رام الله- “القدس العربي”:
لم يكن في حسبان حركة الجهاد الإسلامي أن مواجهة الأيام الخمسة والتي أطلقت عليها اسم “ثأر الأحرار” ستحوّلها إلى حالة كبيرة من التعاطف والتأييد الشعبي المضاعف من المواطنين والشبان الفلسطينيين في عموم الضفة الغربية.
ورغم أن حملة “الدرع والسهم” حسب التسمية الإسرائيلية، وهي التي أريد لها أن تكسر الحركة وجهدها العسكري المقاوم، فهي تدعم بشكل قوي أنشطة المقاومة في الضفة الغربية وتقودها أحيانا، إلّا أن الصورة التي خرجت بها الحركة وجناحها المسلح “سرايا القدس” عملت على العكس تماما مما رغب فيه الاحتلال الإسرائيلي.
وتعمل فيديوهات تبرز قادة الحركة وتحديدا الشهداء منهم، على أكبر حالة من تعميق حضور الجهاد كحركة مقاومة جذرية، حيث يتبادلها النشطاء والمواطنون البسطاء والشبان صغار السن، بكل ما يرافق ذلك من عبارات المديح والثناء والاحتفاء في أكبر حالة من الالتفاف حول الحركة بدلا من كسرها والابتعاد عنها.
وجاءت العملية العسكرية الأخيرة ضمن استراتيجية إسرائيلية لتعزيز الفصل بين الضفة وغزة، وهو أمر يتأسس على فصل أكبر بين مكونات فلسطين التاريخية، وتريد إسرائيل تحقيقه عبر إضعاف الفصائل المقاومة وجعلها منقسمة على ذاتها.
وبحسب الباحث الفلسطيني عبود حمايل، فإن الحضور الشعبي للجهاد الإسلامي، أي بمعنى التأييد الواسع والكبير من المجتمع الفلسطيني تحقق فعليا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الحضور على مستوى الكادر أو التوسع التنظيمي.
ويرى حمايل أن مواجهة الأيام الخمسة عملت على تعزيز التوافق الشعبي مع الجهاد، وهو ما تعزز مع الجولة الأخيرة التي ساهمت بشكل كبير في تعزيز هذه الرؤية.
وبحسب حمايل، فإن هناك الكثير من الأسباب التي تقود لدعم الجهاد وتزايد شعبيته، ومن أهمها عزوف الحركة عن السياسة والسعي للسلطة أو الرغبة في الاستحواذ على السلطة وهذا أولا. أما السبب الثاني، فيرتبط بطبيعة نشأته التاريخية من داخل تيارات في الإخوان المسلمين وكذلك من منظمة التحرير، أما السبب الثالث فيتعلق بالإصرار الدائم على الفعل المقاوم في كل زمان ومكان.
وبعد المواجهة الأخيرة، أصبح السؤال الرئيسي المثار داخليا هو ما طبيعة العوامل التي تؤثر على مشهد حالة النضال المستمرة منذ أعوام في الضفة الغربية على نحو خاص؟
وحول ذلك يشير الباحث حمايل وهو محاضر في جامعة بيرزيت، إلى أربعة عوامل بشكل أساسي، وهي: قدرة المقاومة الناشئة في الضفة الغربية على الحفاظ على قابلية المقاومة والاستمرار في ذلك، إلى جانب قدرتها على كسب تأييد اجتماعي وسياسي من المحيط الاجتماعي المباشر وغير المباشر من خلال إثبات نجاعتها الميدانية، وكذلك طبيعة احتكاكها التكتيكي والسياسي والرمزي مع أعدائها (مناهضيها) من داخل المجتمع الفلسطيني، ونوع وشكل وكم الدعم التي تتلقاه من الداخل والخارج، وطبيعة احتكاكها العسكري مع دولة الاحتلال.
ويقرأ حمايل العدوان على غزة، بأنه يندرج في إطار محاولة استمرار فصل ساحات المقاومة، ولكنه أيضا يخرج من ضمن تناقضات داخلية إسرائيلية ترى أولا ضرورة حسم والقضاء على ظاهرة المقاومة في الضفة الغربية، ما يتطلب استمرار فصل الساحات، كما أن إسرائيل تسعى لمعالجة أي تصور لدى حركات المقاومة وجمهورها حول ضعف دولة الاحتلال في ظل تعاظم صراعاتها السياسية والاجتماعية الداخلية. وقد أدى ضعف الرد الإسرائيلي على إطلاق المقاومة أكثر من مئة صاروخ عقب استشهاد الشيخ خضر عدنان، إلى تعزيز هذا التصور، خاصة وأنها تأتي بعد الضربات الصاروخية التي تلقتها إسرائيل من لبنان قبل شهر.
وحول استهداف القيادات، يشير حمايل إلى أنه وبعد عقود من المواجهة مع المحتل، تطور عند القوى التي تواجهه رغم الثمن وأهمية هذه القضية تحديداً وأهمية حماية القيادات- القدرة على استبدال القادة بقادة جدد. ويشير قائلا: “بالطبع هذا ليس نبعا غير منتهٍ، ولكن كثرة استخدام أداة يفرغها بعضاً من تأثيرها، ويجعل من كل بنية تنظيمية جادة في فلسطين تفكر بشكل مسبق ببدائل لمن قد يرحل عنها. كثرة استخدام الاغتيال وتصفية قيادات يهدف لإظهار قوة المعلومة الاستخبارية التي يمتلكها الاحتلال ولحِرمان أي تنظيم مقاوم من فاعلين عسكريين وسياسيين يلعبون دورا هاما في بناء ورسم الأدوات وتجديد التكتيكات والإبداعات. وتؤدي أيضا إلى تجديد في القيادات، بل إظهار قيادات لم تكن لتظهر بالشكل التي ظهرت به لولا عمليات اغتيال سابقة”.
ويرى أن أهمية المواجهة الأخيرة في جانب منها ترتبط بشكل أساسي بقدرة توظيف القوة العسكرية في تأزيم كل قرار صغير يتخذه الاحتلال في الضفة الغربية والقدس في ملفات الأسرى والمسجد الأقصى والقدس، وفي قضايا أخرى أيضا، بما في ذلك إمكانية نجاح المقاومة في تقييد سلطة الاعتقال والاغتيال أو سلطة البناء والإخلاء والتدمير. ويقول: “لنا أن نتخيل يوما، أن يكون اعتقال طفل في مخيم ما قضية قد تؤدي إلى حرب أو مواجهة أو رد فعل يخرج من أي ساحة من ساحات المقاومة في كافة جغرافيتها”.
ويشدد دكتور العلوم السياسية غسان الخطيب، على أن الإنجاز الفلسطيني الأكبر في المواجهة الأخيرة هو معطى الوحدة وإفشال رهان فصل تنظيمات المقاومة في القطاع.
وتابع في حديث صحافي: “من الواضح جدا أن الجهاد حقق وسجل انتصارا بكل ما للكملة من معنى، هناك إنجاز نوعي أساسه المراكمة على الإنجازات في السابق، وتطويرها في جولة ثأر الأحرار”.
ويرى الخطيب أن “هذه الجولة تشبه إلى حد كبير الجولات السابقة التي كانت تنتهي بطريقة تسمح لكل طرف بحصد النتائج الإيجابية على المستوى السياسي الداخلي الخاص به، ووفق ذلك، فإن الجهاد سجل انتصارا بحق، بحسب المعايير المتعلقة بأهداف المقاومة وصمودها والقدرة على الاستمرار في ضرب العمق الإسرائيلي. هناك تراكم إيجابي في الجهد الفلسطيني بعيد الأمد الذي يجب أن يهدف لإنهاء الاحتلال والمراكمة فيه”.
ويتناول الخطيب واقع الضفة الغربية أثناء فترة المواجهة مع غزة، معتبرا أنها تستحق وقفة وتحليلا وتأملا، ويقول: “من تحليل التجارب السابقة، ندرك أن الضفة تكون متضامنة مع غزة شعبيا ومع المقاومة عند اشتعال الجبهة بين غزة ودولة الاحتلال، لكنها بالمقابل تهدأ ميدانيا”.
وأضاف: “نأمل أن يكون هناك استعادة لزخم التصدي للاحتلال بكل الأشكال في الضفة وفي كل المناطق بعد العدوان الأخير”.
ويرى الباحث والمحلل السياسي معز كراجة، أن إسرائيل تستهدف الجهاد بشكل خاص منذ العام الماضي على أقل تقدير، فيما تعتبر مسألة استشهاد الشيخ خضر عدنان، قرارا سياسيا يقع ضمن هذا الاستهداف.
ويرى كراجة أن الجهاد مستهدف لأسباب كثيرة، من أهمها، أنه لم يدخل يوما ضمن المعادلات السياسية القائمة، سواء على الصعيد المحلي الفلسطيني، حيث بقي على موقفه بعدم الدخول في مؤسسات السلطة تحت أي ظرف وبأي شكل. وعلى صعيد إقليمي أيضا، حيث لم يزج بنفسه ضمن أية معادلات، وبقيت سياساته على هذا الصعيد معلنة وواضحة.
وتابع: “هذا بدوره حرر الجهاد إلى حد بعيد من أدوات الضغط السياسي والضبط الدبلوماسي من قبل أي طرف كان، حيث بقي لديه قراره المستقل إلى حد بعيد”.
وشدد على أن المستهدف في مواجهة “درع سهم” الجهاد بسبب دوره في الضفة الغربية، وتحديدا في شمالها في السنوات الخمس الأخيرة، معتبرا أن ترجمة هذا الثمن، ستكون أولا في الضفة الغربية.
وبحسب المحلل السياسي عادل شديد، فإن المواجهة الأخيرة لن تكون آخر المواجهات، إنما أسست لجولة قادمة في ظل أن إسرائيل لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه، ففرضيات الاحتلال التي قادت باتجاه الذهاب للاغتيال كانت دقيقة، أما فرضيات ما تم بعد الاغتيال، فلم تكن دقيقة.
وعلق شديد على النقاش الفلسطيني الجاري حول المواجهة ونتائجها، بأنها مناكفات وليس مناقشات علمية وموضوعية سليمة، حيث يضع كل طرف هدفا معينا ويحاول الوصول إليه بغض النظر عن الكثير من الحقائق سواء تعلق ذلك بأسئلة: “لماذا أقدمت إسرائيل على الاغتيال في هذا التوقيت؟ وماذا أراد الاحتلال تحقيقه؟ وهل تحقق ذلك؟ وكيف ردت الجهاد على ذلك؟ وكيف تصرفت حماس وهي السلطة في غزة؟ وكيف تصرفت الضفة؟ وغيرها من الأسئلة المهمة”.
وأشار شديد إلى مسألة أن تشكيل الغرفة المشتركة وإدارتها شكّل ردا سياسيا ووطنيا مهما أمام إسرائيل، ومع ذلك، تبنّى الاحتلال خطاب توجيه ضربة قوية للجهاد الإسلامي مستثنيا حماس، وكأن الأخيرة صديقة لإسرائيل، في حين أن الخطاب السياسي الإسرائيلي السابق، كان يحمّل حماس ليس المسؤولية عن غزة فقط، إنما المسؤولية عما يجري في الضفة أيضا.
وختم قائلا: “في هذه مواجهة ورغم كل الألم والوجع، لكنها كانت من أهم وأفضل وأكثر المواجهات والجولات التي احتضنت فيها المقاومة بغزة حيث البيئة الحاضنة للمقاومة وغرفة العمليات المشتركة، وكان خروج الناس العفوي للشوارع أفضل تعبير نحو أول مواجهة تعيد تجسيد ثقة الشعب الفلسطيني بمقاومته وكفاحه المسلح وهذا ما لا تريده إسرائيل”.