قضية التراث السينمائي المُهدر والأفلام المصرية التي أصابها العطب والتحلل هي الأهم والأخطر في الفترة الحالية لأسباب كثيرة، يأتي على رأسها حالات البيع والتسريب والتهريب، التي أتت على كل غال ونفيس من الإنتاج السينمائي التاريخي على مدار سنوات طويلة، خسر خلالها الأرشيف السينمائي أندر الأفلام التراثية وأكثرها تميزاً.
في العقود الثلاثة الماضية طُرحت أزمة التراث السينمائي المصري عشرات المرات، وقد وعد كل وزراء الثقافة السابقين ببحث المشكلة والعمل على حلها، ولأن هناك عناصر كانت متورطة في قضية إهدار التراث الثقافي بشكل عام، فغالباً ما كان الملف يُغلق على مجرد التصريحات العنترية والوعد والوعيد، وينتهي الأمر عند هذا الحد، لكن بعد تفاقم الأزمة واكتشاف خطورة تسرب الأفلام المصرية إلى بعض الدول المعادية ومنها إسرائيل على وجه التحديد، بدأت الحسابات تختلف وأساليب المعالجة تأخذ طريقاً جاداً إلى حد كبير، رغم أن هذه الخطوة تأخرت أكثر مما ينبغي.
آخر ما صدر رسمياً بهذا الشأن قرار وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم بإنقاذ 207 أفلام بإدراجها في مشروع التوثيق السينمائي، لتأكيد هويتها المصرية بتاريخ الإنتاج وأسماء المخرجين والأبطال والفنيين وجميع صُناع العمل، وبالقطع ستكون هناك أفلام أخرى في قائمة الانتظار، سيشملها المشروع الوثائقي إن نجحت خُطة الوزيرة، وتم حصر وإحصاء كافة الأفلام التالفة ومعالجتها لتكون صالحة للعرض. وفي هذا المقام نذكر بمجموعة الأفلام المصرية القديمة التي أجريت لها عمليات ترميم من جانب إحدى القنوات العربية، ويتم عرضها واستغلالها بموجب اتفاقيات أبرمت بين الشركات المنتجة وإدارة القناة، نظير مبالغ مالية زهيدة، وفي هذا السياق نطرح سؤالا مهما.. هل يشمل المشروع الوثائقي المنشود تلك الأفلام المستغلة لصالح القناة العربية المعلومة؟ أم أنها باتت الآن خارج أطر الملكية المصرية؟ كما يتعين الاستفسار عن طبيعة التوثيق ومراحل الترميم السريع للأفلام التي أوشكت على التلف، فضلاً عن ظروف وملابسات تأسيس الشركة القابضة للصناعات الثقافية، التي تعتزم وزارة الثقافة المصرية إنشاءها وفقاً لتصريحات الوزيرة ومستشارها الثقافي خالد جلال، الذي شملت تصريحاته الصحافية تنويهاً مهماً يختص بتطوير آلية العمل والأداء بجهاز الرقابة على المصنفات الفنية لضمان حيوية العملية الإبداعية والارتقاء بها شكلاً وموضوعاً.
هل يشمل المشروع الوثائقي المنشود تلك الأفلام المستغلة لصالح القناة العربية المعلومة؟ أم أنها باتت الآن خارج أطر الملكية المصرية؟
إلى هنا تبدو ملامح الخطة التطويرية جادة ومبشرة، بيد أن بعض المعلومات المتصلة بالمشروع مازالت مُفتقدة وغير واضحة، حيث لم تتم الإشارة من قريب أو بعيد لوسائل حماية المنتج الفني المصري من القرصنة، سواء من جانب دول معادية، على حد تعبير المسؤولين، أو دول أخرى صديقة أو محايدة، لا سيما أن عمليات القرصنة قائمة، في ظل عدم تفعيل قانون الملكية الفكرية والتقاعس عن الملاحقة القانونية للدول أو الجهات التي تقوم باستغلال وعرض الأفلام المصرية، بدون موافقة رسمية وحسب البروتوكولات المعمول بها دولياً، سواء على مستوى العروض التجارية أو العروض الخاصة أو العروض المهرجانية أو غيرها من أوجه الاستغلال المختلفة. ويعد التغاضي عن حسم هذه الإشكالية جُل الأزمة في هذا الصدد ونقطة الضعف في أي مشروع يتعلق بعملية حفظ التراث السينمائي، والذاكرة الجمعية للفنون المصرية قاطبة، فجميع وسائل السطو والسرقة تأتي من التهاون والتفريط والاستخفاف، بما يتفنن فيه اللصوص من وسائل متطورة وتقنيات حديثة تسهل القنص والقرصنة.
ولو صح ما تم التصريح به بخصوص وضع ضوابط قانونية لنسخ الأفلام التراثية القديمة وتداولها، سيكون ذلك هو الإجراء الأصح للمحافظة على الثروة السينمائية التي ترتقي فوق عدد الأفلام المقرر توثيقها بما يزيد على أضعافها، خاصة إذا أضيفت الأفلام التي أنتجت لحساب القطاع الخاص إلى أجندة المشروع.
تشمل قائمة الـ207 أفلام المستقر عليها كبداية لمشروع التوثيق، أفلاما مثل «العزيمة» باعتباره أول فيلم واقعي مصري للمخرج الرائد كمال سليم، وفيلم «أرض السلام وبداية ونهاية والسوق السوداء والزوجة الثانية وغروب وشروق والأرض» ومجموعة الأفلام الكوميدية التي حملت اسم إسماعيل يسن وهي عينات نُدرجها كأمثلة فقط، يضاف إليها بعض الأفلام الأخرى ذات القيمة الفنية والتاريخية، الجديرة بالمحافظة والتوثيق.
٭ كاتب من مصر