المهمش الثقافي هو الإنسان الذي تراه المؤسسة الأبوية المركزية كائناً زائداً يعيش على أطراف المركز لا ضرورة له ولا جدوى منه. والسبب ضعة حاله وهبوط ثقافته وضعف قوته ودونية سلوكه وبلادة فاعليته ووضاعة صورته، والذي لا مكان له في استراتيجية تلك المؤسسة بسبب عدم صلاحية وجوده فيها بوصفه كائناً ثانوياً.
والبغية من وراء تحجيم فاعلية المهمش وعدم الاعتراف بقدراته، تجريده من أية جدوى لكي يظل قابعا تحت طائلة سلطة المركز تابعاً لها بخضوع، مواليا بطواعية وراضيا بقنوع تام. وبخلاف هذا الاشتراط فإن الأبوية المركزية ستلفظه وقد تطرده متنكرة لوجوده مستلبة حقوقه متنصلة له ورافضة الاعتراف به.
وكان المفكر زيجومنت باومان قد عدَّ البشر بمجموعهم مهمشين كنفايات بشرية وفائضين عن الحاجة سواء في بلدانهم الأصل أو بلدان التي يلوذون بها، والسبب أن وجودهم وجود مؤقت على نية اللاثبات، وشبّه حال البشر في عصر الحداثة السائلة بـ”الحالات المبهمة التي يستعصي البت فيها”. وإذا أردنا أن نعدد الهوامش فإننا سنجدها تتمثل في المرأة والطفل والمنفي والمهاجر وطالب اللجوء والنازح والمواطن الذي لا يملك أوراقا ثبوتية واليتيم والسجين والمختل أو المجنون والعبد والخادم وعامل النظافة والعامل بالأجر اليومي والعاطل عن العمل والمنبوذ والمتشرد والمتسول والمدمن وغيرهم من الفئات البشرية التي يطالها العوز والفقر والمرض والضعف والتشويش.
ومن الطبيعي أن توصيف هؤلاء بأنهم هوامش ثقافية سينطوي على صور متعددة بعضها معلن باستحياء، وبعضها خفي يطاله التعتيم، أو مغيب تمارس ضده شتى سياسات القمع والإسكات وبما يجعل لكل فئة من الفئات الهامشية ثقافتها الخاصة. وبيّن المفكر إدوارد سعيد أن تمثيل هؤلاء الهامشيين هو الأهم للمثقف، والسؤال كيف يمكن استثمار هذه الفئات البشرية كفواعل مركزية ورأسمال رمزي وذوات لها جدوى وفاعلية؟
ليس مغالاة القول إن هؤلاء الهامشيين هم في الحقيقة مادة أولية أساسها التنوع الثقافي الذي يمكن استثماره وإعادة تصنيعه ليكون مصدر قوة يمكن الاعتماد عليها في تحقيق نهضة ثقافية باتجاه استراتيجي جديد.
وواحدة من استراتيجيات تمثيل الهوامش ثقافيا هي الاعتراف بالنسوية كعنصر فاعل غير تابع لقطب مركزي ولا موالٍ لمؤسسة أبوية تستحوذ على طاقاته وربما تسخره لصالحها وحدها، وليس معنى هذا أن تستفرد النسوية بالمركزية على حساب الذكورية وإنما المقصود هو أن تضاهي مركزيتها مركزية الآخر، فالمرأة ليست كياناً مستلباً أو ناقصاً حتى تستوجب عليه الهيمنة والوصاية مما كانت قد مارسته المنظومة الأبوية مع النساء دهوراً طويلة.
لا شك أن استراتيجية الاعتراف لن تُفقد المجتمعات البطريركية هيمنتها، ولكنها تجعل المدخلات فيها مكفولة للجميع مشاعة للرجال والنساء على السواء وبصورة لا مركزية، رأسمالها تنوّع الثقافات ومخرجاتها الاحتواء والتشارك والتقارب والاندماج التي تجعل الذوات فاعلة ليس بينها تفاضل جنوسي سواء في احترام القدرات والثقة بها أو في العمل على استثمارها والإفادة منها.
ومن الأمثلة التي نذكرها هنا ما كانت فرنسا قد شهدته بعد عام 1960 من انقلاب ديموغرافي أدى إلى تغير في مكانة المرأة لا سيما بعد رفع النساء لشعارات تعبر عن تطلعات فيها كثير من ممكنات الاعتراف والتضامن والحرية. وتحددت بعض مكاسب هذا التغيير في ثلاثة مؤشرات تتعلق بمسائل ديموغرافية من قبيل نسب الولادة ومعدلات الزواج والخصوبة ومقاييس معدل نشاط النساء من ناحية تنوع أشكال الحياة الخاصة بالمرأة.
