ثورة العبقري المظلوم وأمجاد العرب في نهائي دوري أبطال أوروبا!

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: انتصرت عدالة السماء للمدرب الألماني توماس توخيل، بحصوله أخيرا على القليل من حقه المهدور سواء في وسائل الإعلام العالمية أو مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما لقن الفرنسي زين الدين زيدان، درسا لن يمحى من الذاكرة، في صدام تشلسي ضد ريال مدريد، الذي أقيم على ملعب «ستامفورد بريدج» في آخر ساعات ليلة الأربعاء الماضية، وانتهى بفوز مستحق لأصحاب الأرض بثنائية مع الرأفة، ليضرب فخر لندن موعدا مع الجار الشمالي العنيد مانشستر سيتي في نهائي «أتاتورك الأولمبي» يوم 29 من الشهر الجاري.

أن تكون الكرة عادلة
بصرف النظر عن ومضات الريال في الشوط الأول، كتسديدة كريم بنزيما وضربة الرأس القوية التي أبعدها الحارس السنغالي إدوارد ميندي ببراعة ورد فعل يُحسد عليها، فبوجه عام، يمكن القول إن أداء الفريق المدريدي لم يختلف كثيرا عن خيبة أمل الذهاب، أو بمعنى أكثر صراحة مع النفس، كان بنفس الصورة البائسة التي ودع بها البطولة على يد بيب غوارديولا الموسم الماضي، وقبلها في ليلة الإذلال الكبير أمام أياكس أمستردام. الفارق الوحيد أن القدر كان رحيما بجمهور الملكي، بمساعدة من الحارس تيبو كورتوا ورعونة مهاجمين البلوز في اللمسة الأخيرة أمام الشباك البيضاء، وربما لولا الفرص السهلة التي تناوب كاي هافيرتز وبولسيتش وكانتي في إضاعتها، لانتهى اللقاء بوصمة عار تفوق رباعية كبير الإيرديفيسي، لكن في نهاية المطاف، حقق توخيل الهدف الرئيسي وأوفى بوعده لعشاق ممثل الحي الراقي في غرب العاصمة، بتحويل المشروع «إلى فريق لا يتمنى أحد مواجهته»، وذلك في الوقت الذي كان يتعرض فيه لحملة تشكيك عجيبة في كفاءته وأفكاره كمدرب، وصلت لحد ربط انتصاراته في بدايته في «ستامفورد بريدج» بما يُعرف في الوسط الكروي «شهر العسل»، كما يحدث مع الكثير من المدربين في بداية عملهم مع فرقهم الجديد، خصوصا تشلسي الذي يملك شفرة مدربين الطوارئ، بتاريخ حافل من المدربين الذين رفعوا شعار «جاؤوا في طوارئ… فجعلوا إنكلترا وأوروبا في حالة طوارئ»، أشهرهم على الإطلاق الماكر الإيطالي روبرتو دي ماتيو، عراّب ذات الأذنين اللندنية الوحيدة.

وقد فعلها دي ماتيو بعد توليه الدفة الفنية خلفا لمن أعاده إلى النادي فيلاش بواش في العام 2012، ناهيك عن الطعن في بصمته في أعظم إنجاز حققه باريس سان جيرمان في تاريخه، بالترشح إلى المباراة النهائية التي خسرها أمام بايرن ميونيخ، في مباراة أقل ما يُقال عنها «متكافئة» أمام فريق كان يخشاه الكبير قبل الصغير في كل أرجاء المعمورة، إلا أن العدالة الإلهية لكل شخص مجتهد في مجاله، أرادت أن يحصل على المكانة التي يستحقها وبأثر فوري، باكتمال ملامح مشروعه الطموح في غضون 100 يوم، هزم خلالها منافسين بحجم جوزيه مورينيو قبل إقالته من توتنهام، ويورغن كلوب مع ليفربول، وبيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، وكارلو أنشيلوتي مع إيفرتون، ودييغو سيميوني بترسانة أتلتيكو مدريد مرتين، قبل أن يثبت عمليا أن التغير الجذري في شخصية وصورة تشلسي، ليس من قبيل الصدفة أو ضربة حظ، بل نتيجة عمل وتخطيط ودراسة، تجلت في التفوق الكاسح على زيدان وفريقه المشبع بالخبرات والتمرس على هكذا مواعيد، وذلك في اليوم التالي لخروج فريقه الباريسي السابق على يد الإعصار السماوي، بالتجرع من مرارة الهزيمة الثانية في غضون أسبوع، وبأداء فردي لا يقارن بالنسخة الجماعية التي كان عليها الفريق في حقبة المدرب السابق.

انقلب السحر على الساحر
بالنظر إلى الأسباب التي جعلت المباراة تبدو وكأنها من طرف واحد، سنجد أنها بدأت باختراعات وفلسفة زيدان الزائدة على الحد في اختياراته للقوام الرئيسي وخطة اللعب، معتمدا على الثلاثي ناتشو وسيرخيو راموس وإيدير ميليتاو في خط الدفاع، وعلى اليسار العائد من الإصابة فيرلاند ميندي كظهير جناح، وفي الجهة اليمنى فينيسيوس جونيور، وذلك بهدف خلق مكان لإيدين هازارد في التشكيلة الأساسية بجانب المهاجم الوحيد كريم بنزيما، وخلفهما ثلاثي الوسط المعتاد كاسيميرو ولوكا مودريتش وتوني كروس. لكن مع الوقت، وضح للجميع أن زيزو أراد فقط الاستفادة من نجومه العائدين من مستشفى المصابين، والدليل على ذلك المردود الباهت والاستجابة البطيئة للاعبين الذين تم توظفيهم في مراكز غير مراكزهم الأصلية، في مقدمتهم الجناح البرازيلي المراهق، الذي عانى الأمرين للتكيف على دوره في مركز الظهير الأيمن، تارة لعدم تمرسه واعتياده على واجبات هذا الدور الذي لم يشغله من قبل، وتارة لعدم دعمه أمام المثلث الشطرنجي المكون من بن تشيلويل وأنتونيو رودريغر وجورجينيو أو ماسون ماونت بالتناول. حتى فيرلاند ميندي، كان واضحا أن لياقته لن تسعفه للركض بطول خط الملعب، وما زاد الطين بلة، أن زيدان لن ينتبه للسقطة التكتيكية، بالإصرار على اللعب بثلاثة مدافعين أمام فريق لا يلعب بمهاجم صندوق (رقم 9)، رغم وضوح الخلل الكبير في المنظومة الدفاعية، خاصة بعدما تأكد من فشل فكرة الاعتماد على الكثافة العددية في الدفاع، بعد الغارات الزرقاء السهلة، التي تكررت عدة مرات، بضرب الدفاع الأبيض من العمق والأطراف بأقل عدد من التمريرات، والسبب وراء ذلك؟ فتش عن المصيدة التي رسمها توخيل وطبقها رجاله على أكمل وجه، بتحركات جماعية تدرس لفرض زيادة عددية على حامل الكرة من الفريق الإسباني، ولهذا عجز كروس ومودريتش على نثر الإبداع المعروف عنهما، ليس فقط لعدم وجود مساحات فارغة في الوسط اللندني، بل لتحجيم الاثنين بفرض حصار ثلاثي مكون من نغولو كانتي وجورجينيو وواحد من الثنائي ماسون ماونت أو تيمو فيرنر، لإجبار من يحمل الكرة على التخلص منها بأسرع وقت، وهذا في حد ذاته، بالكاد حرم الريال من قوته الضاربة، لتأثير ثلاثي الوسط الكبير على الأداء الجماعي والجمالي للفريق.

إفلاس وطموح
ولأن تحضير زيدان وإدارته للمباراة لم تكن جيدة على الإطلاق، قام بقتل فريقه إكلينيكيا، وذلك بمعالجة أخطاء الشوط الأول بجرائم كروية متكاملة الأركان في الشوط الثاني، على غرار ما فعله، بسحب فينيسيوس جونيور في منتصف الشوط الثاني، لإشراك ماركو أسينسيو، معها تأكد الجميع أن الفريق المدريدي لن يصل إلى مرمى ميندي إلا بمعجزة أو هدية من السماء، لخطأ المدرب المزدوج، بحرمان فريقه من اللاعب الوحيد القادر على مجاراة حيوية مدافعي البلوز، بسرعته ورشاقته وقدرته على المراوغة في مواقف لاعب ضد لاعب أو اثنين، وأسوأ من ذلك، أبقى على هازارد حتى الدقيقة 89، من دون أن يلاحظ أن فريقه يلعب وكأنه بعشرة لاعبين، للحالة الفنية والبدنية المتواضعة للغاية التي كان عليها الغالاكتيكو المزيف، لهذا السبب، جاءت تغييرات زيدان في الشوط الثاني بنتائج سلبية، على عكس المدرب الألماني الذي تفنن في استخدام أسلحته الفتاكة، وتطوعيها لمصلحة الفريق، لينكشف الفارق الشاسع على مستوى الجودة والتخطيط بين الفريقين، بتفوق أزرق يرتقي لكلمة «الاكتساح» الفني والبدني.
وهذا الأمر كان واضحا في الصراعات والمواجهات المباشرة بين اللاعبين، بداية بسيطرة قائد الدفاع تياغو سيلفا وروديغر على مكمن خطورة الميرينغي كريم بنزيما، مرورا بتحجيم وسط الريال وإجباره على اللعب السلبي، نهاية بالذعر الذي صدره أصحاب الحلول الفردية وعلى رأسهم كاي هافيرتز وماسون ماونت وبوليسيتش بعد مشاركته في الشوط الثاني لثلاثي الدفاع الملكي، حتى نغولو كانتي، تفوق على نفسه وعلى الجميع، بتنفيذ مهمة صاحب مهام اللمسة قبل الأخيرة كما يقول الكتاب، بانطلاقات عنترية، عجز مودريتش على إيقافها حتى بالقوة المفرطة واللعب غير الشرعي، كما شاهد الجميع في الصراع الخاص الدائر بينهما، الذي انتهى بانفراد صريح للنغولو، لكن كورتوا أنقذه بتصدي لا يصدق بقدمه اليمنى على طريقة حراس مرمى كرة اليد. في المقابل دفع زيزو ثمن إيمانه وثقته العمياء في رجاله المخلصين، بتكرار سيناريو خروجه أمام بيب غوارديولا النسخة الماضية، بالظهور بصورة الفريق العاجز أو المفلس، الذي يطمع في الحصول على زمنه وزمن غيره، رغم اتساع الفجوة بينه وبين الطامعين الكبار على ذات الأذنين، نتيجة وقوف فلورنتينو بيريز والجميع في مدريد محلك سر، بالتمسك بالأسماء القديمة التي تشبعت بالألقاب الكبرى، أمام خصوم يتسابقون في تطوير مشاريعهم، وهذا الأمر عكسه أداء الفريقين في مباراتي الذهاب والإياب، من خلال التفوق الكاسح الذي كان من الممكن استغلاله بسحق عملاق الليغا بنتيجة غير مسبوقة في تاريخه. وكما أشرنا أعلاه، الجزء الأكبر يرجع لتوخيل الذي منحته الحياة فرصة مستحقة لفرض نفسه ضمن صفوة مدربي العالم قولا وفعلا، يكفي أنه بات أول مدرب في التاريخ يصل إلى المباراة النهائية في عامين متتاليين مع فريقين مختلفين، وحافظ كذلك على سجله الذهبي أمام ريال مدريد، بالفوز عليهم مرتين من أصل 6 مواجهات مباشرة، لم يتجرع خلالها من مرارة الهزيمة، فهل يواصل على نفس النهج ويعيد محاكاة إنجاز روبرتو دي ماتيو؟ هذا ما سنعرفه يوم 29 الجاري.

أمجاد العرب
قبل 24 ساعة من صدام تشلسي وريال مدريد، كان النجم الجزائري رياض محرز يتصدر عناوين الصحف والمواقع الرياضية العالمية، بعد مساهمته في وصول مانشستر سيتي إلى المباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخه، بفضل ثنائيته الرائعة في شباك حارس باريس سان جيرمان كيلور نافاس في إياب ملعب «الاتحاد»، ليصبح أول لاعب عربي يتمكن من تسجيل 3 أهداف في مواجهتي الذهاب والإياب في نصف نهائي الأبطال، كأفضل مكافأة على أدائه الرائع هذا الموسم بوجه عام وفي الآونة الأخيرة على وجه الخصوص، إلى جانب ذلك، تأكد حصول لاعب عربي جديد على دوري أبطال أوروبا، في وجود محرز مع السيتي وجاره المغربي حكيم زياش مع الأسد اللندني، ما سيجعلها مباراة خاصة بينهما وبين المشجعين في مواقع التواصل الاجتماعي، بفريق جزائري داعم لرياض، ليكون ثاني جزائري ورابع عربي يحمل الكأس بعد رابح ماجر وأشرف حكيمي ومحمد صلاح، وآخر مغاربي سيقف في ظهر لاعب أياكس أمستردام السابق، ليكون ثاني مغربي يتوج بأعرق بطولات القارة العجوز، لكن في الأخير، سيكون الجميع من المحيط إلى الخليج سعداء بالفائز العربي الجديد بالبطولة التي يحلم بها كل نجوم وأساطير اللعبة.

الفردية والفلسفة الجديدة
بإلقاء نظرة سريعة على أسباب تفوق مانشستر سيتي على باريس سان جيرمان في موقعة «الاتحاد» في مانشستر، سنلاحظ أنها لا تختلف كثيرا عن ملاحظات مباراة «حديقة الأمراء»، أهمها الاحتفاظ بالكرة واللعب السلبي، بالاعتماد على مهارة نيمار وحلول دي ماريا. في المقابل، قام بيب غوارديولا ورجاله بما يفعلوه في كل مباراة، بضغط هائل على المنافس من لحظة خروج الكرة من قدم الحارس، اذ كان يتسبب دائما في قطع الكرة قبل مرورها إلى وسط الملعب، وحتى عندما كان ينجح فيراتي وباريديس في الخروج بالكرة إلى ما بعد دائرة منتصف الملعب، كان نيمار يضطر للجوء الى الحل الفردي، للخروج من ورطة عزله وإبعاده عن دي ماريا والحاضر الغائب إيكاردي، بينما الفريق الإنكليزي، لعب بطريقة متوازنة بين الدفاع والهجوم، برباعي يقظ بقيادة روبن دياش وجون ستونز في محور الدفاع، وعلى اليمين ووكر وزينتشينكو على اليسار، مع الاعتماد على انسجام محرز وبيرناردو سيلفا وفل فودن، بتحركات رائعة بالكرة وبدونها، والأخطر التنوع في أساليب الهجوم بسبب اللا مركزية والتناوب في المراكز بين هذا الثلاثي ومعهم العقل المدبر للغارات كيفن دي بروين. الشاهد أنها كانت مباراة شبه كربونية للشوط الثاني في مباراة الإياب، الفارق أن باريس سان جيرمان واجه مشاكل أكبر وأكثر تعقيدا لرؤية الحارس إيدرسون في غياب كيليان مبابي، باستثناء رأسية ماركينيوس التي ضربت قمة العارضة، وتصويبة دي ماريا التي ارتدت من القائم الأيسر، أما غير ذلك، فالنتيجة كانت مستحقة، لتفوق بيب على ماوريسيو بوتشيتينو في صراعهما خارج الخطوط، والمفارقة أن المدرب الكتالوني انتصر بفلسفته الجديدة، التي لا تعتمد على الاستحواذ، مثل توماس توخيل، الذي يقدم لنا مع تشلسي نسخة مختلفة عن هوسه القديم بالاستحواذ على الكرة، فمن يا ترى سيفرض أسلوبه في سهرة «أتاتورك الأولمبي»؟ دعونا ننتظر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية