ثنائية المتديّنين- العلمانيين: من حلقات الفكر الى حلبات السياسة

حجم الخط
0

منذ الشيخ محمد عبده المُجّدد الديني لعصر النهضة العربيّة، وحتّى محمد أراغون المفكر الجزائري الفرنسي الّذي توفّي لأقلّ من عامين خليا، ظلّ تطويع الدين الإسلامي، للمقولات الفكرية والسياسيّة والفلسفيّة الحديثة، هدفاً مقدّساً للفكر الإسلامي التجديدي، الواقع خارج دائرة المسلّمات والأصوليّة الإسلاميّة بكافة مستوياتها!حتّى أنّ الشيخ محمّد عبده، فسّر آية: ‘إنّها عليهم مؤصدة، في عمدٍ ممدّدة’من سورة الهمزة: بالدائرة الكهربائيّة المغلقة!
لقد وقع هؤلاء ببساطة في مصيدة البنى العقلية، الّتي تتغيّر وتتبدّل، عبر تراكم المعرفة الإنسانيّة، فنحن نعلم أنّ هناك وظائف عقليّة، كالمحاكمة والمقارنة والتمييز والاستنتاج، وهي الّتي استفزّ النص القرآني الغافلين لتوظيفها، عبر صيغ استنكاريّة، منتشرة في مجمل النص!
هذا التوجه التصالحي من قبل هؤلاء المنظّرين، أفقد فكرهم الزخم اللازم للتأثير في جمهور الّناس، لأنّه هشٌ للدرجة الّتي يمكن للعلمانيين أو الماديين المتمرّسين نسفه بسهولة، وهو مستنكرٌ أيضاً من قبل المدرسة الأصوليّة الّتي لا ترى فيه إلّا انحناءً وتخاذلاً أمام الفكر العلماني، والنتيجة أنّ ثنائية المتديّنين- العلمانيين، ترسّخت وتعمّقت في المجتمعات الإسلاميّة، لا بل انتقلت من حلقات الفكر، إلى حلبات السياسة، واتّخذت شكل المواجهة العنيفة والّتي تطوّرت إلى دمويّة، وخاصة عند التحولات السياسيّة المفصليّة، والّتي ظهرت جليّة، بعد انجلاء دخان الربيع العربي، حتّى وجد الجيش فرصته للانقضاض على السلطة في ظلّ هذا الخلاف غير القابل للحل، أو إيجاد أرضيّة مشتركة للانطلاق منها نحو مشروع التغيير!
على الطرف القصي للتيار السياسي الإسلامي، تقف المدرسة السلفيّة، والّتي اختارت الوقوف في صف العلمانية المستعصمة بالعسكر في مصر، مسقطةً آخر حصونها، ومبقيّة المشروع الإسلامي خالصاً للحركات الأكثر منها عصريّة وتواءماً، الأمر الّذي سيُكسبُ هذه الحركات وخاصّة الإخوان المسلمين، زخماً ومصداقيّة في المستقبل القريب، وبعد سقوط أو انحسار، موجة القمع العسكري، الّتي تتآكل فرصها في الحياة والبقاء يوماً على إثر يومِ!
الموقف السلفي المتعاضد مع الجيش ينطلق من ثابت أساسي لديهم، هو اعتبار الديمقراطيّة صنواً للكفر، وهو موقف مشتقُ أصلاً من مواقف الأنظمة السياسية في الممالك والسلطنات، مهد الحركة السلفيّة، والّتي تعتبر الديمقراطيّة تهديداً جدّياً لها، فكيف إذا تم تأطيرها دينياً وفقهيّاً!
تتلخّصأ زمة العلمانيّة، في خسارتها للقواعد الجماهيرية، والانصراف الجماهيري عنها، إلى الحركات الإسلميّة، كنتيجة طبيعيّة للهزائم العسكرية والسياسيّة، أمام التحدّي الإسرائيلي، الّذي استمدّت شرعيتها، من الإدعاء بمواجهته، وحتميّة الانتصار عليه!
العلمانيّة السياسيّة لم تتوان هي الاخرى عن الاعتصام بالعسكر، تماماً كما فعلت’السلفيّة’، وذلك في مواجهة خصومها الإسلاميين، الّذين هزموها هزيمةً ماحقة، بالأدوات الديمقراطيّة، الّتي رفعت شعارها هي أصلاً، في معركتها المزعومة لإسقاط الديكتاتوريات!
اليسار بكافة فصائله، كان أكــــــثر أطراف العلـــــمانيّة السياسية انكشافاً، لا بل إنّه استبق الزمن بقفزه إلى صف الدكتـــاتوريات، قبل سقوطها بكثير، خلافاً لليبراليين، فنجد حزب التجمع المصري، يقف بقضه وقضيضه إلى جانب نظام مبارك، خلافا لحركة كفاية وحزب الوفد، على سبيل المثل!
وهكذا فبعد سقوط الديكتاتوريات، شرع الجميع في فرز أوراقهم، وتشكّلت تحالفات جديدة، وخلافاً لما يظنّه كثير من المحللين، فليست الدولة العميقة، بل إعادة الاصطفاف السياسي، هي الّتي مهّدت السبيل لولوج الجيش إلى المشهد!
العنف الّذي لجأ ليه الجيش، والتفويض المفتوح الّذي منحته إياه القوى العلمانيّة، دفع الأمور إلى الاستقطاب الحاد، والأزمة السياسيّة إلى ذروة المواجهة العنيفة في الشارع، وكسب التيّار الإسلامي جمهوراًجديداً، خارج دائرة الإخوان المسلمين، وها هي الحركة الطلّابيّة تقتحم المشهد، إلى صف التيّار الإسلامي هذه المرّة، بعد أن فقدت ثقتها في تحالف العسكر- العلمانيين، هذه القوى كانت وقود الحركات السياسيّة في التاريخ السياسي المصري، وهكذا خسر العلمانيون آخر حلفائهم، وكسبها التيّار الإسلامي، ولم يبق أمام الجيش إلّا البندقيّة العارية والقمع السياسي، الّذي سيرسّب عوامل سقوطه السريع، كما شهد التاريخ دوماً بذلك!
نزار حسين راشد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية