جاء إلى العراق يحمل صليب القدس والأدب الإنكليزي جبرا إبراهيم جبرا الأديب الكبير الفلسطيني-العراقي

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
3

أولئك الماهدين الأوائل الذين كانوا من أوصل إلينا الكثير مما نجده اليوم مألوفاً في ثقافتنا الحاضرة، والأدبية منها على وجه الخصوص. ففي الأمثال الفرنسية قولهم: الحُبُّ يُنسي الزمنَ. ومقلوب هذا الكلام يصحّ أيضاَ: الزمنُ يُنسي الحُبَّ. لكن الزمن يجب أن لا يُنسينا قولَ بعض حكماء العرب: من علّمني حرفاً ملكَني «صديقاً» مع الاعتذار عن تحريف كلمة»عبدا» إلى «صديقاً» لكي نُرضي أصحاب السياسة في دعواهم أن العبودية قد انتهت إلى غير رجعة!
ومن أول الماهدين إلى ثقافتنا الأدبية الحاضرة الأديب الكبير، الفلسطيني- العراقي جبرا ابراهيم جبرا، الذي رحل إلى عالم أفضل من عالمنا في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر الثاني عشر والأخير من السنة.
جاءنا إلى بغداد بعد الطوفان الأخير، يحمل صليب القدس، شاب في أواخر عشرينياته، وفي يده ماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعه كمبرج العريقة. كنّا في السنة الأولى في دار المعلمين العالية، الكلية الوحيدة في العراق في تلك الأيام التي تدرِّس الآداب واللغات. وكنا نأمل أن يدرِّسنا الأدب الانكَليزي، لكن رئيس القسم البريطاني الطيار العملاق لم يسمح لهذا الفلسطيني، غير الإنكليزي، القادم إلينا بتدريس الأدب الانكليزي، لكنه قال إن الأفضل للقسم أن يقوم بتدريس الترجمة. وفرِحنا لذلك لأن دروسه في الترجمة كانت «تدريباً» على الترجمة يدعمها «تدريس» الأدب الانكليزي، لأنه كان يختار نصوصاً من الأدب الانكليزي يقوم بتفسيرها لنا قبل البدء بترجمتها، فكان بذلك «يدرِّس» الأدب الانكليزي بالدرجة الأولى. وعن طريقة تلك الدروس تعلّمنا الكثير عن الرومانسية، الرمزية، وعن فنون الرسم والنحت قبل أن تتوسع معرفتنا بالآداب والفنون الحديثة من ما كان يلقيه من محاضرات عامة في الساعة العاشرة من يوم الخميس في القاعة الكبرى في الكلية.
ولم يقتصر تأثير هذا الماهد الكبير على حدود الكلية بل امتد إلى المجال الثقافي في بغداد، التي كانت تزدهر في أواسط الأربعينات. ففي مقهى البرازيلية في وسط شارع الرشيد، عصب الحياة في بغداد الأربعينات، كان يجتمع عدد من الأدباء والشعراء يتناقشون في شؤون الشعر والأدب ، ويتحلّقون حول هذا الأديب القادم من الغرب، يسألونه عن الشعر والأدب والموسيقى والفنون في بلاد الغرب، وأغلبهم لم يكونوا من أصحاب اللغات، وكانت معرفتهم بالثقافة الغربية تقوم على القليل من ما تُرجم إلى العربية، وما ترفدهم به مطابع بيروت ومصر. وعن طريق هؤلاء الأدباء والشعراء تعرّف جبرا على جواد سليم فنان العراق لجميع العصور وأسس معه «جماعة بغداد للفن الحديث» عام 1951. وإلى البرازيلية كذلك تسلل حسين مردان، عامل الطين اليومي القادم من بعقوبة، مصمماً على أن يكون «بودلير العراق» لأنه يمتلك موهبةً شعريةً فطرية. هنا التقط حسين مردان ما قاله جبرا أنه قد ترجم فصلين من كتاب جيمس فريزر عن أساطير العراق القديم، ولكن المخطوطة بحاجة إلى «تبييض» قبل محاولة تقديمها للمطبعة. فتبرع حسين مردان أن يقوم بالمهمة، وتبع جبرا إلى «نزل السيدة أمل» حيث كان جبرا يقيم، وانبطح على الأرض على بطنه وراح يبيّض المخطوطة فكان بذلك أول من قرأ «تموز وأدونيس». ثم حمل المخطوطة إلى المطبعة وظهرت في حدود عام 1950.