وفي مجتمعاتنا العربية ما زالت المرأة تؤدي الأدوار التي توصي بها الأبوية وتباركها وبما يضمن للذكورية الاستحكام ويهيئ لها الاستعلاء مديمة بذلك استحواذها على كيان المرأة، ومن ثم لا يتاح مجال عندنا للحديث عن مقولة (سيرورة انعتاق النساء) بدلالتها الانفتاحية التي تعني التحرر من ارغامات التبعية الاجتماعية والثقافية والجمع مع مقتضيات الدور المنزلي الابتكار الذي به تمارس المرأة أشكالا جديدة من الحياة الخاصة هي بمجموعها عبارة عن مسار انعتاق تاريخي وانعطاف مجتمعي جديد.
ومن دون ذلك الانعتاق يظل التعامل المركزي في مجتمعاتنا قائما على أساس جندري، هو عادة ما يصب خارج مواضعات التنوع الثقافي محاطاً في العموم بالرؤية الاحادية.
لا خلاف أنّ بعضاً من هذا التعامل مسؤولة عنه المرأة نفسها كونها رضيت على مستويات مختلفة أن تتنكر لأنثويتها في مقابل حصولها على مكاسب معينة، معتقدة أنها بمهادنتها للأبوية ومطاوعتها للذكورية وتشبهها بها ستتحقق رغباتها وتبلغ مراميها. وهذا أمر خطير لكونه يعيق الأنوثة التي هي إحدى سمات النسوية عن أداء دورها في التمثيل الثقافي، فضلا عن تقويضه لتطلعات المرأة في التعبير عن ذاتها وإثبات كينونتها وتوكيد هويتها أولا، ولأنه ينسف أساسات كانت قد شيدتها المجتمعات الأمومية في أزمان غابرة ثانياً، تلك المجتمعات التي كانت فيها المرأة هي الحكيمة الحاكمة وكانت الحياة هي الأكثر توافقا والأكثر اتزانا ومنطقية.
وعلى الرغم من الحقيقة التاريخية لذلك الواقع؛ فإننا نجد بعض المفكرين ما زالوا يشككون أو بالأحرى يتحفظون ما بين البرهنة بدقة على مجتمع أمومي معين، وبين عدم استثناء إمكانية وجود مثل هذه المجتمعات في المستقبل.
وهذا يدلل على أن إثبات التنوع الثقافي في إطار جندري هو مجرد تشكيك واهم وافتراء مختلق ما دامت النظرة الذكورية ترى في تحول المجتمع من الأبوية إلى الأمومية إعاقةً وليس تقدما! وهذا الاستحواذ هو ما يجعل إنسان هذا العصر ذميما كما يصفه فوكاياما (الوحش ذو الوجنتين الحمراوين)، وقبله كان نيتشه قد أعلى من شأن الذكورية حين جعل إرادة القوة موجودة قبل العقل أو التيموس الذي تحدث عنه إفلاطون بمعنى إرادة الذات.
وإرادة القوة نزعة تفاضلية فيها الثقافة عبارة عن قوة تقاوم الآخر الضعيف الذي تراه معيقاً، رافضة أية أنماط تتعلق بقدرة الجماعة على خلق مجتمع مدني قويم، متناسية المرأة التي هي الغائب الكبير أو الصامت الكبير في التاريخ، وبالشكل الذي يجعل العوامل الثقافية مرهونة بالهوية القومية والدين والتاريخ والثقافة واللغة. وهو ما تؤكده الثقافة المادية التي تبني قاعدتها على سياسة الانغلاق الثقافي الذي يجعل الإنتاج مرتبطا بذكورية المجتمع.
إن الاعتداد بالفعل الأنثوي في المجتمع والنظر إلى المرأة فاعلاً هو الذي سيسهم في عملية تطوير المجتمع ونمائه.
ولعل من أهداف توظيف استراتيجية تمثيل النسوية في التنوع الثقافي هو إثبات فرضية أن المرأة رأسمال، وأنها ليست فائضاً بل هي فاعل رمزي يملك الامتلاء ويتمتع بالاحتواء، والكيان القادر على قلب المركزية وفوقيتها الشاقولية باتجاه اللامركزية في خطيتها الامتدادية التي تلغي ثنائية الهامش/المركز، غير مقرّة بوجود عامل ثقافي فائض أو ناقص. لأن الجميع لهم دورهم في تحقيق التكامل والاندماج لتغدو الرسملة رمزية.
* كاتبة عراقية