لم يشهد الطريق بين الثورة والدولة في تونس فاصلاً دموياً على غرار دول الربيع العربي التي مازالت ترزح تحت وطأة الثورات المضادة، بل كان الانتقال سلمياً عبر قنوات ديمقراطية تخللها العديد من التحالفات والتجاذبات السياسية التي كان لصناديق الاقتراع كلمة الفصل فيها في أكثر من استحقاق، ولا شك أن الاستحقاق الأبرز كان انتخاب الباجي قائد السبسي رئيساً للجمهورية!
إن المتابع لتسلسل الأحداث في تونس منذ الإطاحة بنظام زين الدين بن علي، حتى انتخاب رئيس الجمهورية، يدرك أنه أمام شعب واع يمتلك من القيم المدنية والحضارية ما يؤهله لأن يكون جديراً بنظام تعددي ودولة ديمقراطية قائمة على أسس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن البراغماتية التي تتمتع بها الأحزاب السياسية التونسية التي ضربت مثلاً رائعاً في الإيثار والتعفف عن السلطة مقابل استقرار البلاد واستكمال مسارها الديمقراطي.
وهنا لابد أن نستشهد بتجربة حركة النهضة وبموقف زعيمها الشيخ راشد الغنوشي، الذي فضل عدم مشاركة حزبه في سباق الرئاسة، تاركاً لأنصاره حرية الاختيار بين المرشحين، ليس من باب المناورة السياسية كما يظن البعض، بل لأنه كان قارئاً جيداً للمعطيات الداخلية والخارجية التي لم تكن مهيأة لاستيعاب مرشح رئاسي عن حزب النهضة في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي أوضحه الغنوشي في حوار مطول مع صحيفة الخبر الجزائرية، حيث قال: «إن موازين القوى لا تتحدد بالعدد، وإنما بجملة المعطيات الداخلية والخارجية، ومعنى ذلك أننا لو تقدمنا إلى منصب رئاسة الجمهورية سينهار المسار الديمقراطي في تونس بانقلاب، أو إرهاب، أو اغتيالات، أو فوضى عارمة، كما حدث مع الإخوان في مصر، ومع الإسلاميين في الجزائر عام 1992».
أما فيما يخص نتائج الانتخابات الرئاسية وما صاحبها من تخوف يبدو في ظاهره طبيعياً، من عودة النظام القديم وتغول الحزب الواحد.
فلا بد من التذكير أن الباجي قائد السبسي كان أول رئيس وزراء في أول حكومة تونسية تم انتخابها بعد الثورة، ولم تتعال في حينها الأصوات التي تحذر اليوم من عودة النظام السابق الذي ذهب بلا رجعة، وهذا أمر يجعلنا نطيل النظر في البحث وراء النوايا المبيتة التي تقف وراء هذه الحناجر التي ربما لم يرق لها أن ترى تونس آمنة مستقرة في هذا العرس الديمقراطي!
ها هي تونس تخطو خطوة جديدة نحو استكمال بنائها الديمقراطي، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية فصولاً من الصراع والصدام الدموي بين تطلعات الشعوب الديمقراطية، وقوى الثورات المضادة التي نجحت عن جدارة في نزع البعد المدني عن المطالب الشعبية، وتحويلها إلى مؤامرات إقليمية ودولية تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة العربية!
علي أبو مريحيل