وإلى البرازيلية تسلل كذلك الشاعر الشاب الصاعد، بدر شاكر السيّاب. كان السيّاب قد انتقل من قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية بعد سنتين ليقضي سنتين في قسم اللغات الأجنبية ثم يتخرج على أمل أن يتعلم ما كان يتمنّى أن يتعلّمه من الشعر الإنكليزي. ولكن الواقع أنه لم يتعلّم الكثير، لأن القسم لم يكن يقدّم الكثير من الشعر الانكليزي أو النقد، فالتركيز كان على تعليم اللغة والكتابة حسب القواعد اللغوية. فوجد الشاعر بدر ضالّتَه في مصاحبة جبرا، فصار يلاحقه في البرازيلية وفي داره في الأعظمية يسأل ويستفسر ويطلب شروحا وتفسيرات لمقاطع في مسرحيات شكسبير أو لقصائد الرومانسية الانكليز، والرجل يستجيب لما يطلب الشاعر الشاب برحابة صدر وكرم، كأنّكَ تُعطيه الذي أنت سائِله، بعبارة زهير بن ابي سُلمى. ولكن الرجل لم يُشِر إلى ذلك قط في كتاباته أو محاضراته. ولسبب لا أعرفه كان بدر معجبا بالشاعرة الأرستقراطية الإنكليزية إيدِث سِتوِل، وشعرها ليس من السهل تذوّقه حتى على أبناء اللغة الانكليزية أنفسهم. فراح بدر يلحّ في أسئلته عن شعر سِتوِل، واستعار مجموعتها الشعرية من أستاذنا لكي يدرس قصائدها بإمعان، ولم يَعُد الكتاب إلى صاحبه، وأحسَبُ أنه كان النسخة الوحيدة في العراق. ولا أحسب أن موضوع القصيدة قد استهوى بدراً ولكنه التقط: «ويهطل المطر» مطر القنابل الألمانية على مدينة لندن في الحرب العالمية الثانية، مع نبرة الحزن السائدة في القصيدة، فأحالتها شاعرية بدر إلى: مطر، مطر، مطر، ويهطل المطر، في قصيدته الكبرى «انشوده المطر».
ومن نوادر كرَم النفس والتواضع عند جبرا حكاية تأليف رواية «عالَم بلا خرائط» بالاشتراك مع الدكتور عبد الرحمن منيف. ففي ليلة شتاء عاصفة مجنونة من ليالي بغداد، رنّ جرس الهاتف في دارنا بحي الجامعة ببغداد فعجبتُ من يكون الزائر في مثل هذه الليلة. وإذا به أستاذنا الأثير يبادرني بالسؤال ضاحكاً: راحت علينا هذه الليلة؟ لن نستطيع الخروج إلى شارع 14 رمضان لنتصيّد ما تبقّى من الطماطم والخضار أو البيض من الدكاكين «الحكومية». وسألني ما لم أكُن اتوقّعه: هل تعرف اثنين من الكتّاب اشتركا في تأليف رواية واحدة؟ فقلت له أنا أعرف كما أنت تعرف أن اثنين أو أكثر من المسرحيين في العصر الإليزابيثي قد اشتركوا في تأليف مسرحية واحدة، بمن فيهم شكسبير نفسه. ولكن ما مناسبة هذا السؤال؟ قال: قرّرنا أنا ودكتور عبد الرحمن منيف تأليف رواية بالاشتراك ونريد رأيك بذلك، إذ أنني سأكتب بعض الصفحات وأعرضها عليك لبيان الرأي ثم أرسلها إلى الدكتور عبد الرحمن منيف ليكتب صفحات أخرى ويعرضها عليك للتعليق، ثم ترسلها إليّ لأكتب صفحات أخرى، وتستمر العملية. إزداد عجبي وذهولي أن أستاذي يطلب من تلميذه رأيه في ما يكتب. ولكنني تمتّعتُ بالعملية في مسارها إلى يوم غادرتُ الجامعة وبغداد، وبعدها بقليل صدر الكتاب وقد عملتُ جهدي لأ تبيّن كاتب هذه الصفحات أو تلك، فلم أستطع وأنا أعرف الإثنين معرفة جيّدة. والآن أسال القارئ: هل يستطيع أن يتبيّن كاتب هذه الصفحات من تلك، أو هل سمع بمثل هذا التواضع وكرم النفس؟
ولابد من الختام بمثال رائع من تواضع الراحل وكرم النفس عنده. ففي عام 1981 أقامت بغداد مؤتمراً لتكريم الأدباء والشعراء برئاسة الدكتور سهيل إدريس وكنتُ أنا في لجنة الشعر التي أعطت الجائزة إلى شاعر العراق البارز عبد الرزاق عبد الواحد. وقررت لجنة المُحكِّمين منح جائزة الرواية والقصة إلى جبرا وكاتبٍ من بلد عربي آخر مناصفةً، على أن تُعلن النتائج بعد يومين. ولكن فوجئنا في الغد بجريدة كبرى في بلد عربي شقيق، تعلن بالخط العريض: لقد بات في حكم المؤكد فوز الدكتور فلان الفلاني بجائزة بغداد للرواية والقصة. فلمّا أُعلنت النتائج بفوز جائزة الرواية والقصة مناصفةً، استشاط غضباَ الدكتور فلان الفلاني و«طيَّر برقية» إلى رئيس البلاد يومها تقول: «أنا مش نص بني آدم علىشان تدّوني نص جائزة». فضحك سيادة الرئيس وأطلق ضحكته المُجَلجِلة المعروفة وقال: «يُعطى كلٌّ منهما جائزةً كاملة. كلاهما يستحقّان». لكن جبرا قال: «من حق الدكتور أن يغضب فهو أسبق منّي بالكتابة».
هل ثمّة من يتكرّم ويخبرني عن مثال مُشابه في التواضع وكرم النفس؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية