تونس السّائرة على درب الديمقراطية: لا غيوم تحجب أفقها السياسي التعدّدي

لطفي العبيدي
حجم الخط
0

أثبتت جميع القوى السياسية والمدنيّة في تونس التفافها حول المصلحة الوطنية وقدرتها على اظهار المسؤولية في لحظة المحن والهزّات الكبرى التي تعوّد الجمهور العربي أن يُتابع صورها المشهدية بشكل مخالف تماما لما حدث في تونس إثر وفاة رئيس الجمهورية، من قبيل حالة الطوارئ وارتباك المشهد العام ونزول الجيش وإعلان حظر التجوال. على النقيض من ذلك استمرّت الحياة طبيعية، وحافظت الدولة بجميع مؤسّساتها على استقرار الأوضاع واستمرارية المسار الانتخابي مع تعديل جزئيّ في تاريخ الاقتراع المتعلّق بالمنافسة الرئاسية. وقد أثبتت بشهادة قادة غربيين أنّها نجحت في بناء مؤسّسات دولة، وفي ترسيخ ثقافة تداول سياسي وانتخابي عمادها الدستور، الأمر الذي يسّر نقل السلطة بوقت قياسي لا يتعدّى الساعات القليلة بعد وفاة الرئيس.

وفي الأثناء طفت على المشهد السياسي تحالفات سياسية جديدة تفتح المجال على أكثر من احتمال، وقد يكون مؤشّرها الأوّل خلط الأوراق وتقليص حظوظ الزعامات السياسية التقليدية، وإن كان هناك من يراها انتخابات من دون أحجام سياسية وحظوظ انتخابية ما قبليّة، خاصّة عندما يسود الاعتقاد بأنّ الرهانات الاقتصادية والاجتماعية ستكون بمثابة الأولويات في ذهن أغلب الناخبين الذين اختبروا المسارات الانتخابية السابقة، تلك التي احتدم فيها الاستقطاب الأيديولوجي وغابت عنها الأفكار والبرامج الواقعية ورؤى تغيير الوضع الاجتماعي والمعيشي. ما يعني تقلّص مساحة الدعاية السياسية التي تحتكم إلى المناكفات الضدّية والصدام الأيديولوجي بين “حداثيين ورجعيين” على نحو الاصطفاف “العلماني الإسلاموي” الذي برز في انتخابات 2011 وازداد تفاقما في انتخابات 2014 إثر الاغتيالات السياسية لزعماء اليسار وحصر ممثّلي “الإسلام السياسي” في زاوية الاتّهام والمسؤولية الأخلاقية.

ويخشى الائتلاف الحكومي اليوم الدور السياسي الذي يُوصف “بالمشبوه” لبعض من ينعتُهم “برموز الفساد وتبييض الأموال” والعائلات المالية المتنفّذة التي اقتحمت المشهد السياسي وتحاول اكتساح الانتخابات مرتكزة على دعامتي المال والإعلام، خاصّة بعد أن وضعتهم استطلاعات الرأي في مراتب متقدّمة في مؤشّر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وبعد أن رفض الرئيس الراحل منطق اقصائهم في تنقيح دستوري قُدّم إليه. وأبرز هؤلاء رجل الأعمال نبيل القروي رئيس حزب حديث النشوء “قلب تونس”، وهو الذي بحث في السنوات الأخيرة على تحصيل رصيد شعبيّ عبر توزيع مساعدات خيريّة للمهمّشين اجتماعيّا مستغلاّ قناته التلفزيونية الخاصّة في الدعاية والتوجيه. وفي الأثناء يحظى الأكاديمي المستقلّ قيس سعيد بثقة نسبة هامّة من الشعب، وقد كسب فيما يبدو تعاطف من رأى فيه نظافة اليد ووضوح الرؤية ونكران الذات خاصّة من فئة الشباب المتعلّم الذي ضاق التهميش والاقصاء وكره المتحزّبين وأدوارهم السياسية النفعيّة. كذلك سيخوض غمار المنافسة وزير الدفاع الحالي عبد الكريم الزبيدي الذي سيحظى بدعم ما تبقّى من حزب نداء تونس، وأيضا رئيس الجمهورية الأسبق المنصف المرزوقي، والصافي سعيد الذي يقدّم نفسه “مثقّفا عروبيّا” ورئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة، إضافة إلى حمة الهمامي والمنجي الرحوي وجهي اليسار اللذين سبّب خلافهما الشخصي حول اختيار مرشّح الجبهة الشعبية انقساما داخل هذا التحالف الانتخابي السياسي الذي تقلّصت حظوظه بعد أن انحصرت معاركه في التمثيليّة القانونية للحزب على شاكلة ما يحدث في حزب نداء تونس.

جميع هؤلاء المترشّحين “الجدّيين” يدخلون السباق الانتخابي راغبين في تغيير مشهد الحكم وإزاحة الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم عبر استثمار أدائهم السيء على نحو تدهور الوضع الاجتماعي، وضعف تسيير الدولة والأزمة الاقتصادية التي يُحمّلون مسؤوليتها أساسا لحزب “حركة النهضة” وحليفها في الحكم يوسف الشاهد الذي يترأس حزب “تحيا تونس”. ويبدو أنّ حركة النهضة قد تخلّت عن دعم الشاهد بعد عناء التشاور في الغرف المغلقة، والمواقف المتضاربة داخل مجلس الشورى انتهت إلى اختيار نائب رئيس مجلس النواب عبد الفتاح مورو، أبرز الوجوه المعتدلة داخل الحركة وأحد مؤسّسيها، مستثمرة خطابه الرصين وانفتاحه السياسي والفكري الذي وفّر له قدرا هامّا من القبول الأدبي لدى فئات سياسية وشعبية واسعة. وفي هذا السياق العام تبدو الملفات الاقتصادية والاجتماعية في قلب أولويات التنازع الانتخابي بالمعنى البراغماتي للأولويات التي تهمّ الطبقات الشعبية.

