تتعاقب المآسي على النازحين الفارين من الموت والقصف الإسرائيلي بالتحديد في مناطق جنوب قطاع غزة، حيث التهجير القسري المتواصل وصعوبة توفير المقومات الإنسانية الأساسية للمواطنين، نتيجة التدمير الإسرائيلي للبنية التحتية في مختلف مناطق القطاع، يضاف إلى ذلك أزمة تكدس النفايات الخطيرة بين خيام النازحين وعدم تمكن الجهات المختصة من تصريفها إلى الأماكن المخصصة لها، واستهداف الاحتلال كل من يحاول الاقتراب من المناطق الحدودية، التي تعتبر من الأماكن المخصصة بالنسبة للبلديات لطمر النفايات. وتشهد بلديات قطاع غزة أزمات متراكمة مع بدء الاحتلال استهداف مقراتها والآليات المستخدمة في نقل النفايات، عدا عن منع شاحنات النفايات من التوجه إلى المكبات المتواجدة على مقربة من الحدود الفاصلة مع إسرائيل شرقي غزة، وهذا ما دفع بالبلديات إلى تجميع مئات الأطنان من النفايات في ساحات قريبة من الأحياء والمخيمات التي يسكنها النازحون، في ظل انحسار الخيارات أمام إمكانية إيجاد بديل آمن.
وحذرت مؤسسات دولية وأممية من التداعيات الخطيرة للتكدس الهائل للنازحين في مناطق جنوب القطاع، بالتزامن مع النقص الحاد في الخدمات الإنسانية وتفشي العديد من الأمراض بينهم. حيث حذرت الأونروا من عمليات التهجير القسري المتواصلة للسكان في مدينة رفح، على إثر توسيع الجيش الإسرائيلي للعملية البرية، وصعوبة إيجاد أماكن صحية وآمنة في المناطق الضيقة والمعدومة من الخدمات التي خصصها الجيش لسكان مدينة رفح كي يخرجوا من المدينة، كما حذرت الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني من المخاطر البيئية والصحية المترتبة على تكدس النازحين في منطقة مواصي خانيونس وانعدام سبل النظافة، نتيجة استمرار الاحتلال إغلاق المعابر وعدم توفر المستلزمات الوقائية، خاصة مع تفشي العديد من الأمراض والأوبئة وغياب مراكز رعاية صحية كاملة لاستيعاب الأعداد الهائلة من المواطنين، بعد أن أقدم الاحتلال الإسرائيلي على تدمير مستشفيات مناطق جنوب غزة واعتماد السكان على النقاط الطبية الصغيرة التي تقدم فقط الرعاية الأولية للمرضى.
وفي منطقة المواصي، حيث تكدس مئات الآلاف من النازحين الفارين من مدينة رفح، لا يجد النازحون أماكن نظيفة وآمنة لنصب خيامهم، نتيجة الاكتظاظ الهائل بالوافدين من مدينة رفح، ونتيجة لذلك لجأ المئات وبسبب ضيق المساحات إلى نصب خيامهم بجانب حاويات وأكوام النفايات، التي يصعب على الجهات المختصة من البلديات ترحيلها إلى أماكنها المخصصة لصعوبة الوصول إليها، وهذا أدى إلى تفشي العديد من الأمراض خاصة الجلدية والتنفسية في صفوف أعداد كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن، عدا عن الانتشار الهائل للذباب والبعوض والعديد من الحشرات التي تؤذي المواطنين، بالتزامن مع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة.
في أحاديث منفصلة لـ«القدس العربي» عبر نازحون عن بالغ استيائهم من الظروف الصعبة التي يمرون بها، مع استمرار الحرب الإسرائيلية وتراكم الأزمات عليهم، وتراجع المساعدات وعدم وجود أماكن آمنة وصحية للعيش فيها، حيث تراكم النفايات بين الخيام وفي الطرقات وانتشار الحيوانات الضالة عليها وانبعاث الروائح الكريهة والخطيرة منها، عدا عن الحشرات التي ترهق النازحين.
يقول أبو قاسم والذي اجبر على النزوح من رفح إلى المواصي، «نواجه ظروفا قاسية جداً خلال النزوح، فالخيام المهترئة وارتفاع درجات الحرارة بداخلها يعتبر أمرا كارثيا ومزعجا، عدا عن تكدس النفايات بجانب الخيام المحيطة بالمواطنين الذين لا يجدون أماكن مخصصة نظيفة، وهذا ما زاد من معاناتنا كنازحين نواجه أكبر كارثة بيئية وصحية، في ظل عجز الجهات المحلية والدولية في إيجاد حلول لما نعانيه».
ولفت إلى أن تفشي الذباب والبعوض داخل الخيام يشكل معضلة كبيرة على النازحين، «فلا نعرف النوم لا ليل ولا نهار نتيجة الروائح الكريهة المنبعثة من النفايات والازعاج الذي تسببه الحشرات».
أما المواطن أبو منذر فهو يشتكي من المخاطر البيئية والصحية المترتبة على تكدس النفايات، يضاف إلى تلك المخاطر القاء الحيوانات الميتة فوق تلك الأكوام، وهو ما يزيد من انتشار الروائح الكريهة والحشرات الخطيرة، عدا عن تجمع الكلاب الضالة مع ساعات الليل، وهي تهدد المواطنين الذين يحاولون الخروج لقضاء حاجاتهم بالاعتداء عليهم.
وتحاول مؤسسات دولية إيجاد فرص عمل مؤقتة للعديد من الشبان، من خلال توفير عربات تجرها الحيوانات وتنفيذ عمليات تنظيف أسبوعية وربما شهرية للأماكن التي تتراكم فيها كميات كبيرة من النفايات، ونقلها إلى مناطق لا تبعد عن مخيمات النزوح كثيراً مقابل أجور مادية زهيدة، لكن هذا الحل المؤقت لا يحمي المواطنين من التعرض لكوارث صحية، بسبب وصول الروائح والحشرات من تلك التجمعات إلى المواطنين.
ويقول محمود الراس الذي يعمل كموظف في نقل النفايات إلى المكبات المخصصة في منطقة صوفا شرقي مدينة خانيونس، إن شاحنات البلدية توقفت عن نقل النفايات منذ بداية الحرب على قطاع غزة إلى المكبات المخصصة في صوفا ومنطقة كيسوفيم وجحر الديك، بسبب العملية البرية التي طالت كافة مناطق قطاع غزة.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن عمل البلدية يسير بشكل جزئي بسبب تعرض عدد من الشاحنات للتدمير المتعمد، وعدم توفر محروقات لتشغيل المركبات المتبقية، وهذا زاد من تكدس أكوام النفايات بشكل كبير، خاصة مع ارتفاع أعداد السكان في منطقة خانيونس بشكل مضاعف.
وتابع هناك جهود من قبل مؤسسات دولية إلى جانب البلدية، تعمل على نقل النفايات مرتين في الأسبوع على الأقل من داخل المناطق المأهولة إلى تجمعات في مناطق فارغة داخل المدينة، من خلال بعض الشاحنات التي بإمكانها العمل ويتوفر لها وقود، إلى جانب الاعتماد على العربات التي تجرها الحيوانات، وهذا كحل وحيد في ظل صعوبة توفير أماكن فارغة أو التوجه إلى الأماكن الرئيسية.
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل شن حرب مدمرة على قطاع غزة للشهر التاسع على التوالي، متجاهلاً كافة القرارات الدولية من مجلس الأمن والجنائية والعدل الدولية بضرورة وقف الحرب ومنع ارتكاب المزيد من مجازر الإبادة بحق المدنيين العزل، بالتزامن مع عجز الاحتلال عن تحقيق أهدافه منذ بداية الحرب.