تونس: تطوي سنة 2019 أيامها الأخيرة، في ظل ضبابية تسود المشهد السياسي بتونس، حيث مطالب عالقة تنتظر من يحققها وملفات تزداد تعقيدا يوما بعد آخر.
لم يعرب محللان عن تفاؤلهما بتغير الوضع في تونس، متوقعين أنها تعبر إلى سنة جديدة أكثر ما يُطلب فيها هو تحقيق “الاستقرار السياسي”، وامتصاص الاحتقان والتوتر الاجتماعي.
المحللان اعتبرا أن أهم حدث شهدته 2019 هو الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي تعد بالنسبة إليهما مكسبا جديدا تحقق لتونس، لكنها لا تكفي لتحقيق مطالب الشعب المعلقة منذ أن أطاحت ثورة شعبية في 2011 بالرئيس آنذاك، زين العابدين بن علي (1987- 2011).
سنة كبيسة
اعتبر طارق الكحلاوي، محلل سياسي، المدير السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، أن “كل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تدل على أن السنة المقبلة ستكون صعبة”.
وأضاف أنها “سنة كبيسة، ليس علميا فقط، وإنما ستكون كبيسة بالمعنى الاقتصادي المالي”.
وتابع: “ما قد يكون على سلم الأولويات في 2020 هو عدم تدهور الوضع، وضبط التوازنات المالية، واستقرار الحكومة، وربما فتح ملف الفساد بجدية في حال كان (حزب) التيار (الديمقراطي) جزءا منها (الحكومة)”.
رأى عبد المجيد العبدلي، أستاذ القانون والعلاقات الدولية، أنه “في 2019 كانت تونس تغرق، ولم نرَ مخرجا لإشكالات عديدة، وكل سنة تمر تكون أفضل من التي ستليها”.
وأردف: “صحيح أن 2019 شهدت إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهذا مكسب مهم، لكنها لن تزيل الفقر والتهميش الذي يميز الوضع”.
وزاد بقوله: “من أهم المشاكل التّي تعترضنا هي المديونية، فسنبقى، ليس فقط في 2020 بل لسنوات، نستخلص ديوننا، نتيجة السياسيات المتواترة الفاشلة لحكومات عديدة”.
وتابع العبدلي: “من الضروري أن تدخل تونس في 2020 مرحلة الاستقرار، وأن يُحاسب الحزب الذي فاز بالانتخابات على برنامجه الانتخابي، رغم أنه لم يكن سوى كلام”، وفق تعبيره.
واستطرد: “توجد مؤشرات سلبية عديدة اليوم، بينها ارتفاع معدلات البطالة وتواصل ظاهرة التهميش في مناطق عديدة، واستمرار تراجع القدرة الشرائية”.
ومنذ 2011، يعاني اقتصاد تونس أزمة خانقة تتزايد يوما بعد آخر، إذ لم تتجاوز نسبة النمو 1.1% خلال التسعة أشهر الأولى من 2019.
وبحسب إحصاءات رسمية، سجلت نسبة البطالة، خلال الربع الثالث من 2019، انخفاضا طفيفا لتقدّر بـ15.1 في المئة مقارنة بـ15.3 في المئة، خلال الربع الثاني من السنة نفسها.
وبلغ عدد العاطلين عن العمل 628.3 ألفا من مجموع السكان النشيطين، مقابل 634.9 ألف عاطل عن العمل خلال الربع الثاني من 2019.
وتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض معدلات التضخم بتونس من 6.6% خلال 2019 إلى 5.4% في 2020، ثم إلى حدود 4% في 2024.
وتوقع قانون المالية لسنة 2020 أن يتجاوز حجم الدين العمومي 94 مليار دينار (33.21 مليار دولار) في 2020، أي 74 في المئة من الناتج المحلي، مقابل 75 في المئة سنة 2019 (86.2 مليار دينار أي 30.45 مليار دولار)، حسب مشروع ميزانية 2020.
واقع ليس بالهين
قال العبدلي: “ما نعيشه اليوم هو نتيجة ما حصل في الماضي، فنحن نعاني من رواسب سياسات الاستبداد التي عرفتها تونس في السابق”.
وأردف: “التوقعات تُبنى على الحاضر والماضي معا، ولكنهما مظلمان أمام الشعب التونسي، وبالتالِي ليس هناك أفق واضح”.
