تيسير البطنيجي: تقف أعمالي على حد فاصل ما بين الواقع والخيال والحضور والغياب والهشاشة والقوة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

خريطة مدينة غزّة باللون الفوسفوري ومفاتيح بيوتها المدّمرة جديده في بينالي ليون

بيروت ـ «القدس العربي»: ليس للفنان تيسير البطنيجي ترف إنتاج فن بعيد عن كونه فلسطينياً. الفنان المولود في غزّة، والذي تابع دراساته الجامعية في معهد الفنون الجميلة في نابلس، مسكون بحال مكانه الأول. حال ناسه المقاومين باللحم الحي لإبادة مستمرّة منذ سنة بالتمام والكمال. إبادة طالت الجميع، بما فيها عائلته. فقد شقيقته وعائلتها و50 من الأقارب. غزّة بعد السابع من اكتوبر تعيش في خلاياه، آلمه حجم الدم المسفوك والمستمر على أرضها، التزم الصمت فالكلام مهما بلغ لا يرقى إلى جسامة الواقع.

وصلته دعوة من بينالي ليون للمشاركة، مرفقة بتمنٍ بعمل يُعرض للمرة الأولى. حرر نفسه من تكبيل الألم نسبياً وبدأ العمل. وهكذا تضمّن بينالي ليون الذي افتتح في 16 أيلول/سبتمبر الماضي عملين أوحت بهما غزّة وحالها. عملان يقعان في خانة الفن المفاهيمي الذي بات نبعاً ينهل منه تيسير البطنيجي في مجمل أعماله. فنان متمكن من الجمع بين الرسم والفن التركيبي، والتصوير الفوتوغرافي، والفيديو وكل ما تملكه مخيلته من ابتكارات.
مع الفنان تيسير البطنيجي هذا الحوار:
○ فنك مولود من رحم الذاكرة والنزوح والفقد. هل لك أن تتخيل لنفسك إنشغالاً آخر لو كنت مولوداً في سويسرا وليس غزّة؟
• من الصعب الإجابة بشكل قاطع عن فرضية من هذا النوع، ولكن المنطق يقول إن الإجابة ستكون لا. صحيح معظم أعمالي ذات مضمون مستوحى من تاريخ فلسطين، وما يحدث على أرضها. وفي الأغلب هي أعمال تمرّ من خلال تجربة شخصية عشتها وأعيشها كإنسان وفنان فلسطيني. أحاول فتح عملي نحو آفاق أخرى، بحيث لا يكون سجين الوضع السياسي والأحداث الجارية، وهذا يعني الابتعاد عن المباشرة والخطاب السياسي التقليدي. أحاول تناول المواضيع التي تتخلل عملي كما الفقد والغياب والرحيل والنزوح، في بعدها الإنساني الأكبر، بحيث تعبر ليس فقط عن معاناة الفلسطينيين ولكن أيضا عن آخرين في هذا العالم يعيشون تجارب مشابهة، وان يتفاعل معه الناس في كل مكان. يجب على الفن أن يستمر عبر الزمن، حتى وان ارتبط بوقائع وأحداث معينة، أن لا ينتهي مفعوله بانتهائها.

○ عام 2024 كان نشطاً بالنسبة لك شاركت في العديد من البينالي والمعارض وآخرها بينالي مدينة ليون. هل هي الصدفة؟
• مشاركاتي في مثل تلك الفعاليات الفنية دائمة، وأظنها السنة الأكثر حضوراً بالنسبة لي. صودف أن شهر ايلول/سبتمبر غزير بالمناسبات ومشاركاتي كانت وفيرة، منها على سبيل المثال معرضي الفردي الخاص في كاليري صفير ـ زملر في هامبورغ، وكان مقرراً في شباط/فبراير الماضي. تأجّل هذا المشروع، لان الظروف لم تكن تسمح بالتركيز عليه بسبب حرب الابادة في غزّة والتي أدت إلى استشهاد عدد كبير من أفراد عائلتي.
أشارك أيضاً في بينالي ليون الدولي، وفي معرض جماعي في لوكسمبورغ، إضافة إلى مشاركات أخرى هنا وهناك. لست أدري إن كانت الصدفة سبباً لحضوري المُكثف في ايلول/سبتمبر أم أشياء أخرى.

○ هل تعرّفنا نظرياً إلى العملين الجديدين اللذين عرضتهما في بينالي ليونفي 16 ايلول/سبتمبر؟
• المشروع الأول عبارة عن صور لمفاتيح منازل الفلسطينيين الذين اجبروا على تركها في شمال قطاع غزّة، والتوجه نحو الوسط والجنوب. خطر لي المشروع منذ بدء الحرب، وكنت أرجئه، ليس فقط لأن أي تعبير فني كان يبدو تافهاً بمواجهة ما يحدث، بل حتى الكلام حينها كان صعباً. وفي شهر شباط/فبراير تلقيت اتصالاً من قيمة بينالي ليون ألكسيا فابر داعية لمشاركتي. وعبّرت عن رغبة بوجود عمل جديد للبينالي، فتشجّعت، وبدأت جمع صور مفاتيح المنازل، والتي دُمّر معظمها وتدمر كل يوم.
العمل الثاني، هو خريطة مدينة غزة (خريطة الشوارع) مرسومة على أرضية صالة العرض بلون أزرق فسفوري، وهناك هامش حول الخريطة يسمح للزائر بالدوران حولها ورؤيتها من جميع الجوانب، وهي تشبه في ذلك ما تراه العين عندما تراقب مشهد ما ثم تغمض، وتستمر في رؤية أثر أو شبح المشهد وهي مغمضة.
○ لوحتك في معرض مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت جزء من انشغالك بالفراغ. هل هذا الفراغ إنساني داخلي أم مكاني؟
• العمل هو أقرب إلى عمل تركيبي منه إلى اللوحة. العمل الأصلي اختفى أثناء تنقلاتي بين فرنسا وفلسطين، وما هو معروض في مؤسسة الدراسات الفلسطينية هو صورة عن العمل. الفراغ هنا يُعبّر عن الغياب، هو فراغ مشغول وليس مجرد فراغ، هو تعبير عن الغياب أو الإقتلاع، وعن الذاكرة. يتكوّن العمل (في نسخته الأصلية) من جزأين، أحدهما صورة شخصية مصورة بالألوان الزيتية عى قطعة من الكرتون المقوى، بملامح شبه ممحوّة، وبجانبه مساحة مشابهة، أو فراغ محدد بلاصق بني وضع على الجدار مباشرة. فراغ يشير إلى وجود كان، واختفى؛ صورة أو وثيقة جرى انتزاعها. عنوان العمل «Undefined» وهو جزء من مجموعة أعمال شكّلت نقطة تحوّل في مساري الفني، أُنجِزت ما بين 1997 و1998. تحوّلت ممارستي الفنية من التصوير الزيتي والرسم كوسيط وحيد إلى ممارسة مفتوحة على كافة الوسائط الفنية، من التركيب إلى الكولاج، وإعادة التدوير، إلى التصوير الفوتوغرافي والفيديو لاحقاً، وأعمال الـ«برفورمنس» وسواها. في تلك المرحلة من حياتي كان مهماً بالنسبة لي الربط بين عملي الفني وتجربتي كإنسان وكفلسطيني. وهما تجربتان تتقاطعتان بالضرورة ولا يمكن الفصل بينهما. «Undefined» عمل مستلهم من حادث شهدته في بداية وصولي إلى أوروبا حيث كان الجواز يحمل تعريف «وثيقة سفر» أو «ليسيه باسيه». وثيقة تصدر عن الاحتلال الإسرائيلي الذي كان موجوداً في غزّة، صالحة للاستعمال لسنة. وفي خانة الجنسية كتب «مجهول» أو «غير معرَّف». واجهني هذا الواقع مع وصولي إلى أوروبا سنة 1993. والعمل المعروض في مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت هو أولى المحاولات للتعبير عن هذه الجزئية، وقد اسميته «Undefined». وفي سنة 2021 أنتجت عملاً آخر أكثر شمولاً، ضمنته صوراً لهذا الباسبور، وهو عبارة عن «فريز» على الجدار عن المعاملات الإدارية والوثائق وجوازات السفر، وصولاً إلى حصولي على الجنسية الفرنسية. وحمل هذا العمل عنوان ID Project أي «مشروع هوية».
○ كفلسطيني هل كوّنت مفهوماً خاصاً عن الفراغ؟
• أحاول منح مساحة لهذا الفراغ ومن خلال العديد من الأعمال. منها على سبيل المثال «To my brother» وهو مخصص لإحياء ذكرى أخي ميسرة الذي استشهد في بداية الانتفاضة الأولى. هو عبارة عن حفر يدوي بدون حبر على ورق من صور حفل زفاف ميسرة. ستون رسماً تُرى من بعيد كورقة بيضاء، ومع الاقتراب تظهر خطوط صور للحظات من الفرح والبهجة. الفراغ، بمعنى الغياب، هو جزء من المشهد العام في حياتنا. لا نقول اننا اعتدنا عليه، ولكن نحاول أن نروضه بطريقة أو بأخرى.
