تتحسب دوائر القرار في الاتحاد الأوروبي لعودة بنيامين نتنياهو مجددا إلى رئاسة الوزراء الإسرائيلية من دون أن يغيب عن بالها حالة الخلاف التي طبعت علاقاتها معه خلال السنوات الطويلة السابقة التي قضاها في الحكم.
ولا يغيب عن الذاكرة السياسية للاتحاد الأوروبي النعوت الكثيرة التي كان يستخدمها نتنياهو ضد الاتحاد بما فيها وصفه الشهير عام 2017 للاتحاد بالجنون لربطه تقدم العلاقة مع إسرائيل بتحقيق تقدم في عملية السلمية مع السلطة الفلسطينية.
كما لا يغيب عن تلك الذاكرة الأوروبية اشتداد الخلاف السياسي حول وضع القدس المحتلة بعدما استقوى نتنياهو بصفقة القرن التي أطلقها حليفه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وما تبعها من اعتراف أمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017 وهو قرار رفضه الاتحاد الأوروبي حينها، واعتبر «أنه سيدمر عملية السلام ويؤدي إلى إثارة العنف ويقوض حل الدولتين». وينطلق الاتحاد في ذلك من قناعته بأن «حل الدولتين، مع القدس عاصمة مستقبلية لكيلهما – أي القدس الغربية لإسرائيل والقدس الشرقية لدولة فلسطين – هو الطريق الوحيدة لضمان السلام والاستقرار المستدامين في المنطقة».
كما أن هناك تحذيرا أوروبيا متكررا لنتنياهو من ضم أجزاء من الضفة الغربية ويستند الاتحاد الأوروبي في تحذيره ذاك إلى مقولته المتكررة التي تختصر موقفه من سياسة نتنياهو ومفادها «أن القانون الدولي هو ركيزة أساسية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولذا فإن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه يذكّرون أنهم لن يعترفوا بأي تغييرات على حدود 1967 ما لم يتفق الإسرائيليون والفلسطينيون على ذلك».
إلا أن الخلاف مع سياسة نتنياهو كان مصحوبا دائما بتجديد الاتحاد الأوروبي تأكيده أن تكون هناك أفضل علاقة للاتحاد مع إسرائيل، فهو أكبر شريك تجاري لها، ويمنحها مكانة تجارية مفضلة، ويساعد في تمويل البحث العلمي الإسرائيلي وتطويره.
يضاف إلى ذلك أن سياسة الاتحاد الأوروبي اليوم لا بد أن يتم النظر إليها من دون بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد حيث تعتمد سياسة مختلفة لتكون أكثر قربا من إسرائيل وهو ما تجسد في الأزمة التي أثارتها حكومة المحافظين برئاسة رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس عندما أعلنت نيتها مراجعة موقع السفارة البريطانية في تل أبيب لنقلها إلى القدس المحتلة على غرار ما فعلته إدارة الرئيس ترامب. ورغم أن مصدرا مقربا من رئيس الوزراء البريطاني الجديد ريشي سوناك كان أعلن أنه ليس لديه خطط الآن بشأن مراجعة نقل السفارة البريطانية إلى القدس المحتلة، فإن الأمر لدى حزب المحافظين ما زال يكتنفه الغموض (المتعمد) في ظل الرفض الداخلي الكبير الذي لاقاه موقف تراس تجاه وضع القدس من جهة، ونظرا لإعطاء المحافظين الأولوية – في حكومة سوناك – للجانب الاقتصادي من أجل وقف التدهور الاقتصادي في بريطانيا في ظل حالة الركود التي تعيشها البلاد من جهة ثانية.
وبانتظار جلاء الموقف البريطاني، فإن موقف الاتحاد الأوروبي ما زال على حاله تجاه رفض سياسة الضم الإسرائيلية وتجاه الوضع النهائي للقدس، لكن الواضح أنه سيواجه مشاكل جدية مع السياسة التي سيعتمدها نتنياهو العائد مجددا إلى الحكم متسلحا بتحالف يميني أكثر تطرفا مع رئيس حزب «القوة اليهودية» إيتمار بن غفير حيث توصل نتنياهو وبن غفير إلى اتفاق أولي لتعزيز الاستيطان بالضفة الغربية، وذلك في سياق المشاورات التي يجريها نتنياهو من أجل تشكيل الحكومة كما قالت الإذاعة الإسرائيلية. وفي نظرة سريعة على ذلك الاتفاق يمكن القول بأنه يضرب عرض الحائط كل القوانين والمقررات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية وعملية التسوية ويشكل تحديا حقيقيا، لكونه ينص على «إضفاء الشرعية بأثر رجعيّ» على عشرات البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية في غضون 60 يومًا من أداء الحكومة اليمين الدستورية». وتشمل بنود الاتفاق أيضا وفقا للمصادر الإسرائيلية «إبقاء المعهد الديني اليهودي في مستوطنة حوميش» التي تم إخلاؤها بقرار من محكمة إسرائيلية، بسبب إقامتها من دون تصريح من الجيش شمالي الضفة الغربية. و«إقامة معهد ديني في البؤرة الاستيطانية أفياتار» التي أخلاها الجيش الإسرائيلي بقرار من المحكمة لوجودها على أرض فلسطينية خاصة في جبل صبيح بمحافظة نابلس شمالي الضفة الغربية. كما «تم الاتفاق على توسيع الطريق السريع الرئيسي بين الشمال والجنوب عبر الضفة الغربية، وبناء طرق التِفافية».
النتيجة الأولى لذلك الاتفاق اختصرتها وزارة الخارجية الفلسطينية بالقول «إن الاتفاق يجحف بقضايا الوضع النهائي التفاوضية، ويهدف لاستكمال حسم مستقبلها من جانب واحد وبقوة الاحتلال، بما يوفر المزيد من الشرعية والدعم والإسناد الحكومي للاستيطان وأن ذلك الاتفاق يعزز من الحماية والحصانة لميليشيات المستوطنين ومنظماتهم الإرهابية» وفق البيان. والأكثر خطورة في الاتفاق كما تراه وزارة الخارجية الفلسطينية هو أنه «يضرب مرتكزات أية عملية سياسية تفاوضية مستقبلية، ويستكمل التخريب الإسرائيلي المتعمّد لفرصة تحقيق السلام على أساس مبدأ خيار حلّ الدولتين، ويقوّض أية جهود دولية وإقليمية مبذولة لبناء الثقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي». وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية أيضا إنها «تنظر بخطورة بالغة لهذا الاتفاق، وتحذّر من تداعياته الكارثية ليس فقط على ساحة الصراع والمنطقة برمّتها، وإنما أيضاً على الأمل بتحقيق السلام وعلى ثقافة السلام والمفاوضات». وأن «الاتفاق يختبر مصداقية المواقف الدولية والأمريكية الرافضة للاستيطان والداعية لتطبيق حلّ الدولتين» وطالبت «المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية باتخاذ ما يلزم من الضغوط والإجراءات الكفيلة بضمان عدم تنفيذ هذا الاتفاق وبنوده».
وبناء على ما ذلك التشخيص لواقع الحال في ظل حكومة نتنياهو المزمع تشكيلها، فإن الاتحاد الأوروبي ممثلا بمسؤول السياسة الخارجية فيه جوزيب بوريل سمع مباشرة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس – خلال اتصال هاتفي – ما ينتظره الفلسطينيون من تحرك أوروبي ودولي جاد بهذا الصدد. فالرئيس عباس أطلع بوريل على «ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من أخطار حقيقية جراء ممارسات الحكومة الإسرائيلية وإصرارها على التنكر لحقوقه والاستمرار بالإجراءات أحادية الجانب التي تقوّض حل الدولتين».
ووفقا لوكالة ألانباء الفلسطينية «وفا» فإن الرئيس عباس حذر «من أي خطوات ضم أو أعمال أحادية قد تقدم عليها الحكومة الإسرائيلية القادمة». وأكد «ضرورة البدء بمسار سياسي ينهي الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967 وفق قرارات الشرعية الدولية». وأعرب عن «ثقة القيادة الفلسطينية بالدعم الأوروبي في المحافل الدولية، وأهمية أن تعترف بلدان القارة بدولة فلسطين ودعم جهودها لحصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة».
بالمقابل فإن موقف الاتحاد الأوروبي الذي عبر عنه بوريل يقوم على: «الثبات والدعم لحقوق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وفق قرارات الشرعية الدولية» وأيضا على «تمتين وتعزيز العلاقات الثنائية المميزة مع فلسطين ومواصلة دعم الاتحاد الأوروبي لمساعدة البرامج التنموية وبناء المؤسسات في فلسطين، وأهمية مواصلة الحوار من أجل تعزيز سبل التعاون في جميع المجالات».
لكن الواضح هو أن الجانب الفلسطيني يريد موقفا أوروبيا قويا في مواجهة حكومة نتنياهو وهذا ما أبلغه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، إلى ممثل الاتحاد الأوروبي لدى فلسطين سفين كون فون بورغسدورف حيث قال له اشتية: «إن معالم الحكومة الإسرائيلية المقبلة تظهر كثيرا من العدوانية والمزيد من العنف ضد أبناء الشعب الفلسطيني».
من المنتظر أن يتمسك الاتحاد الأوروبي بمواقفه السابقة ومنها ما يتعلق بالقدس وعدم الاعتراف بالضم الإسرائيلي من جانب واحد في الضفة الغربية لكن يبدو أن التعويل الفلسطيني هو على اتخاذ إجراءات رادعة عقابية يتخذها الاتحاد الأوروبي في المجال الاقتصادي والتجاري ضد حكومة نتنياهو وكانت تحدثت عنها قبل سنوات عدة دول أوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا. إلا أن بعض المراقبين يتوقفون عند الحال التي يعيشها الاتحاد الأوروبي وضرورة اتخاذ مواقفه بالإجماع، وهو ما قد لا يكون متوافرا داخله بشأن سياسات نتنياهو وحلفائه رغم ما تشكله من خطورة على الأمن الإقليمي والاستقرار في الشرق الأوسط برمته. لكن براي هؤلاء فإن العلاقة الأوروبية قد تتسم بالتوتر مع حكومة نتنياهو الجديدة سواء بما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو ما يتعلق بمستقبل مفاوضات الملف النووي الإيراني في ظل الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي بين طهران وإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لإعادة إحياء العمل بالاتفاق النووي الذي ترفضه إسرائيل كما كان يرفضه نتنياهو بنفسه وهو الذي عمل على تقويض ذلك الاتفاق مع حليفه ترامب الذي أخرج الإدارة الأمريكية منه، فيما لم تفلح الوساطات حتى الآن في عودة إدارة بايدن إليه، علما أن العلاقة لم تكن على ما يرام بين بايدن ونتنياهو رغم تأكيد الرئيس الأمريكي مرارا إلتزامه بأمن ومصالح إسرائيل .