تونس: خرافات الصراع السياسي… االوفاقب وبناء الدولة االحديثةب

لا يمكن أن يخرج المشهد السياسي-الإجتماعي القائم في تونس اليوم عن الأسباب التاريخية التي أنتجته. إذ لا يمكن إنكار وجود استقطاب ثنائي بين كل ماهو اإسلامويب من جهة وكل ماهو اعلمانويب أو احداثويب من جهة ثانية، وهذا الاستقطاب هو نتاج طبيعي وتاريخي للمجتمع التونسي. فالقوى السياسية الفاعلة في المجتمع التونسي منقسمة إلى صنفين رئيسيين.
فهناك كتلة اإسلامويّةب تمثل أصحاب الميولات الدينيّة الذين بقوا في حالة جمود إنساني بحيث ما زالوا يصرون على مواجهة هذا العالم المتشعب والمتوحش عبر الهوس بالغيبيات والتشبث الدوغمائي بعقائد لا مكان لها في هذا الزمان والمكان (التدرج، التمكين، الفرقة الناجية، الولاء والبراء، الجماعة، التمكين، التكفير، أرض الدعوة، أرض الجهاد، دار الحرب، دار السلام…).
وكتلة ثانية خضعت لشحنة أو جرعات من االتحديثب الذي لم يكن نتاج ديناميكية اجتماعية وسياسية وثقافية نابعة من العمق الاجتماعي التونسي، بل نتاج شحنة مستوردة من الواقع الفرنسي بتجاذباته وأسبابه التاريخيّة الّتي أتت مع فترة الانفتاح على الغرب ثم الاستعمار الفرنسي المباشر لتونس بين سنوات 1881 و 1956 وصولا إلى فترة التحديث البورقيبي.
ومن جهة أخرى وقع إنتاج كتلة اجتماعية ثالثة تتميز إما باليأس وإما باللامبالاة والمهادنة والرغبة في الحفاظ على ماهو قائم، وهذا يعود لأسباب ثقافية مرتبطة بالتصحر الثقافي والفكري الذي عاشته تونس، حيث كان المشهد السياسي ـ الثقافي يدور في فلك خدمة النظام والبرجوازيات الحليفة له، وكذلك لأسباب تعود لارتباط كل ماهو حزبي وسياسي في المخيال الشعبي التونسي بالفساد والانتهازية والوشاية والمصالحية. وهذا نتاج نظام الحزب الواحد الذي يقوم على الرأي الواحد وتقديس الزعيم … أما الكتلة الإجتماعية- السياسية التقدمية والفاعلة فهي أقلية ووزنها محدود… في تونس كان اللعب على ورقة ثنائية االحداثويةب وبالإسلامويةب للسيطرة على المجتمع وللحفاظ على مصالح الفئات الحاكمة التي ربطت مصالحها مع البرجوازيات الكمبرادورية والاحتكارية، حيث احتضن التيار الدستوري البورقيبي نظيره الإخواني في تونس ليكون عامل تعديل للمشهد الاجتماعي من أجل ترويض الشعب وقمعه اعتمادا على وسائل مادية (قمع بوليسي، تعذيب، تضييق …) وكذلك وسائل معنوية مُستمدة من (الوجدان الديني)، لما للدين من تأثير عميق في المجتمع التونسي، باعتبار أن القمع المادي لم يكن كافيا في ترويض الشعب تلك الفترة، فكان التيار الإخواني في تونس مكملا للمنظومة الاستبدادية عبر تبريرها باسم الدين والفتاوى، كما كان التيار الإخواني ضد تحركات الجماهير الشعبية وانتفاضاتها الاجتماعية، وكان كذلك أداة لضرب التيارات اليسارية والقومية التي تدعو إلى التغيير. وبعد انهيار نظام بن علي، صعد نظام الإخوان الذي يستمد شرعيته من الدين، وهذا النظام الصاعد نشأ من رحم النظام الاستبدادي السابق. وإن اختلفت الأشكال والخطابات فإن ما كان يؤلّف بين التيارات الدينية والأنظمة الاستبدادية السابقة هو القمع والتفقير ونشر الاستبداد. وبالتالي كان النظام الجديد الذي يستمد شرعيته من الدين ناضجا وجاهزا ليكون عجلة النجدة للأنظمة الاستبدادية السابقة… وما زال اللعب على هذه التناقضات (إسلاموية / حداثوية) قائما إلى اليوم، وهذا المشهد يساهم في غم الأهداف الحقيقية للثورة، وجرّ البلاد والمجتمع نحو مستنقعات التخلف والرجعية والفساد.
بعد انتخابات 23 تشرين الاول/أكتوبر 2011 دخلت البلاد في الاستقطابات اليمينية. فالتجاذبات أضحت تدور بين قطبين سياسيين- اجتماعيين رئيسيين، أحدهما يحمل طابعا إسلامويا والآخر يحمل طابعا علمانويا أو حداثويا. وتعود جذور هذا الاستقطاب الثنائي، إلى الأزمة التي تلت انهيار الخلافة العثمانية الصورية التي كانت غطاء وهميا بما تمثله من رمز لاستمرارية تاريخية تعود لبدء الإسلام، وهذا الانهيار ترك فراغا أدى بدوره إلى تجاذبات اجتماعية- سياسية مازالت مطروحة في تونس إلى اليوم، في ما يخص تجديد الأسس النظرية للسياسة المدنية ومفهوم الدولة والسلطة. فبعد الحرب العالمية الأولى وبعد انهيار الخلافة العثمانية، تبلورت الحركة الوطنية التونسية بتأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي، على يد الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1920، وبذلك تطورت الحركة الوطنية كظاهرة سياسية من نوع جديد، تقف على مسافة واحدة من النظم السياسية الدينية التقليدية، ومن النظم الحزبية الحديثة. وهذا التوافق والتناغم فرضته متطلبات المرحلة باعتبار ضرورة التحالف من أجل بناء المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. وبعد الاستقلال سنة 1956 ظهر التناقض الذي كان في الحقيقة مؤجلا، بين مشروعين متناقضين، يقوم الأول على بناء دولة حديثة تقوم على ولاء وطني عميق في إطار أخلاقية دستورية وقانونية، ويقوم الثاني على بناء دولة اإسلاميةب تقليدية تقوم على الحاكمية والولاء لأمة افتراضية عابرة للحدود. وبقي هذا التناقض قائما بعد الاستقلال، وإن كانت الغلبة لمشروع الدولة الوطنية التي أسسها الحبيب بورقيبة بعد أن قمع اليوسفيين ثم التيار الإخواني.
بعد هروب بن علي، كان من الطبيعي أن تطفو الرجعيات الاجتماعية على السطح، وهذه الرجعية لن تكون خارج إطار الموروث. فكان الإلتجاء إلى الحطام الروحي للدولة الوطنية برمزيتها البورقيبية بالنسبة للكتلة الحداثوية، والحطام الروحي للخلافة العثمانية التي تبلورت انطلاقا من الإيديولوجية الإخوانية المتماهية مع الأردوغانية بالنسبة للكتلة الإسلاموية.
بالإضافة إلى التجاذبات السياسية الأخرى، كانت امعركة الدستورب فاعلة على مسرح الأحداث. وفي الأيام الأخيرة وإثر الإنتهاء من صياغة الدستور الذي أرضى جميع الأطراف تقريبا، ظهرت بوادر االوفاقب (يمين إسلاموي ذ يمين حداثوي). وهذا ما سيساهم خلال الفترة القادمة في نوع من الهدئة، وستنطفئ الشحنات الروحية لهذه الرجعيات التي طفت على السطح، وستتركز الصراعات في التوافقات حول إقتسام السلطة وترضية الأطراف االإيديولوجيةب الأوسع إجتماعيا.
في الأيام الأخيرة انتشرت عديد الخرافات حول دور الدستور في إرساء الديمقراطية والتقدم والعدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد. لكن تجارب الشعوب السابقة أثبتت أن الدستور االديمقراطيب لا يعتبر ضامنا لتقدم الأمة وتحررها.
رغم االحداثةب الصورية السائدة في تونس، إلا أن نمط المجتمع التونسي يبقى مشتقا من العشائرية والطرائقية التي تفضي إلى ثقافة الإسقاط على الأشخاص والتعامل بمنطق االفضيلة الدينيةب وبالنزاهةبوالميولات الإيديولوجية و انظافةب أيادي الحكام والإداريين، لا على استبطان قداسة وعلوية القانون والمؤسسات والقضاء مقابل ترك االفضيلةب والنوايا الحسنة للمجتمع والأشخاص والعائلة والتربية والمؤسسة الدينية والتعليم والفنون والأدب، وغير ذلك. فتوريد وسائل العيش العصرية من الغرب لا يعني االحداثةب ة. وما دام هذا التعامل سائدا فلا سبيل إلى إرساء دولة التقدم والمواطنة والعدالة والشفافية والاستقامة. فالمنظومات الإدارية العصرية التي تقوم على أسس علمية منضبطة هي التي تجعل الاستقامة والنزاهة هي الأساس، والفساد هو الاستثناء والشذوذ، لا العكس مثلما نراه اليوم في تونس. فالمنظومات الإدارية والسياسية المنضبطة والشفافة هي التي تجبر الحاكم والإداري أو رجل الدولة على أن يكون مستقيما، لا العكس. وما تشهده تونس اليوم من تجاذبات سياسية تبين لنا دور النمط الإجتماعي الطرائقي والعشائري في تحديد الفواعل الأساسية في المشهد السياسي ومن ثم الإجتماعي والإقتصادي والتنموي. وهذا ما جعل المشهد السياسي يميل رويدا رويدا نحو منطق إقتسام غنيمة السلطة واللعب على الوعي الإجتماعي السائد الذي يدافع عن فاعليته بقوة لينتج نظاما متناسقا ومتماشيا معه . والأخطر من ذلك، بروز بوادر اللوفاقب والتحالف (يمين إسلاموي ذ يمين حداثوي) من خلال تصريحات بعض السياسيين.
فالغرب والولايات المتحدة وأصحاب المصالح في تونس، أظهروا حرصا مشبوها على تشجيع تجربة الوفاق االإسلاموي ذ العلمانوي’، هذه التجربة التي لن تكون سوى ذريعة لإحلال ااستقرارب مغلوط يهدف إلى المحافظة على مصالح الفاعلين في الداخل والخارج على حساب مصالح التونسيين، وضمان استمرارية نفس السياسات الاجتماعية – الاقتصادية، في لعبة تقوم إلى إرضاء الأطراف الإيديولوجية الأوسع اجتماعيا، وذلك عبر إشراك ممثليها السياسيين في الحكم من أجل غمّ المضامين الوطنية – الاجتماعية ذ الاقتصادية التي انتفض من أجلها التونسيون، وجعل العملية السياسية فارغة من مضامينها الاجتماعية والوطنية. . ففي تشرين الاول/نوفمبر 2012 الماضي كرّم المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (تشاتهام هاوس) كلا من رئيس الدولة منصف المرزوقي وراشد الغنوشي زعيم النهضة، تقديرا لجهودهما في قيادة تجربة التحالف والتآلف بين االإسلاميينب وبالعلمانيين’..
وتماشيا مع ما يسمى ‘فتح آفاق’ سنحاول تقديم ‘مقترح’ قد يكون ميئوسا من فاعليته في ما يخص أهمية الرجوع إلى الأسباب التاريخية لما يسمى ‘مسار التحديث’ في تونس، ومن ثم ضرورة نقد وتفكيك هذا التحديث كمسار تاريخي وليس كفكر، سواء في فترة بورقيبة أم بن علي… وإن كان الدستور التونسي ‘الجديد’ سيحتوي على المبادئ والآليات العصرية اللازمة لإرساء دولة المواطنة والتقدم، فإن هذا لا يبدو كافيا، لأنه سوسيولوجيا من الوهم الاعتقاد في أن الدساتير تتحكم في مصائر الشعوب وتطورها… وهذا يفتح لنا بابا آخر للبحث. فهل التفعيل الهيكلي لهذه المبادئ والآليات الدستورية سيكون ناجعا دون قاعدة سوسيولوجية ثقافية ذهنية ملائمة ؟ وهل يجب إعداد قاعدة اجتماعية ثقافية ذهنية قبل هذا التفعيل أم يكون التفعيل موازيا لذلك ؟

‘ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية