يغلب الظن، أن الثقافة ليست مجالا، ينبغي تسييجه وتصليب حدوده، بل هواء ممتدا من القيم والأفكار الخلاقة التي من المفروض أن تسري في دواليب المجتمع. والأمر يتعلق أساسا بالإنسان كنفس وعقل. وبدون تكوين وتطوير الملكات الداخلية، يبقى الخارج معطوبا.
فالروابط يخفت حضورها في غياب وتغييب التربية والوعي، لهذا يمتد جهل الإنسان للمرافق العمومية والفضاءات المشتركة. فيطغى الاندفاع والعنف بأشكاله إلى حد الرفس واستعمال المديات والهراوات. كأن الأمر يتعلق بمعارك حيوانية بأساليب دنيئة ومرعبة. ما يؤدي حقا إلى تناسل التراجيديات. هنا نتساءل عن الإنسان ـ في البيئات المتخلفة ـ الذي يرزح تحت أنواع الكبت، عطفا على الظروف القاهرة في العيش. الشيء الذي يفرز أشكالا من التصادم، بما فيها التصادم مع الذات. وفي المقابل، نستحضر أدوار المجتمع المدني والسياسي في التوعية وتنمية الحس الإنساني الراقي من خلال الجماليات والفكر. أما المجتمع السياسي، فيتحمل مسؤولية مركبة، تبدأ من التأطير الغائب أو المعطوب، إلى التسيير الذي لم يغط أعطاب المرافق العمومية في الصحة والتعليم والقضاء.. كل ذلك، يمتد تأثيره السلبي على الإنسان الذي يفرغ حقا من إنسانيته، ويكون تابعا وقابلا لأي شحن ولف. وبالتالي دفعه في أي اتجاه. لهذا يغلب الظن أن إشكالية الإنسان في التكوين والحياة مبتغى ملح. وهو ما يدفع إلى التساؤل: لماذا لا تتحول المجتعات النامية ثقافيا كقيم ورؤى أولا، ثم سياسيا واقتصاديا؟ وفي المقابل تطغى الأنساق الموروثة المعززة بالترسانات الأيديولوجية التي تخدم السلطات السائدة التي تحرس الأفكار والمواقع. وبالتالي فالقرارات السياسية في الغالب تجعل الأمور تراوح مكانها وتتغير ببطء.
الوضع الكارثي للمجتمعات العربية، يثبت هشاشة النخب الثقافية والسياسية، حيث انشغال تلك المؤسسات بأصول البقاء والسيادة.
شرط الوعي والتربية بالمعنى الشامل للكلمة، يحدث تحولات بناء في العقل المثقل بالرواسب والحقائق المحروسة، بما يلزم من تطورات في الفكر والعلم، وفي الواقع أيضا. وإذا حصل سيولد ذلك ثورة هادئة بدون فتك ومكائد، بل بالحوار وتبادل الرؤى. الشيء الذي سيخلف بيئات غير مشحونة، قصد توفير مناخ صحي للتداول الثقافي والسياسي الشفاف، ولو بمنطق الاختلاف الذي يحفز ويطور. وليس الاختلاف «المخدوم» الذي يوهم أنه كذلك. ولكن لا مستقبل له، فقط هو اختلاف الواجهة والادعاء. وفي كثير من الأحيان يتحول إلى خلاف لا عقل ولا مرجعيات له. وهو السائد بين النخب التي تفترس بعضها من أجل الكراسي أو فتات السلطة. فتحركات الدولة اتجاه الثقافي، يطبعها التغير الظرفي المحكوم بالهاجس السياسي ـ الأمني بدون بناء هذا الثقافي خارج الظرفيات والمآزق. وبالتالي، تبقى الحصيلة مجزأة ومفصولة عن ما يمور في المجتمع.
ويمكن أن نستحضر هنا دور المثقف ضمن المؤسسة وخارجها. الشيء الذي يقتضي استحضار ثنائية السياسي والثقافي. فهذا الوضع الكارثي للمجتمعات العربية يثبت بالملموس هشاشة المجتمع الثقافي والسياسي، حيث انشغال تلك المؤسسات بأصول البقاء والسيادة، ولو سيادة النخب التي تتغذى عن الريع، وتبني مصالحها التي ستدافع عنها من خلال مؤسسات معطوبة لا مشاريع واضحة لها، ماعدا الخلط والادعاء الذي يبعثر الأفكار ويضبب الأفق. في هذه الحالة، لا قنوات لتصريف الفعل الثقافي الذي يقتضي التكتل والعمل الجماعي. مقابل هذا الوضع يبقى الاشتغال الثقافي مدفوعا بمجهودات فردية وذاتية لا سند إعلامي متخصص لها، ماعدا نوافذ الصحافة غير الكافية. فكثيرة هي الرهانات الثقافية التي تطوى بين الإكراهات والسرعة والاستهلاك بأنواعه المختلفة، رهانات تهدف إلى تعميم هذا الثقافي وانتشاره، ليس كطلاسم، ينبغي فك ألغازها، ولكن كقيم، يمكن أن تتولد من مماراسات أدبية وفنية. وهو ما يثبت الحق في الثقافي، عبر وسائل وأداء متحصن. فاستقواء الفعل الثقافي أمر مهم أمام زحف الاستهلاك، بما فيه الاستهلاك الثقافي الفلكلوري، من خلال تنشيط الفعل القرائي والنشر في الفنون المختلفة، فضلا عن بنيات ووسائط حاضنة… فكل هذا، إذا حصل، لا يعني انخراط المثقف في المؤسسات بدون برامج ولا رؤى، وهو المتحصل، مما يزكي الخبط والانفتاح المجاني على الكل، في تسطيح للملمح الثقافي الذي قد يتحول إلى فرجة وهرج، فتضيع حاسته النقدية والفكرية. وفي الآن نفسه، ينبغي أن لا نبخس حق مجهودات مشتتة، تعض على الثقافي عله يستقيم، في أفق خلق مشاريع تقاوم الأصوليات والأنساق المغلقة.
٭ شاعر و كاتب من المغرب