لم تفلح تونس تماما منذ استقلالها إلى اليوم أي بعد أكثر من عشر سنوات على «الثورة» في بناء كلّ مؤسّساتها مثل «المحكمة الدستوريّة» التي عطّلتها حسابات سياسيّة وفاقيّة توافقيّة بين حزبي «نداء تونس» و«النهضة»، وتحديدا بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي والسيّد راشد الغنّوشي؛ برعاية فرنسيّة (لقاؤهما في فرنسا عام 2013). وهذا التعطيل هو الذي استثمره الرئيس قيس سعيّد، وقد رفض استكمال بناء هذه المؤسّسة التي نفتقدها اليوم في إصلاح ذات البين بين المتخاصمين، أو فضّ النزاع بينهم، وترميم ما يمكن ترميمه. وأمّا المؤسّسات الأخرى، فلم تتحرّر تماما من الاستبداد والفساد، ومن هذا العقل السياسي المتوحّش الذي يقوم على المزاج الفردي، وادّعاء امتلاك «الحقيقة» عند هذا الطرف أو ذاك؛ و«الحقّ» في أن يستأثر بالإشراف على كلّ ما هو سياسيّ، واستثماره أو توظيفه؛ متعلّلا بأنّ صنيعه من ذرائع الدولة، ومن وسائل السياسة؛ أو هو «استحقاق انتخابي». وهو ما يفضي عادة إلى مواقف مصطنعة، لا سند لها من منطق الحوادث، مثلما يفضي أيضا بقليل أو كثير من أنصار الطرفين، إلى المصانعة والمداهنة، بل «التخوين»، والتمهيد لما هو أخطر أي «سياسة التخويف»، في بلد مثل تونس صار فيه أكثر المواطنين مثل النبات العارش طويل الساق المتسلّق، الذي يحتاج دائما إلى ما يرتكز عليه، في زمن تكاد تختفي فيه الدولة الراعية؛ لولا بعض الفتات (دعم موادّ لا تكاد تغني أو تسمن).
وينسى الجميع أو يتناسون أنّ السياسة المدنيّة «عبارة عن إصلاح معاملة عامّة الناس فيما بينهم، ونظمهم في أمور معاشهم»، بعبارة التهانوي في «مصطلح العلوم»؛ ولكنّهم يصدرون، أأظهروا ذلك أم أضمروه، إلى أن إصلاح المواطنين إنّما هو الإصلاح المبنيّ «على الشوكة الظاهرة والسلطنة القاهرة». وهم بذلك يعيدوننا إلى ما أثبته ابن خلدون من اقتران المُلْك أي الدولة «بالتغلّب والقهر»، وأنّ «المُلْك على الحقيقة لمن يستعبد الرعيّة… ولا تكون فوق يده يد قاهرة». أي الحكم بالخوف وتحديدا بالتخويف الذي يرجعه الغربيّون عامّة إلى هوبز؛ ويعدّونه الأساس الطبيعي للقانون. والدولة نفسها تعيش في خوف من السقوط المدوّي. وهو خوف قائم، إذ في دخيلة الإنسان يكمن الشرّ أو «النفس الأمّارة بالسوء»؛ وكأنّ الإنسان قاتل أو مقتول؛ أو الوحشيّة حتى في الأنظمة العريقة في الديمقراطيّة والحضارة. وهو ما يطرح إشكالا فلسفيّا عميقا كلّما تعلّق الأمر بـ«الشرّ» الذي رمزه إبليس في المخيال الجمعي، أو «لوياثان» وحش الأساطير الفينيقيّة؛ رمز العماء أو السديم أو الفوضى البدائية، وهو الثعبان البحري القادر على تدمير كل شيء. وقد بيّن بول ريكور أنّ الشرّ أبعد من أن يكون قضيّة تأمّل أو مشكلا أخلاقيّا، وأنّ مقاربته تكون في ضوء ما ينتج من مفارقات، خاصّة أنّه فعل أو حدث، أو هو وُلد بولادة الجنس البشري. ويرى جون نابير أنّ الشرّ إنّما يُلتقط في «طزاجته» أو «حُدْثانه»، بخبرة باطنيّة لا تتسنّى للفهم العقلي. ولعلّ هذا ما يجعل من هوبز المفكّر المفضّل عند جميع مؤيدي سياسة الخوف والتخويف؛ حتّى عدّ ذلك أساس العقد، ومرجع أيّ ميثاق جمهوري وتوافق ديمقراطي. والخوف ليس فزعا فحسب، وإنّما هو أيضا «صناعة»، بل هو مفردة من مفردات العولمة التي تزحمنا في كلّ مسالك العيش دونما بشير أو نذير. فلا غرابة إذن أن تخشى المعارضة رئيس الدولة، وأن تغلق النهضة مقرّاتها، وأن تتستّر وهي حزب مرخّص له؛ وراء أحزاب وأطراف أخرى تعلن عن نفسها، في المظاهرات المطالبه بإسقاط إجراءات25 جويلية؛ وأن تعلن انّ الحكومة الجديدة هي حكومة «الأمر الواقع»؛ مثلما لا غرابة أن يخشى الرئيس معارضيه.
على أنّ لهذا الخوف مظاهر أخرى قد تكون إيجابيّة. من ذلك ما يتطارحه بعض سياسييّ تونس ومثقّفيها من مشاغل وأسئلة؛ بعد حدث 25 تموز (يوليو)؛ في مجتمع تكاد عامّة الناس فيه تكفر بالديمقراطيّة. والأسئلة تتعلّق بالديمقراطيّة نفسها، وكأنّنا نريد أن نتوثّق من حالة طائرة قبل إقلاعها:هل تعيش الديمقراطيّة التمثيليّة أزمة؟ وهل تحتاج إلى إصلاحات هيكليّة أم أن الحلّ في الديمقراطية المباشرة، أو أنّ المستقبل لها؟ على نحو ما يتساءل صديقنا الأستاذ التونسي شريف الفرجاني. وهو يعيدنا إلى مقولة تشرشل التي صارت مثلا يضرب، عن حقّ أو باطل؛ إذ هي تنتزع من سياقها؛ فـ»الديمقراطيّة هي أسوأ نظام باستثناء كل النظم الأخرى التي جرّبت على ممرّ الأيّام».
وسياقها غير السياق التونسي، فقد أفضى تشرشل بهذه المقولة، بعد هزيمته في انتخابات تموز (يوليو) 1945على يد حزب العمّال؛ وليس قبل ذلك عندما كان القائد القويّ للديمقراطيّة البريطانيّة التي انتصرت في الحرب العالميّة الثانية على أعتى الديكتاتوريّات. كان زعيما للمعارضة لا غير في مجلس العموم، وكان يعرّض بالحكومة التي بدأت تفقد شعبيّتها؛ وهي تسعى إلى تقليص حقوق البرلمان؛ بواسطة الحدّ من حق النقض في مجلس اللوردات. وكان ممّا قاله أنّ الديمقراطية ليست مكانًا يحصل فيه المرء على تفويض محدّد على أساس الوعود التي قطعها، ثم يفعل فيه بعد ذلك، ما يعنّ له. فثمّة في تقديره علاقة راسخة بين الحكام والشعب. «حكومة الشعب، من الشعب، من أجل الشعب». وهذا هذا هو التعريف السيادي للديمقراطية التي لا تعني: «لدينا أغلبيّتنا، مهما تكنْ، ونملك عقد إيجار لمدّة خمس سنوات؛ [ونحن أحرار في ماذا سنفعل بها]؟». فهذه ليست ديمقراطيّة، إنّها مجرّد لعبة من ألاعيب حزبية صغيرة لا تنطلي على جماهير هذا البلد. وليس البرلمان هو الذي يجب أن يحكم. بل يجب أن يحكم الشعب من خلال البرلمان.
