ثورات الربيع العربي فجرها الشباب ‘الغاضب’

حجم الخط
0

مصالح وهموم مختلفة كانت هي التي أطلقت ربيع الثورات الشعبية، كان هناك إحساس بالتهميش على مستوى فئات واسعة من البرجوازية الوسطى و الصغيرة، وقسم من البرجوازية الكبرى أيضا، وتجلى هذا في ‘الحراك السياسي والفكري’ السابق على هذه الثورات والتالي لها. عبرت شعارات الربيع العربي عموما عن هذه المصالح وتلك الرغبات تحديدا، في تحطيم كل الحواجزالتي تعيق الصعود الاجتماعي والسياسي لتلك الطبقات، وإن في صيغة شعبوية، تداعب خيال الطبقات المهمشة والمقموعة .. لكن الغضب والآمال التي فجرت الربيع الثوري هي أكبر من هذا بكثير، فقد كان الربيع العربي جزئيا نتاج لظاهرة يمكن تسميتها بظاهرة الغاضبين، وهي مجموعة كبيرة نسبيا من الشبان نمت خارج شبكة علاقات الهيمنة السائدة، جاءت من انتماءات طبقية مختلفة لكنها عمليا منسلخة اجتماعيا عن مرجعياتها الطبقية المفترضة، تبنت شعارات أكثر تحررية وجذرية ودخلت معترك النضال في سبيلها منذ عقد تقريبا، كفاية، 6 أبريل، الألتراس، الخ .. ولكفاحيتها المرتفعة واستعدادها العالي للتضحية التي انتقلت عدواها إلى الكثير من المهمشين والمقموعين، لعبت مجموعة الغاضبين هذه دورا رئيسيا في تفجير وإذكاء الثورات الشعبية، ولذلك تعرضت وتتعرض للقمع على يد كل أنظمة ما بعد الثورات ولمحاولات رشوة مستمرة كجزء من محاولات هذه الأنظمة لإنهاء الحالة الثورية واستعادة ‘الهدوء و النظام’ .. أما إذا تكلمنا عن الطبقات الأكثر فقرا وتهميشا فهي قد بقيت في الواقع خارج حسابات التغيير والصراع، رغم أن دورها كان حاسما في النجاحات الأولى للثورات الشعبية.
في الواقع لا يملك أحد أن يقدم لهذه الطبقات أي جديدا الإسلاميين ولا الليبراليين ولا ‘اليساريين’ التقليديين، جميع هؤلاء ينطلقون من نفس المنطلقات الاقتصادية والاجتماعية لأنظمة ما قبل الربيع الثوري، الأقرب إلى النيوليبرالية .. صعود الإسلاميين وتراجعهم السريع هو تعبير عن هذا الواقع، عن حقيقة أنهم لا يملكون مشروعا بديلا جديا. يجب ألا ننسى أن ظاهرة عبد الناصر والبعث في بداياتها ليست فقط ظاهرة سياسية ولا ظاهرة مفتعلة بالكامل، لقد كانت ظاهرة اجتماعية بامتياز، صحيح أن تلك الأنظمة قد عرقلت بحلولها السلطوية الفوقية تطور بديل تحرري شعبي حقيقي، لكنها مع ذلك تمكنت في بداياتها من تحقيق ارتفاع سريع في مستوى حياة الجزء الأكبر من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة من خلال الإصلاح الزراعي والتأميم وتدفق المساعدات من الغرب و الشرق الأمر الذي ساعدها على تثبيت قبضتها على مجتمعاتها، وهو ما عجز عنه الإخوان المصريون والتونسيون أو حاولوا أن يفعلوه بشكل مصطنع.
الحقيقة أن كل القوى السياسية الرئيسية اليوم لا تملك على الصعيد الاجتماعي أي شيء لتقدمه للطبقات المهمشة أكثر مما كانت تقدمه الأنظمة الاستبدادية ما قبل الثورات الشعبية، الأمر الذي يبرر نسبيا لا مبالاة هذه الطبقات من الصراع على السلطة بين الأخيرة و بين العسكر. الأكثر اتساقا بين كل هذه المشاريع هو مشروعي ‘فلول’ الأنظمة السابقة ومشروع الجهاديين، الأول لغياب البديل الفعلي عنها وعن سياساتها من زاوية مصالح الجماهير، ومشروع ‘الجهاديين’ الذي يعتمد على يوتوبياه بشكل كامل لتبرير مشروعه، لا تعود القضية هنا البحث عن حلول فعلية لأية مشاكل واقعية بل مجرد خلق تورابورا أو كوريا شمالية جديدة يعيش فيها الناس ‘بسعادة’ معتقدين أنهم يعيشون بشكل أفضل من الكفار أو البرجوازيين في الغرب، بكل بساطة لأن الوهم هو أربح و أسهل سلعة يمكن بيعها للفقراء والمهمشين بدلا من تحسين واقعهم. لذلك تبدو الجبهة الإيديولوجية والإعلامية وحدها هي الحامية في المشهد السياسي في بلداننا، ولذلك نجد الطائفية والتكفير أو التخوين هي اللغة المفضلة من أطراف هذا الصراع، وربما اللغة الوحيدة المتاحة للنخب في صراعها فيما بينها .. شعبيا، يبقى التعويل على تطور ما هو تحرري ونقدي في تجربة الغاضبين وقدرتهم على التواصل مع المهمشين الحقيقيين في مجتمعاتهم وقدرة الأخيرين على التملص من حبال الخطابات السائدة وسطوة صور المشهد وشباكه نحو مخرج تحرري حقيقي لواقع استلابها و تهميشها.
مازن كم الماز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية