ان تقف مع الجموع لساعات تحتج على شأن معين أو سياسة معينة أو وجه سياسي بذاته، وعندما تعود إلى بيتك في المساء، وتشاهد أخبار الثامنة، فتجد صدى لما خرجت لأجله في الصباح، نتيجة فورية وقرارات عاجلة ونافذة ترضي غرور مواطنتك التي ضحى لأجلها أجدادك بدمائهم. لا تبتسم كثيرا أيها العربي المسكين، فالأمر لا يحدث في بلادك الحزينة، إنه نعيم الكرامة الذي يعيشه المواطن الغربي السعيد في الدول الديمقراطية. في تونس وبعد ما يسمى بثورة الرابع عشر من يناير 2011، خرج الشعب التونسي في هبة واحدة، بعد أن واجه الأمن المسيرات السلمية بالقتل. خرج المواطن التونسي البسيط في كامل البلاد بعفوية ثأرا لدماء سفكت ظلما من قبل نظام مستبد، فهرب المخلوع، فقالوا إنه حدثت في تونس ثورة. عامان مرا والشارع التونسي في مظاهرات يومية، ولا شيء تغير، عامان مضيا وصارت الأعياد الوطنية كعيد الشهداء والاستقلال وغيرها. محاولات لإسقاط النظام كما تمني نفسها الأطراف المعارضة، بعد أن عجزت الأطراف التي انتخبت لتسيير البلاد في هذه المرحلة الانتقالية المؤقتة، وفشلت في تحقيق أهداف الثورة على حد تعبيرهم. دعاية إعلامية قبل هذه المسيرات، والمتابع لهول الحشد والتجييش، خاصة الفيسبوكي منه، يظن أن الأرض ستهتز في هذه الايام المباركة، وأن النظام الذي يتحدثون عنه ولا نعرف ماهيته إلى حد اللحظة ومن يحمي حصونه المنيعة من السقوط إلى الان، لكنك تكتشف في يوم المسيرة ألا شيء تغير. وتعود للبيت لا فرحا ولا حتى مسرورا، ولا تحصل حتى على خفي حنين. إحساس رهيب يتملك التونسي من البلادة والسلبية وهو يلم خيبات أمله نهاية المظاهرة أو المسيرة أو حتى الوقفة الاحتجاجية، وإحساس البلادة هذا لم يكن نتيجة طبيعية، فهو تطور لتراكمات قمعية لوأد روح الثورة في قلب المواطن البسيط التي دفعته فطرته للاحتجاج. فكان القمع الأمني المتواصل والعنيف، الذي جعله يتراجع عن الحراك الإجتماعي الصحيح وانشغل في هموم الحياة وتردي الأوضاع الاجتماعية، ووقع البعض الاخر فريسة للاستقطاب الأيديولوجي والديني المتطرف من الجانبين، وأصبح النزول اليومي للشارع عبارة عن انقسامات بين أبناء الشعب الواحد. فتصاعدت مشاعر الكره، بين التونسيين الذين اجتمعوا على حب الوطن ذات ثورة، فتحولت المسيرات إلى مساجلات كلامية أحيانا، أو خصومات وعنف متبادل أحيانا أخرى. وشيئا فشيئا أصبح النزول إلى الشارع مناسبة للترويح عن النفس والتجوال في شارع الحبيب بورقيبة في العطل والمناسبات الرسمية، وأخذ الصور التذكارية بعلم الوطن المفدى هنا وهناك ونشرها بعد ذلك على الفيسبوك. فتيات في كامل أناقتهن وزينتهن ينزلن للتظاهر، شباب في أبهى حلله يتظاهر أيضا. النخب بكل ثقلها تنزل للتظاهر رافعة كل ما في جرابها من شعارات وليس سوى الشعارات. كل يطالب الكل يحتج الكل يصيح في أرجاء هذا الوطن العليل. ولا أحد يقول ماذا بعد؟ ولا أحد من هذه النخبة من موالاة او معارضة يتجرأ ويخاطب أتباعه بصراحة. الكل يحرض أزلامه على التظاهر والتظاهر المضاد. أما النتيجة فلا حرج على المصلين في التيمم. مارس حقك في التظاهر ولا تسأل عن مصلحتك ولا تحاول أن تفهم لمصلحة من؟ حسبك أن تتظاهر وتمر. ذلك هو المطلوب أن تمر ويمر كل شيء في ظروف طيبة وسيطرة أمنية حازمة. وكل عام وأنت وكل مسيرة سلمية بخير، يحرسها مارد أسود وديع قد يغضب أحيانا ويزمجر في مواعيد مدروسة، يعلمها الجميع إلا أنت أيها المواطن المسكين. فحسبك أن تتركهم يتحدثون باسمك في كل مسيرة، يرفعون الشعارات باسمك وباسم الشهيد، ثم يواجهون بشاعتهم وهم ينظرون الى وجوهم البشعة في مرايا حماماتهم الفخمة، وهم يحاولون أن يتخلصوا من رائحة الخيانة بعد أن مدوا أيديهم تحت الطاولة الى المارد الشيطان تحت أجنحة الظلام، وتمادوا في الأمر ليصل الى العناق والقبل. ولا تسل أيها المسكين عن مصير أي مسيرة تراها في شوارع بلادك العتيدة. لا تتعب نفسك يا أب الشهيد…ولا تفرحي يا أمه بأن تنطفئ نارك.. فالحل والربط بيد المارد الأكبر. وكل من يتبجح بمواجهته لا يتعدى أن يكون دونكيشوت رخيصا، وفي صورة سيئة جدا ومبتذلة. فلتتأكدوا من ذلك يا مساكين بلادي، لو تابعتم الاحداث جيدا ودققتم النظر فستجدون أن هذه المسيرات العرمرم لا يجني ثمارها الحرام إلا هؤلاء الذين يتحدثون بأسمائكم، ويحققون مصالحهم، ولم يعطوكم حقكم إلى الان. مسيرة الأول من شهر ايار/مايو.. سلسلة من سلسلة المظاهرات الناعمة. اجتمع فيها الفرقاء السياسيون ليسجلوا حضورهم في جوقة الاحتفال بعيد الشغل، ليدعموا تملقهم للعامل والبطال الغائب الحاضر في هذا العرس الاحتفالي، التائه ربما بين أفلاطونية الشعارات وقسوة الواقع. ساعات الصباح الأولى كانت كفيلة بأن تنهي كل مظاهر الاحتفال باليوم العالمي للشغل أو الاحتجاج أو التنديد أو سمه ما شئت، لكن لا تعني أن العامل المضطهد والمسلوبة حقوقه أو العاطل عن العمل الذي ضاق خلقه وفكر في الانتحار عشرات المرات من شدة الفقر في ربوع بلادي العزيزة ومناطقها النائية، هو نفسه من كان حاضرا ذلك اليوم هنا وهناك في مسيرات بروتوكولية متشرذمة. لا تقنعني بذلك أرجوك، حتى لا أظن أن اللون الأزرق بدأ يميل إلى البنفسجي، ولا يتبادر إلى ذهني أن أحزاب بلادي تتحول إلى كرتون لا حول لها ولا قوة سوى العويل والعواء. لا تقل لي ذلك أرجوك… لا تقل لي إن تلك الأيدي الناعمة والمرتعشة… في كل مسيرات النعام الناعمة هي من ستصل بالبلاد إلى بر الأمان. أيها المارد الساكت الساكن فلتنتفض لمواجهة المارد الشيطان الذي شد الخناق كثيرا وأحكم النفس أكثر يوزعه على من يشاء .فهؤلاء الجبناء ليسوا اهلا أبدا لمواجهته ولا يملكون الشجاعة لمواجهته.