وهذا سياق غير سياقنا نحن التونسيّين، والمقارنات لا تصلح في كلّ الأحوال؛ وقد تكون مدخلا إلى المغالطات. فالبرلمان هو الذي فقد شعبيّته في تونس وإن لم يفقد «تمثيليّته» إذ هو لم يُحلّ، وليس رئيس الجمهوريّة؛ مهما يكن الموقف من الإجراءات التي اتّخذها. هذه «الديمقراطيّة المباشرة» التي تخشاها المعارضة الحزبيّة، أو «التشاركيّة» القائمة أساسا على استفتاء الشعب، والجواب بـ«نعم» أو «لا» كان قد وضعها ماكس فيبر. وهي التي ألهمت خاصّة بدايات الجمهوريّة الخامسة مع الجنرال ديغول. وبموجبها تتجسّد الديمقراطية في زعيم قويّ محبوب؛ بإمكانه أن يضمن في ضوء رؤيته، انسجام سير دواليب الدولة، وكلّ ما يتعلّق بالشأن العامّ. لكن شريطة أن يشرك الناخبين بانتظام في الحكم، ويستفتيهم في شتّى المشاريع والقوانين التي يقترحها، والتصويت لصالحها أو ضدّها. وقد يكون هذا مشروع قيس سعيّد كما يفصح عنه أحد أصدقائه المقرّبين رضا المكّي المعروف بـ«رضا لينين».
ثمّة أزمة إذن في «الديمقراطية التمثيلية» عندنا يتحمّلها حكّام تونس بعد الثورة الذين كان همّهم الأكبر الحكم والفوز بالغنيمة. وأظهرُ أسبابها ترجع في تقدير الأستاذ إلى استفحال ظاهرة الفساد التي هي محصول ضعف الدولة، أو غياب آليات الرقابة والمحاسبة المباشرة على الحكّام المنتخبين، والمفروض أنهم يجسّدون «حكم الشعب من الشعب ومن أجل الشعب». والمقصود بالمحاسبة المباشرة هو القيام بما تقتضيه من إجراءات وتتبّعات في الإبّان، وعدم انتظار نهاية المدّة النيابيّة لإقالة أو محاسبة كلّ من أساء التصرف فيما أسند له من مهامّ عند انتخابه. وهو يقترح في هذا الصدد اعتماد مبدأ التفويض الذي يقتضي الإقالة الفوريّة لكلّ من لم يلتزم بما تعهّد القيام به عند ترشّحه. كما يقتضي ذلك تقييد الحصانة حتى لا تتحوّل إلى وسيلة للإفلات من المحاسبة ومن العقاب، وتبقى شرطا ليقوم النائب بواجباته بكل حرّية وليس لمخالفة القوانين أو لعدم القيام بما تم انتخابه من أجله.
يقول صديقنا الفرجاني إنّ مقولة تشرشل تنطبق، لحسن الحظ أو لسوئه، على الديمقراطيّة التمثيليّة التي هي في أزمة باتت تتهدّد الديمقراطية بصورة عامّة؛ أيّا كان شكلها سواء كانت «مباشرة» أو»تشاركيّة»، برلمانيّة أو رئاسيّة أو هجينة، في البلدان التي لها مؤسّسات ديمقراطيّة عريقة تعود نشأتها إلى عقود أو قرون، أو في البلدان التي مازالت في بداية عهدها بالديمقراطية كما هو الشأن عندنا. وهو يوضّح أكثر، فمردّ الأزمة ليس إلى طبيعة «الديمقراطيّة التمثيليّة» كما يزعم الشعبويون الذين يخلطون، جهلا أو مغالطة أو عن سوء طويّة، بين «الديمقراطية المباشرة» التي لا يمكن أن تتحقّق إلا في إطار جماعات محدودة العدد تتعايش في مواطن غير متباعدة وديمقراطيات «الولاء والتأييد» على النحو الذي مارسته الفاشية والنازية والديكتاتوريات المدّعية أو المنتحلة للديمقراطيّة. هل الخوف إذن من «الديمقراطيّة التمثيليّة» التي جرّبها التونسيّون منذ الثورة، أم من ّالديمقراطيّة التشاركيّة» التي «يتطلّع» الرئيس إلى إرسائها؟ أم منهما معا؟
*كاتب من تونس