رغم أهمية الفيلم الوثائقي في احتواء الذاكرة الإنسانية وأرشفتها منعا لاندثارها، إلاّ أن هذا النوع من الإنتاج السينمائي لم يأخذ حيزه من الاهتمام الذي يستحقه في عالمنا العربي، رغم أنه أعلن عن ظهوره منذ أن تم اكتشاف الفن السينمائي عام 1895 ومع أن المنطقة العربية شهدت طيلة القرن الماضي أحداثا كثيرة، كان ينبغي على العاملين في السينما الاضطلاع بمسؤولية توثيقها، وما تم إنجازه من أفلام وثائقية رغم أهميتها، لا يعفيهم مسؤولية التقصير في عدم إيلاء الإنتاج الوثائقي ما يستحقه من رعاية.
وانشغلت معظم شركات الإنتاج السينمائي في العالم العربي بالفيلم الروائي انطلاقا من حسابات تجارية، ولم تضع الفيلم الوثائقي في أجندة مشاريعها الإنتاجية، باعتباره بضاعة كاسدة من الناحية التسويقية. فالفيلم من وجهة نظر الشركات ليس سوى سلعة، ويتقدم هدف بيعها وتحقيق الأرباح منها على بقية العناصر الجمالية والفلسفية التي قد يتضمنها الفيلم، وهذا التفكير يشير في مضمونه إلى قصور في الفهم وعدم الحرص على تقديم الواقع، في مقابل شيوع تجميل وتزييف الواقع عبر أساليب وأطر فنية متنوعة كرسها كم كبير من الأفلام الروائية التي تم إنتاجها، فكانت حصيلتها في النهاية أنها ساهمت في تغييب حقيقة الواقع خلف التقنيات المهارية والحرفية لكل فنان.
الوثائقي وحساسية الوعي بالإنسان والمكان
بناء على ذلك لم ينشغل السينمائيون بالفيلم الوثائقي، بقدر ما كانت طموحاتهم تدور حول تأكيد موهبتهم في الفيلم الروائي، وكأنَّ الوثائقي لا تتوفر فيه مساحة كافية لاظهارها، بينما يحتاج هذا النوع من الأفلام في حقيقته إلى أن يكون صانعه على درجة عالية من الحساسية إزاء الواقع، وأن يكون منفتحا بوعيه وثقافته على المحيط الاجتماعي والواقع السسيو-ثقافي للمجتمع الذي يعيش فيه، لأن الفيلم الوثائقي يعطي أهمية كبيرة للمعنى والفكرة والموضوع الذي يتناوله، قبل أن ينشغل في التقنيات والعناصر الجمالية التي لا تغيب أبدا عن صانع أي فيلم سواء كان روائيا أو وثائقيا، وهذا يفرض على مخرج الأفلام الوثائقية أن يكون على تماس مع قضايا الإنسان والمكان، وأن يطرح الأسئلة التي تفكك العلاقة بينهما برؤية موضوعية وعلى حساب الذاتية التي يعلو صوتها في الفيلم الروائي، طالما أنه يسعى إلى تأكيد المصداقية في خطابه، مستبعدا بذلك ما يزيف الوقائع والأحداث.
شرط الحرية في الوثائقي
تمثل الحرية في العمل حجر الزاوية في أي نشاط فني، وفي مقدمة ذلك الفن السينمائي، نظرا لجماهيرته وخطورة ذلك على الخطاب الرسمي الذي تنتجه السلطات الحاكمة، ولأن الفيلم الوثائقي لا ينزع إلى الغموض إنما إلى الوضوح والمباشرة في ما يتناوله من موضوعات لها ارتباط مباشر مع الواقع، لذا سيكون من الصعوبة بمكان أن ينال صانع الفيلم الوثائقي ما يطمح إليه من فرصة للعمل في ظل أنظمة استبدادية تقمع كل ما لا يتفق مع طروحاتها، لذا كان من الصعب أن ينال الفيلم الوثائقي اهتمام السينمائيين في العراق قبل العام 2003. ولكن بعد هذا التاريخ توفر المناخ الذي يمكن أن يتيح إنتاج أفلام وثائقية، خاصة بعد أن انتشر البث التلفزيوني الفضائي وتوسع عدد القنوات الفضائية العراقية التي برزت حاجتها إلى أفلام وثائقية تدعم فيها وجهة نظر الجهات السياسية التي تمولها.
منظمات المجتمع المدني
من جانب آخر بدأت منظمات المجتمع المدني المدعوم من منظمات دولية في تخصيص جزءا من اهتماماتها لصالح دعم وإنتاج أفلام وثائقية حول معظم الموضوعات التي تشتغل عليها، مثل العنف ضد المرأة، وعمالة الأطفال، وضحايا الحروب، والتعايش المجتمعي، وقضايا الإرهاب. فانخرط عديد الشباب العراقي في دورات تأهيلية أشرفت على تمويلها المنظمات، حيث تلقوا فيها دروسا نظرية وعملية حول صناعة الفيلم الوثائقي، وبدأنا نرى خلال العشر سنوات الماضية مهرجانات محلية تعرض فيها أفلام وثائقية قصيرة وطويلة، وهذا الحراك أفرز وعيا لدى الشباب بأهمية هذا النوع من الإنتاج السينمائي.
الموصل وأولوية توثيقها
مدينة الموصل كانت وما زالت لأمس الحاجة إلى أن يأخذ الفيلم الوثائقي ما يستحقه من رعاية، لانها عاشت ظروفا بغاية الصعوبة والقسوة خلال العقدين الماضيين، وخاصة بعد تجربة سقوطها في العاشر من حزيران/يونيو عام 2014 تحت سلطة تنظيم «داعش» الإرهابي، وما تبع ذلك في عملية تحريرها من نكبات طالت المدينة وأهلها، فتكدست في الذاكرة عشرات القصص التي تستحق توثيقها على لسان شخوصها، وفي ذات الأمكنة التي شهدت أحداثها وتعرضت فيها معالمها إلى التدمير والتخريب. هذا الموضوع بما يشكله من أهمية، خشية أن تختفي هذه القصص من الذاكرة وتتعرض الأمكنة إلى التجريف، كان لابد من العمل على الجانب التوثيقي عبر السينما، ومن هنا بدأت الأنشطة والفعاليات التي ترعاها المنظمات المحلية بالتوجه إلى المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، بهدف دعمها وتمويلها في ما تطرحه من مشاريع هدفها توثيق ما جرى على المدينة من أحداث.
وقد أقامت مؤسسة «ملتقى الكتاب للثقافة والتعليم» في الموصل وورشة لصناعة الأفلام الوثائقية للفترة من 16- 21 آب (أغسطس ) الماضي، وجاء في ديباجة الإعلان عنها أنها «تهدف إلى تطوير وتوجيه مهارات الشباب المهتمين بالسينما الوثائقية، من خلال إقامة مجموعة من الأنشطة التي تبدأ بورشة مكثفة تستمر لستة أيام يجتمع فيها 15 مشاركًا من خلفيات متنوعة، يتلقى فيها المشاركون تدريبات في الكتابة والإعداد والإخراج ومعالجة الصوت والصورة من قبل خبراء محترفين في صناعة الأفلام الوثائقية. ويتبع هذه الورشة إنتاج ثلاثة أفلام وثائقية قصيرة تركز على التراث المادي لمدينة الموصل وعلى جهود اليونسكو في عمليات إعماره. وبعد أن أنتهت الورشة التعليمية التي استغرقت أسبوعا تلقى فيها المخرجون الشباب معارف تقنية وحرفية في صناعة الفيلم الوثائقي أشرف عليها المخرج علي عمر، توزع الشباب إلى ثلاث فرق وأنجزوا ثلاثة أفلام وثائقية، تحت إشراف المخرج هيثم صالح، وحال الانتهاء من عملية المونتاج خضعت إلى عملية تقييم لمستواها الفني من قبل لجنة متخصصة مؤلفة من الكاتب بيات مرعي والمخرج علي عمر، والمخرج مروان ياسين.
في الأفلام الثلاثة
في الأول من شهر أيلول (سبتمبر) 2023 اقيم حفل ختامي عرضت فيه الأفلام الثلاثة: «منزل 24» إخراج ليث قندلا، و«بقايا» إخراج مريم مازن و«حياة أخرى» إخراج يوسف بشار، وقد فاز بجائرة المشروع فيلم «بقايا» هنا تبرز ظاهرة مهمة في فوز هذا الفيلم لابد من الإشارة إليها على اعتبار أن من أخرجه امرأة، وبذلك تكون مريم مازن أول عنصر نسوي في الموصل يخوض ميدان الأخراج السينمائي، ما يشير إلى تحول واضح في بنية المجتمع الثقافية لهذه المدينة بعد تجربة الحرب المريرة التي مرت بها، وقد بدا هذا التحول قويا لدى الشباب عبر عديد الأنشطة التي أخذوا يؤسسونها بعد تحرير الموصل من سلطة «داعش».
فيلم «بقايا» الفائز بالمركز الأول حاولت فيه المخرجة أن تستكشف مشاعر رسَّام وهو يواجه خرابا طال المكان بسبب ما أحدثته الحرب حتى ضاعت ملامحه وحتى أنه عجز عن معرفة البيت الذي عاش فيه وأرتبط بطفولته وشبابه وما بينهما من علاقة وجدانية عميقة، فلا يجد نفسه إلاّ أن يتخذ موقفا فاعلا بالانخراط في العمل وبرفقته ولده مع الفعاليات التي تعمل على إعادة إعمار المكان بنفس الطراز المعماري الذي كانت عليه بيوت الموصل القديمة.
الفيلم الفائز بالمركز الثاني «منزل 24» اختار المخرج ليث قندلا أن يأخذنا إلى تفاصيل مهنة النقش على حجر المرمر الذي عادة ما كان الموصليون يعتمدون عليه في بناء بيوتهم، من خلال مرافقة شخصية نحات موصلي مغترب اختار العودة إلى مدينته مغادرا بذلك مكان أقامته في إحدى البلدان الأوروبية بعد انتهاء الحرب، وقرر أن يساهم بخبرته في الرسم والنحت في إعادة تأهيل البيوتات القديمة، وكان من الممكن أن تذهب المعالجة الفنية للفيلم إلى مدى أعمق تأثيرا، في ما لو توقف عند الجانب الإنساني لشخصية النحات باعتباره فنانا، لتأكيد العلاقة الخاصة التي تجمعه مع المكان بخصوصيته الجمالية الفريدة.
الفيلم الفائز بالمركز الثالث «حياة أخرى» للمخرج يوسف بشار، يقدم لنا شخصية رجل من أبناء الموصل القديمة، لديه شغف باقتناء كل ما له صلة بالتراث، من تحف وأنتيكات، وقد ورث هذا الاهتمام من والده ويسعى إلى أن يزرع هذا الشغف في إبنه الصغير، ولشدة ولعه بالتراث ينخرط في العمل مع المنظمات التي تعمل على إعادة إعمار البيوت القديمة، لأنه يجد في نفسه بمثابة الحارس الأمين عليها، فما أن يشرق الفجر صباح كل يوم حتى يقود دراجته النارية الصغيرة منطلقا نحو الأزقة الضيقة التي شهدت عودة الحياة إلى معمار بيوتها، فيتلمس جدرانها ونقوشها وأبوابها متجولا بين ممراتها وسراديبها وفي داخله شعور طاغ بالفرح. والملاحظة التي تسجل على الفيلم أن المعالجة الفنية للقصة لم تدفع بالشخصية إلى أن تنجز فعلا قويا ومؤثرا، يُثري ما كشفت عنه من مشاعر تربطها بشكل وثيق مع التراث وهي تخاطب الكاميرا في أكثر من موضع.
المحصلة النهائية لهذه التجربة أنها استقطبت هواة صناعة الأفلام من الشباب إلى ميدان الفيلم الوثائقي، ووضعتهم على الطريق الصحيح عبر الورشة الاحترافية المكثفة التي شاركوا فيها، بالتالي فقد كشفت لنا عن مجموعة من المواهب التي يمكن أن يكون لها شأن في المستقبل إذا ما استمرت في العمل.