وتابع: “واقعنا اليوم ليس هيناً، فكل شيء معطل، ومنها الإدارة (مؤسسات الدولة)؛ نتيجة الروتين والبيروقراطية”.
واستطرد: “لا نتوقع تغييرا كبيرا طالما الإنسان في هذا البلد لم ينل حقوقه، وطالما مازلنا لم نؤسس للإنسان، فلا يمكن أن نطلب الإصلاح”.
مشهد مشتت
متحدثا عن الانتخابات الأخيرة، قال الكحلاوي إن “الأوساط السياسية السائدة لم تتوقع وصول شخصية كقيس سعيد إلى كرسي (الرئاسة في) قرطاج، إلا أن استطلاعات الرأي تنبأت بتقدم شخصيات غير متوقعة في الانتخابات الرئاسية”.
وأضاف: “المواطنون يعلقون آمالا كبيرة على من جاؤوا للسلطة حديثا، على غرار سعيد وغيره من السياسيين، لكن الصلاحيات القليلة التي يتمتع بها قد تعرقل ذلك، وقد تحدث اهتراءً فيما بعد في الثقة التي مُنحت لهم”.
وتابع: “من جهة أخرى نجد مشهدا مشتتا في البرلمان. وهو ما طرح إشكالا على مستوى تشكيل الحكومة، وما قد يطرح مشاكل أخرى بعد تشكيلها، وهو ما سيجعلها تحمل معها جروح مسار تشكيلها”.
وبينما كان التونسيون يترقبون إعلان تشكيلة الحكومة المقبلة في أية لحظة، أعلنت أحزاب “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” و”تحيا تونس”، الأحد، فشل مشاوراتها مع حزب “النهضة”، متصدر نتائج الانتخابات الأخيرة، للمشاركة بالحكومة، وذلك بعد أكثر من شهر وأسبوع على تكليف الحبيب الجملي بتأليفها.
وزاد الكحلاوي بأن “الوضع السياسي مصحوب بوضع مالي صعب مع تواصل عجز الميزانية، والتهديد الضمني لصندوق النقد الدولي بعدم صرف القسط القادم من قرضه لتونس، ومطالبته بإصلاحات منها تقليص الانتدابات (التعيينات) وإصلاح المؤسسات العمومية”.
ورأى أن “النهضة ستعمل على المحافظة على الحكومة لعام أو عامين، وتتجنب ما وقع في السنوات الماضية للمحافظة على الاستقرار، وسيتم ذلك، إلا إذا حصلت تدخلات خارجية”.
واعتبر العبدلي أن “الانتخابات الأخيرة أفرزت مشهدا سيعطل دواليب الدولة”.
وأضاف أن سعيد “رئيس أتى من عامة الشعب، الذي أصبح قادرا على ممارسة الديمقراطية”.
وعن الرأي القائل بأن الرئيس الحالي “ثوري” وأن الحكومة المقبلة ستكون “ثورية” أيضا، رأى الكحلاوي أنه “يجب تخفيض التوقعات والتوصيفات، فاعتبار أن الحكومة الجديدة ثورية غير مناسب للسياق الحالي، فاليوم ستُطرح أمامها إصلاحات وإذا توفرت في الفريق الحكومي أطراف جدية معروفة بتوجهها الإصلاحي الجدي، فسيتم ذلك”.
وتابع أن “ذلك (الإصلاح) قد يحصل إذا تضمنت تشكيلة الحكومة وزراء يدفعون نحو الإصلاح ومحاربة الفساد، أما إذا كانت تضم فقط وزراء من النهضة و(حزب) قلب تونس، فمن الصعب أن يكون هناك توجه للإصلاح”.
وضع إقليمي متأزم
اعتبر الكحلاوي أن “الوضع الإقليمي عموما ووضع ليبيا خاصة غير واضح المعالم، مع وجود تصعيد أكبر ووجود متزايد للقوى الدولية على حافة حدودنا، علاوة على الصراع المتواصل بين أطراف إقليمية، ما قد يتيح الفرصة للإرهاب للاستقواء والعودة، وبالتالي سيكون لكل ذلك تداعيات على الوضع الأمني بتونس”.
وختم بأن “الوضع في الجزائر أيضا سيكون له تأثير على خلق صعوبات للتنسيق مع تونس حول حلحلة الوضع بليبيا، فأمام الرئيس الجزائري الجديد (عبد المجيد تبون) مهمة استيعاب الحراك الاجتماعي في بلاده”.
(الأناضول)