبين جيش الاحتلال يتمثل في عدم وجود تسوية كاملة لأراضي الضفة الغربية، وبالتالي هو خلاف على أسلوب ووتيرة التوسع الاستيطاني وليس على الاستيطان من حيث المبدأ.
وحسب التقرير تبلغ مساحة الضفة الغربية حوالي 5.5 مليون دونم، باستثناء القدس التي ضمت عنوة إلى إسرائيل في 1967. بعد الاحتلال، انتقلت الأراضي التي كانت مصنفة كـ”أراضي دولة” في أثناء الحكم الأردني لتصبح أراضي دولة يسيطر عليها جيش الاحتلال وتقدر بحوالي 130 ألف دونم. إضافة إلى ذلك، صادر الجيش 160 ألف دونم أخرى بحجج أمنية في السنوات الأولى للاحتلال، لتتحول 13% من مساحة الضفة الغربية إلى أراضي دولة تحت تصرف الجيش.
ومنعت إسرائيل البناء على هذه الأراضي بحجة أنها يجب أن تستخدم لدواع أمنية وحسب، وسمحت بوجود عدد معين من المستوطنات. حتى العام 1977، لم تسمح إسرائيل للمستوطنين بتملك أراض داخل الضفة، وبالتأكيد لم تشرع بشكل منهجي وواضح في الاستيطان المدني كما هو اليوم. في العام 1980، أثارت قضية مستوطنة ألون موريه رأيا عاما في إسرائيل، وخصوصا بين تيار الصهيونية الدينية الصاعد في حينه عندما قررت المحكمة العليا الإسرائيلية إخلاء المستوطنة لأنها مقامة على أراض فلسطينية خاصة رغم أن الجيش الإسرائيلي يضع يده على هذه الأراضي.
في إثر هذا القرار، وبناء على نية حكومة بيغن في حينه بالشروع بتوسيع الاستيطان، بدأ الاحتلال يبحث عن مخرج قانوني مؤقت للسماح بالبناء الاستيطاني. وعليه، أصبح الاحتلال يتطلع إلى مشروع تسوية كامل لأراضي الضفة الغربية لفرز الأراضي التي لا يملكها الفلسطينيون عن الأراضي التي يمكن قانونيا التنازع عليها، وتحديد كامل المساحات التي كانت متروكة أو ميري لكنها غير مفلوحة.
على العكس من أراضي 48 التي تم تطويبها بالكامل (باستثناء بعض المساحات المتفرقة في النقب)، فإن أراضي الضفة الغربية ما تزال غير مفروزة. في الواقع، كانت الأراضي في الفترة الأردنية مصنفة على النحو التالي: أراضي ملكية خاصة، أراضي ميري (تابعة للدولة ويمكن تأجيرها للناس)، أراضي وقف، أراضي متروكة (مخصصة للمصلحة العامة) وأراضي موات (بعيدة وغير مفلوحة). كانت بريطانيا (في فترة الانتداب) والأردن (1948-1967) قد بدأتا بمشروع تسوية أراضي الضفة.
حتى العام 1967، استطاع الأردن تسوية حوالي ثلث مساحة الضفة الغربية قبل أن توقف إسرائيل هذا المشروع وتتركه معلقا في الهواء بحجة أن هناك 200 ألف نازح فلسطيني من الضفة قد يكونوا متضررين في حال حدث فرز في غيابهم.
ويقول تقرير “مدار” إنه في أعقاب قضية ألون موريه، والتوجه الإسرائيلي إلى الشروع بالاستيطان لغايات مدنية وزراعية وصناعية، برزت الحاجة من جديد لإعداد مشروع تسوية شامل للأراضي. ويضيف “في الأثناء، لعبت بليا ألبيك، وهي قانونية إسرائيلية ورئيسة القسم المدني في النيابة العامة الإسرائيلية في الثمانينيات، دورا أساسيا جعلها بأعين الكثير الأم الحنونة التي أعطت مظلة قانونية للمستوطنين لشراء أراض وبناء مستوطنات “بشكل قانوني”.
حسب ألبيك، الاستيطان المدني وشراء الأراضي من قبل اليهود في الضفة يجب أن يتم على أراض مصنفة باعتبارها أراضي الدولة، وليس على مجرد أراض تحت سيطرة الجيش لأن الضفة الغربية لم تمر بعد في مشروع تسوية شاملة للأراضي. وينوه التقرير أن الطريقة المعقدة التي أقرتها ألبيك، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم، تقوم على ما يلي: الإدارة المدنية تصادر أراضي وتعلن نيتها على تصنيفها أراضي دولة وتفتح المجال أمام الاعتراضات والمنازعات التي قد يقدمها الفلسطينيون.
في معظم الحالات، تكسب الإدارة المدنية أي منازعات على هذه الأراضي المصادرة، وتصبح حرية التصرف بها ملكا للدولة (ممثلة بالإدارة المدنية) من ثم تقوم الدولة بمنحها للاستيطان. وبما أن الأراضي التي كانت مصنفة أراضي دولة والتي وضع الاحتلال يده عليها، كانت قد وصلت إلى 13% فقط بعد الاحتلال سنوات قليلة، فإنه وفي أعقاب قضية ألون موريه، وبالتحديد في النصف الأول من الثمانينيات، قامت الإدارة المدنية بمصادرة أراض أخرى وصنفتها كأراضي دولة ووصلت نسبتها إلى حوالي 14.5% لتصبح أراضي الدولة التي بحوزة الجيش حوالي 26% من أراضي الضفة في منتصف الثمانينيات، أي ما يشكل حوالي 1.4 مليون دونم.
لكن ألبيك كانت قد ألقت محاضرة في 1985 بعد أن جلست عشرات المرات في مروحية عسكرية وتجولت في كل أرجاء الضفة وراقبت ودونت ملاحظاتها، بأن مستقبل حجم الأراضي التي قد ينزعها الجيش الإسرائيلي ويصنفها كأراضي دولة ستصل في النهاية إلى حوالي 2 مليون دونم، أو حوالي ثلث أراضي الضفة.
وبالفعل، تصل “أراضي الدولة” اليوم إلى حوالي 34%، تصديقا لرؤية ألبيك التي قالت قبل أن تتوفى في 2005: “أريد أن أضمن أن كل المستوطنات تقام على أراضي دولة. في الواقع، ليس هناك حق ملكية لليهود على منازلهم في المستوطنات، وبناء على القانون الدولي، فإن المستوطنات هي أمر مؤقت وغير مستقر”.
بعد أن سيطر الجيش على هذه المساحات، فإن الإدارة المدنية بدأت تمنح أراضي الدولة إلى المستوطنين لبناء المستوطنات وعلى مدى 13 عاما من عمر الاحتلال وحتى 1980، وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى حوالي 12 ألفا فقط، معظمهم في مستوطنات أقامها الجيش الإسرائيلي، على “أراضي دولة”، بحجج مختلفة أهمها الحفاظ على “أمن إسرائيل”. لكن بفضل مشورة ألبيك، انفلت المشروع الاستيطاني من عقاله كما هو واضح في المعطيات الرسمية التي تفيد بأن مجمل ما تم تحويله للمستوطنين بهذه الطريقة بلغ حتى اليوم 441600 دونم وهكذا الأمر في عدد المستوطنين.