أجمل ما في الشعر بساطته، وسهولة وصوله إلى متلقيه الذي يحسّه ويتأثر به، وكأنه يعبّر عنه هو وحده دون سواه. والشاعر الجيد مكتمل الأدوات هو الذي يُعبّر عن هموم الناس، آلامهم وآمالهم، جاعلاً منهم أبطالاً من لحم ودم، يتحركون خلال قصائده وأبياته الشعرية، دون أن يتحوّل نَصّه إلى ما يشبه الخواطر السردية، التي غالباً ما يمرّ على محطتها كثير من المبتدئين في عالم الكتابة. في ديوانها «ثورة وحائط نعبره» الصادر عن دار شرقيات، تؤكد الشاعرة صفاء فتحي، أن الشِّعر ما هو إلا تعبير عن نبض الناس وأحاسيسهم، وما يحيط بهم من أحداث، جاعلة القصيدة ببساطتها، التي قد تصل أحيانًا إلى حد المباشرة، جسراً مرناً يربط بينها وبينهم. ويظهر ذلك بوضوح في قصيدتها «الفرح ليس بمهنتي» التي استعارت اسمها من الشاعر محمد الماغوط وأهدتها إليه إذ تقول:
قال الفرح ليس بمهنتي
وأنا قلت مهنتي
أن أعجن الفرح في صحن
لعمل هذا الخبز الذي تصيح من أجله الصوات.
وهنا يتبدى إحساسها بالآخرين الذين ترى معاناتهم واحتياجهم. فتحي في ديوانها هذا تكتب عن ذاتها، مثلما تكتب عن الذات الجمعية، التي لا ترى فرقاً ولا فارقاً بينهما. في قصيدتها «أريد أن أقول أنا أعرف الطريق إلى الجنة» تقول الشاعرة:
أريد أن أقول إني أكتب عما فاتني،
عن دمي الذي ضاع،
عن ضحكتي التي دخلت القناع،
عن تلك الفتاة التي طُردتْ
لأنها تأوّهت بالقرب من كثبان القمح
وهي تدفع بالسر إلى أفواه البنات،
عن البنت التي كانت ولم تكن الآن.
هنا نلاحظ أن فتحي تكتب عن عذابات الأنثى، التي تعترض طريقها، عن علاقتها بمجتمع محيط لا يدرك المعنى الحقيقي لكلمة حرية، عن أناس يظهرون شيئاً ويبطنون أشياء أخرى. ولهذا هي تحاول دائما التعبير عن رغبتها في الانتقال/ العبور من حالة تقاسي منها إلى حالة تَأْمل في الوصول إليها:
في الشارع الواسع ركضت وهي تحاول العبور.
في قصيدتها «مينا ومحمد دم وماء» تصور الشاعرة حالة التماهي التي جمعت طوائف الشعب المصري مسلميه بمسيحيّيه أثناء الثورة:
أما المسيح فسيبعث من جديد في التحرير
في ماسبيرو
في طلعت حرب
في صينية الوادي
في عزبة النخل
في منشية ناصر
وفي حدائق الأهرام
كي ينمو من سره أخ لي وأخ لكَ وأخ لكِ
أخ واحد من الأصيل إلى الغروب ولن يمشي عليه النمل.
فتحي تكتب أيضاً عن شارع محمد محمود، الذي شهد الكثير من فعاليات الثورة، وعن قناص العيون وعن الشهداء:
حيث البريء شهيد
حيث القاتل يهيم على وجهه وينهال عليه التراب
يموتون هم ونحن نعيش.
وفي قصيدتها «الشَّعر» تندهش الشاعرة من التصاق العواجيز بكراسيّهم في ما يرحل الشباب إلى القبور مضحين بحياتهم في سبيل وطنهم:
الشعور السوداء في القبور والبيضاء على الكراسي الجلد.
وتأخذ الثورة مساحة كبيرة من الديوان، إذ نرى تركيز الشاعرة على أحداثها ويومياتها تقريبا:
الثورة كلمة ضاعت في الرمال،
وجدتها على رصيف بارد،
حملت عظامي،
خبأت الفرح في كتاب والدموع في كوب وضعته على النافذة.
وفي مشهد شعري بسيط ومكثف تصف الشاعرة علاقة الشعب المصري بالإخوان فتقول: أخذني سائق التاكسي حتى العباسية ومد يده ليصافحني، هو وأنا تفاصيل تتعارف في فراغ المدينة في عام 11 وألفين، هو يمثل الإخوان وأنا ما عداهم من الآخرين. أما في قصيدتها لقطات فتحاول فتحي أن تسجل يوميات الثورة، قبل وبعد يوم 28 يناير/كانون الثاني 2011. ومن الملاحظ أن وهج قصائد الشاعرة صفاء فتحي في ديوانها هذا، يتأرجح مؤشرها صعودا وهبوطا، في محاولة دؤوب، للوصول إلى قصيدة مكتملة الأركان.
كاتب مصري