واجمالا، هناك مستفيدون من هذا المشهد الانتخابي المشتّت الذي سيتجاوز الأربعين اسما يُقدّمون ترشّحهم لمنصب رئاسة الجمهورية، ويحظى كثيرون منهم بدعم دوائر أجنبية ومراكز قرار دولية في لندن وواشنطن وباريس وبرلين وأنقرة، اضافة إلى أقطار خليجية. بما في ذلك حركة النهضة التي قام بعض قيادييها بجولة شملت أكثر من دولة في الاتّحاد الأوروبي في نوع من التّطبيع السياسي، وترك الانطباع الايجابي لديهم حول دور النهضة في تهدئة الأوضاع المشتعلة في ليبيا عبر استثمار علاقاتها مع التيارات الإسلامية المقاتلة في هذا البلد الجار لتونس والمؤثّر جغرافيا عبر نافذة البحر الأبيض المتوسّط وما تعنيه من موجات الهجرة غير الشرعية والتطرّف والإرهاب الذي يرغب القادة الأوروبيين في تجفيف منابعه وبؤر تصديره. وبدون أن نقلّص من أهمية الوعي الانتخابي لدى التونسيين على الرغم من نسبيّته، يمكن القول أنّ المفاجأة بالمعنى الذي يُخالف أفق الانتظار واردة، خاصّة في دورة الانتخابات الرئاسية التي ستؤثّر نتائجها لا محالة في بقية المشوار الانتخابي. وإن كانت بوادر هيمنة الحزب الواحد على السلطتين التنفيذية والتشريعية اتّضحت مع حزب النهضة الذي يقدّم لأوّل مرّة في تاريخه مرشّحا للرئاسة، مع يقيننا الراسخ أنّ الحركة تبحث في الوقت نفسه عن ايجاد التّوافق الذي تحتاجه تونس في الظروف الحالية، وقد يتمّ ذلك مع حزب يوسف الشاهد إذا ما أنصفتهم النتائج. ولكنّ هذا السيناريو يزعج الكثيرين، لأنّ فيه بقاء تركة الحكم كما هي على قاعدة “الاقطاع السياسي” وتكرار الائتلاف الحاكم الحالي الذي لم يقدّم حصيلة إيجابية على مدى خمس سنوات من حكم البلاد تفاقمت فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية واستشرى الفساد. الأمر الذي يعزّز آمال المراقبين للمشهد السياسي بأن تُفرز نتائج الانتخابات تلوينات مختلفة داخل البرلمان، فسيفساء حزبية ومستقلّين، تُغيّر مشهد الحكم الرّاكد وتُثبّت مصداقية المسار الديمقراطي التعدّدي في البلاد.

الرئيس الرّاحل كان له دور كبير في إدارة العملية السياسية في مرحلة الصراع الأيديولوجي والتجاذبات الحزبية والتوتّر الإقليمي، وقد ترك بلدا ملتفّا حول مؤسّساته بوطنية عالية. وستُنظّم فيه انتخابات حرّة وشفّافة، وجميع التونسيين يتساءلون هذه الأيام حول من يصلح لمنصب رئيس الجمهورية الذي يبقى في أذهانهم هرم القيادة رغم محدودية الصلاحيات الدستورية التي منحها النظام السياسي الجديد لهذه المؤسّسة. ونرجو أن يكون الرئيس القادم قادرا على رسم اختيارات واضحة، ولديه من الأفق السياسي ما يؤهّله الحفاظ على الديمقراطية الناشئة وحماية “الاستثناء التونسي” ضمن ربيع عربي تحوّل إلى شتاء في باقي المحيط الإقليمي. ويكفي أن يحدث اجتهاد جماعي يدفع نحو الوَحدة الوطنية التي لا تمنع التعدّد والاختلاف، ويواصل بناء المؤسّسات الدستورية الوطنية وترسيخ ثقافة المواطنة، وتحسين مردودية الاقتصاد ليشمل مناطق واسعة من البلاد طالها التهميش والاقصاء وانتظرت تحسين أوضاعها بعد الثورة التي شاركت فيها بقوّة وأمِلت خيرا منها. وبالإمكان تفعيل الديبلوماسية الاقتصادية لأنّ التطوّر السياسي والديمقراطي يبقى منقوصا إذا لم يواكبه نموّ اقتصادي من شأنه إزالة حالة الاحباط العامّة لدى جمهور التّونسيين الذين ينتظرون انتقالا اقتصاديا ووضعا اجتماعيا أفضل.

تونس ستختار في النهاية الكفاح الديمقراطي والعدالة الاجتماعية بديلا للإقطاع السياسي واحتكار الثروة والنفوذ تحت عناوين الاستقطاب المناطقي والأيديولوجيات المُغلقة وصراع الأحزاب واللوبيات والتدخّل الخارجي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية