يشكل تهديد الطرق الحيوية تحديا للنظام وروسيا وإيران، خاصة طريق تدمر- دير الزور، فتزايد هجمات مقاتلي تنظيم «الدولة» وفشل النظام في حمايته سيؤدي مع الوقت إلى اعتباره منطقة سيطرة للتنظيم.
ارتفعت حدة القصف الجوي الروسي على أهداف متوقعة لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بشكل غير مسبوق في الأسبوعين الأخيرين، على مناطق متفرقة في البادية السورية، تركز أغلبها في باديتي الرقة ودير الزور وبنسبة أقل في بادية حمص.
ويحصي المرصد السوري لحقوق الإنسان الغارات الجوية الروسية هناك، بنحو 560 غارة منذ مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، حتى يوم الجمعة 26 من الشهر.
وتشير إحصائيات المرصد في الفترة الممتدة من 24 اذار (مارس) إلى يوم الجمعة، إلى ان عدد قتلى قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية المساندة له بلغت 1597 قتيلا، بينهم 3 من الروس على الأقل، بالإضافة لـ 153 من الميليشيات الموالية لإيران من جنسيات غير سورية، قتلوا جميعاً خلال هجمات وتفجيرات وكمائن لتنظيم «الدولة الإسلامية» في غرب الفرات وبادية دير الزور والرقة وحمص والسويداء وحماة وحلب. كما وثق المرصد مقتل أربعة عمال مدنيين في حقول الغاز والعشرات من الرعاة والمدنيين الآخرين بينهم أطفال ونساء في هجمات التنظيم، في المقابل يقول «المرصد» أنه تمكن من توثيق مقتل 1089 من تنظيم «الدولة» خلال الفترة ذاتها خلال الهجمات والقصف والاستهدافات.
شدة القصف وارتفاع عدده، يؤكد تزايد نشاط وهجمات «التنظيم» في سوريا، وهو ما يقوله التنظيم في إحصاءاته الأسبوعية الدورية، ويقر به «التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش» الذي تقوده واشنطن، حيث يشير التحالف إلى ان التنظيم يعتمد أسلوب حرب العصابات خصوصا في مناطق وجود التحالف الدولي.
وقال المتحدث باسم قوات التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، جويل هاربر، الجمعة، في تصريح لوكالة «نورث برس» المحلية في شرق سوريا، أن «خلايا تنظيم الدولة، بدأت تصعد من هجماتها ضد المدنيين باستخدام العبوات الناسفة والأسلحة الخفيفة لتقويض إمكانية استقرار الأماكن المحررة من الإرهاب». منوهاً إلى أن التنظيم «لا يزال يعاني من ضعف شديد في مناطق وجود التحالف وشركائه وأنه يستخدم أساليب العصابات لترهيب المدنيين وابتزازهم وسرقتهم وتعريض قوات الأمن المحلية (أسايش) للخطر».
ونشر تنظيم «الدولة» انفوغرافيك جديد، يوم الجمعة، عبر مجلة «النبأ» إحدى أذرعه الإعلامية تحدث فيه عن أبرز عملياته في الفترة الممتدة بين 10 و23 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، ادعى التنظيم في الانفوغرافيك الذي رصدته «القدس العربي» قيامه بـ 17 عملية متنوعة، بين اغتيال وإحراق بئر نفط وتدمير آليات، وهجمات متفرقة. وأشار «التنظيم» إلى تفجير عبوة ناسفة في رتل للقوات الأمريكية في قرية السعدة غربية قرب مدينة الحسكة، يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) أدى إلى احتراق العربة بالكامل.
كذلك، نصب مقاتلو التنظيم كمينا لميليشيات النظام، يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر) أدى لمقتل ثمانية عناصر من الميليشيا، فجر خلاله عناصر التنظيم عبوات ناسفة قبل الهجوم على الرتل بالرشاشات الثقيلة والخفيفة. وبحسب صحيفة «النبأ» لم تقتصر الهجمات على البادية وشرق سوريا، فقد فجر مقاتلو التنظيم، في العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، عبوة ناسفة استهدفت آلية لجيش النظام السوري، على الطريق الواصل بين بلدتي ازرع والشيخ مسكين في ريف درعا، أدى الهجوم إلى مقتل ضابط وثلاثة عناصر.
الهجمات المتكررة على طريق أثريا-الرقة وطريق تدمر-دير الزور، دفعت الميليشيات الإيرانية لتعزيز الطريق بعدة نقاط إضافية في المنطقة الواقعة بين الشولا وكباجب وهي المناطق التي عادة ما يهاجمها الطريق بسبب امتداداتها الجغرافية الجبلية من جنوب الطريق وشماله، وهو ما يسهل على مقاتلي التنظيم الانسحاب بسرعة والتخفي في المنطقة الوعرة قبل وصول الطيران الحربي الروسي والمؤازرات البرية من دير الزور وباقي النقاط. وفي تلك المنطقة تعرضت الفرقة الرابعة-قوات خاصة التي يقودها اللواء ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام إلى كمين يعتبر الأكبر في تاريخ الكمائن التي تعرضت لها الفرقة، خسرت خلاله نحو 53 عنصرا، نهاية العام الماضي. وقبل أيام قليلة، تعرضت قافلة للحرس الجمهوري في المنطقة نفسها لهجوم مشابه أدى لمقتل عدد من العناصر وجرح نحو 30 آخرين.
ويشكل تهديد الطرق الحيوية تحديا رئيسا للنظام السوري وروسيا وإيران، على وجه الخصوص طريق تدمر-دير الزور، فتزايد هجمات مقاتلي تنظيم «الدولة» وفشل النظام في حمايته سيؤدي مع الوقت إلى اعتباره منطقة سيطرة للتنظيم. كما أن خسارته ستضع النظام والميليشيات الإيرانية في إحراج شديد، وسيعرض خسارة الطريق الاستثمارات الروسية في حقول النفط والفوسفات إلى خطر شديد، يدفعها إلى وقف عملها هناك، إضافة إلى انه سيجعل الجميع يعتمدون طريق أثريا-خناصر وهو أمر مكلف للغاية باعتبار الطريق سيصبح أطول الأمر الذي سيزيد من استجرار المحروقات التي يعاني النظام من فقدانها أساساً.
هذه الاحتمالات تدركها الأطراف الثلاثة، وهو ما جعل إيران تأخذ مواقع جديدة على الطريق بهدف وصل النقاط ببعضها. إلا ان تأمين الطريق يحتاج إلى إنشاء نقاط عسكرية كل خمسة كيلو مترات وهو أمر مكلف للغاية للنظام فعله سابقا عام 2014 على طريق السعن-اثرية-خناصر من أجل حمايته من فصائل المعارضة المتمركزة غربه، وتنظيم «الدولة» الذي كان يهاجمه من الجهة الشرقية حينها. حيث أصبح الطريق الوحيد الذي يصل دمشق بشمال سوريا وشرقها بعد سيطرة فصائل الجيش الحر عام 2012 على طريق حلب- دمشق/M5 وقطعها طريق حمص-دير الزور.
يتزامن النقاش حول أعداد مقاتلي التنظيم ومقدرتها على تغيير خرائط الصراع في سوريا والعراق مع تقرير صحيفة «الغارديان» البريطانية الذي نشر قبل أيام. ويتهم فيه «قسد» بالإفراج عن مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» مقابل مبالغ مالية بموجب ورقة تعهد أو مصالحة، ويقول التقرير انه اعتمد على وثائق رسمية ومقابلات مع مقاتلين أفرج عنهم مؤخرا. وحدد التقرير المبلغ الذي يدفعه عناصر التنظيم بنحو 8000 دولار أمريكي إلى قسم المالية في «قسد» ويتعهد السجناء المفرج عنهم بعدم الانضمام إلى تنظيمات مسلحة ومغادرة مناطق سيطرة قسد.
التحقيق الصادم الذي نشرته «الغارديان» أربك القيادة العسكرية في قسد، ونفت ما جاء بالتقرير وقالت ان الصحيفة «وقعت في فخ التزوير، والشهادات التي اعتمدت عليها مزوّرة».
على صعيد آخر، حسم منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بريت ماكغورك مسألة بقاء أمريكا في سوريا. وأشار في مقابلة مع «ذا ناشونال» الخميس: «نعتزم البقاء في سوريا، مع وجود قوات في الجزء الشمالي من البلاد، لمحاربة فلول داعش» مضيفاً أنه يؤيد الضربات الإسرائيلية في سوريا، «لأن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها».
وتابع «لقد ألقينا نظرة شاملة على الوضع في سوريا بالتشاور مع أصدقائنا وشركائنا في المنطقة، ووجدنا أن العنف في الحرب السورية في أدنى مستوياته منذ سنوات» مضيفاً أنه «بهدف التأكد من استمرار ذلك، ناقشنا استمرار التهدئة مع الروس» وهم «أخبرونا أنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار، ونحن ملتزمون به أيضاً».
من الواضح، أن التنظيم اقترب للغاية من تغيير واقع المعادلة العسكرية في شرق سوريا، تحديدا في مسألة السيطرة على الطرق الحيوية التي يعتمد عليها النظام وحلفائه في حين يعرض الاستثمارات الروسية ومصالح إيران إلى خطر كبير.
الصورة: قوات أمريكية في سوريا