○ كي لا نكون ضحايا فيما نقدّمه عنّا للعالم وفي ظل الواقع الموجع كيف لك اختراع الأمل؟
• يتنهد عميقاً ويردد سائلاً: اختراع الأمل؟ الأمل صعب في أيامنا هذه، وفي ظل المحرقة المتواصلة في غزّة والتي نشاهدها منذ سنة. محرقة لا تدع مجالاً كبيراً للأمل. إنما التمسك بالأمل مهم، لست أدري مدى تشبثي بهذا الأمل في أعمالي، وبثّه من خلاله. في أحد أعمالي والذي اسميته «دوام الحال من المحال» هناك قطع من الصابون مرصوصة في طبقات ومحفور عليها هذه الجملة، وبإمكان زوار المعرض أخذ قطعة من الصابون معهم. أن تُكتب هذه الجملة على قطع من الصابون، كونه يختفي مع الاستعمال، والمقولة معه، إضافة إلى ترك الناس يذهبون بقطع الصابون يطرح التساؤل، أكثر منه بث للأمل. هل «دوام الحال من المحال» أم لا؟ عمل يعطي الأمل والشك به معاً. أعمالي ليست تلقينية وليست ضمن خانة الأبيض أو الأسود. أقدّم أعمالاً تقف على هذا الفاصل ما بين الواقع والخيال، ما بين الحضور والغياب، ما بين الوجود واللاوجود، ما بين الهشاشة والقوة.
○ كم يخدم الفن المفاهيمي التعبير عن القضية الفلسطينية برأيك؟
• وجدت في الفن المفاهيمي امكانية إعمال الفكر والبحث والتحليل والتجريب، واستخدام وسائط ووسائل تعبير مختلفة ومتنوعة، وهو ما وفر لي هامشا كبيرا من الحرية في التعبير عن مواضيعي، بدل أن يُحصر عملي في ممارسة فنية محددة. كما أتاح لي اقتراباً أكبر من الواقع، وهو ما وجدته في أعمال التركيب، أو في الأعمال التي تعتمد على التصوير الفوتوغرافي والفيديو على سبيل المثال.
○ كم تُسأل في أوروبا عن الإبادة المتواصلة في غزة منذ سنة؟
• في بداية العدوان دُعيت لحوارات صحافية، كان صعباً أن أتكلّم، ورفضت في أحيان كثيرة، كذلك حرصت على أن لا تحوّر أقوالي خاصة مع الأسئلة المزعجة. لم تزل صعوبة التعبير مسيطرة عندي، لكوني أجد الكلمات كافة لا ترتقي لمستوى الفظاعة والعنف والهمجية كي أصف بها الحرب على غزّة. بالتأكيد الكلمات ستخونني، ولن تكون كافية للتعبير.
○ وماذا عن التضامن الشخصي معك كفرد تعيش في أوروبا منذ عقود وخاصة فرنسا التي تحمل هويتها؟
• نعم بالتأكيد هناك تضامن، وحتى في وقت سابق للإبادة التي لحقت بعائلتي لدى استشهاد شقيقتي وعائلتها، وأكثر من 50 شخصاً من أقاربي من آل البطنيجي. تلقيت رسائل سابقاً وما زلت حتى اليوم أتلقى رسائل من أصدقاء ومن كافة أنحاء العالم، ومن جنسيات مختلفة. رسائل تحمل تضامناً وتعاطفاً، كانت تؤنسني وما تزال، وفيها الكثير من التعبير عن المواقف الداعمة للشعب الفلسطيني، مع الإشارة أن البعض يعبّر عن التضامن بشكل خجول ومستتر أحياناً.
○ إلى خسارات الأحباب وهم الأهم في هذه الإبادة هل من خسارات فنية كنت تحتفظ بها في غزّة؟
• بالطبع لا شيء يتساوى مع فقد الأحباب. عندما دُمّر منزلنا في الشجاعية، واستشهد فيه 22 شخصاً من أبناء عمومتي، وحفيد أخي، ضاعت أكثر من 10 سنوات من أعمالي من لوحات، ورسوم، وكتب، ووثائق، وشهادات. جميعها تحوّل إلى رماد.

○ هل تناديك غزّة لزيارتها وهي في حالها الحاضر بعد إبادة البشر والحجر؟
• أياً كان حال غزّة أحنّ لزيارتها وأحب أن أتواجد فيها. غزّة لا تفارق فكري ولا خيالي ولو للحظة، بل أني استحضر ذكريات كانت مدفونة في داخلي، ذكريات ومواقف تطفو على السطح عشتها في غزّة، وكأن الذاكرة تحاول التعويض عن المسح والإبادة المتواصلة فيها منذ سنة، إنه الحنين للذاكرة والناس والأرض والمكان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية