منذ بدء الحراك الفعلي، من مظاهرات 22 فبراير التي أظهر فيها الشعب الجزائري قوة استثنائية من ناحية التنظيم والوعي، لمواجهة غطرسة العصابة التي استولت على مقدرات الشعب الجزائري. مجموعة بشرية صغيرة معروفة لدى القاصي والداني وضعت البلاد بكل خيراتها بين أنيابها، وكل من يقربها أو يحاول فضحها يدفع الثمن غالياً. الكثير من الإطارات في البنوك وفي المؤسسات الوطنية الكبيرة وجدوا أنفسهم مجرورين نحو المحاكم في ظاهرة غير مسبوقة، والكثير منهم غاب بشكل فجائي في عمق السجون، بعضهم حمل حقائبه وغادر البلاد لأنها لم تعد له ولا لأولاده، والبعض الآخر بقي هناك متحملاً اليوميات الثقيلة لنظام كل يوم يتآكل قليلاً..
فجأة تغير كل شيء، بدأت النداءات للنزول إلى الشارع لرفض العهدة الخامسة التي أفاضت الكأس نهائياً. هل يعقل أن يستمر رئيس متعب صحياً إلى درجة الشفقة عليه، في إدارة شؤون البلاد، وهو لم يكلم شعبه في عهدة بكاملها، العهدة الرابعة. صوت الرئيس يصل عن طريق الوسطاء الذين سرقوا منه السلطة وحتى صوته، الأمر لا يحتاج إلى كبير تفكير، فقد تكون جيش من المستعاشين حول العصابة التي اختطفت البلاد واختطفت الرئيس نفسه، وتحولت الجزائر كلها إلى مزرعة بائسة، ولولا أموال الطفرة النفطية التي ساعدت على تجاوز الأزمة الاقتصادية لانهار كل شيء، لكن السلم المدني تم شراؤه برفع الرواتب، وكان ذلك مجرد مرحلة انتقالية، إذ سرعان ما عادت كل المشكلات إلى الواجهة: البطالة، ومشكلات السكن، وغلاء المعيشة وغيرها. وبدل التفكير في الحلول الاقتصادية الناجعة، بدأت الجزائر تميل نحو اقتصاد البازار الذي لا يقدم أي حل وطني، لأنه بلا أفق حقيقي، ولا يسمح للبلاد بأن تتقدم خطوة واحدة. على العكس، التقهقر المستمر هو الذي طبع الفترة الأخيرة. الناس كانوا يأملون في تغيير سلمي يسمح للبلاد بالتقدم، لأن خيرات الجزائر الطبيعية تسمح لها بذلك، إضافة إلى خزانها الشباني القادر على كل شيء، لكن لم تتح له فرصة السير ببلاده إلى الأمام، مثلما حدث لسابقيه الذين أجبر الكثير منهم على المغادرة، المثقفون نحو المواقع العالمية حيث تقدر مواهبهم فتجلوا هناك وأبدعوا بشكل واضح في المجالات الطبية المتخصصة جداً، والتقنية الأكثر تعقيداً مثل النازا، وفي المجال المعرفي العام. مع أن غالبيتهم تحمل جرحاً عميقاً في داخلها. أيننا من العهدة الأولى التي كان يحاول الرئيس أن يأتي بكل هذه الدياسبورا إلى وطنها مع وعد أن يوفر لها فرصاً للعمل قريبة مما كانت تعيشه في أوروبا. وكونت اللجان لذلك، التي تحولت بسرعة إلى وكالات سياحية تأتي بالمغتربين نحو الصحراء كأنهم أجانب يكتشفون أرضهم من جديد، بينما المطلوب كان هو الاستفادة من عبقريتهم في مجالات تخصصهم. حدث هذا في كل المجالات، ولم يفد المشروع إلا أصحاب الاستنزاف المالي. بدءاً من العهدة الرابعة، سقطت الجزائر كلياً في أيدي العصابة وأصبح كل شيء يمر عبرها، هي من يحدد ما يجب فعله، في ظل غياب الرئيس الذي تحول إلى مجرد غطاء لممارساتها المشينة، وكأن العصابة كانت في سباق ضد الساعة، النهب إلى أقصى حد ممكن، في الزمن المتبقي. وتم تفريغ محيط الرئيس من كل شيء، حتى أن بعض المستشارين تحولوا إلى مكاتب لتهيئ خطابات الرئيس لا أكثر، الاستشارة لم تعد منهم حتى ولو حملوا هذه الصفة التي جيء بهم من أجلها، ورؤية الرئيس نفسها أصبحت مستحيلة. الأحزاب أصبحت تلعب في حلبة النظام مشكلة سرباً من الانتهازيين، باستثناءات قليلة. وبدل التوجه نحو تطوير العلاقة السياسية تم تدمير الأحزاب التي حملت على ظهرها الدفاع عن الجزائر في فترة الإرهاب الأعمى، وتم كسرها من الداخل، وأصبحت مسألة شراء الذمم وسيلة يومية للقهر، من أجل الولاء للعصابة.
صمت الشعب لأن نموذج الثورات العربية لم يترك للمعارضين إلا الصمت، إذ لا يمكن الدفع بالبلاد إلى مغامرات خطيرة. وحافظ النظام على حالة الخوف، وجعل منها الخبز اليومي للجزائريين، لكن وصل الأمر بالسخرية بالعقل الجزائري إلى أقاصي حدوده، وعلى الرغم من الرفض الشعبي من ترشيح رجل لم يعد قادراً لا على التحرك، ولا على الكلام، ويظهر على الشاشات في وضعية إجرامية لا تقدر لا سنه ولا مرضه، ولم يبق من حل آخر إلا النزول إلى الشوارع. وعلى الرغم من التخويف، كانت التجربة استثنائية ومدهشة، وكان الشعار الأكبر «لا للعهدة الخامسة». فاجأ الجزائريون الذين منعوا من التظاهر لسنوات عديدة، كل المتابعين للشأن الوطني، بقوة التنظيم، بل وجماله وذكائه. اهتزت فجأة أركان النظام، فتخلى الرئيس في رسالته للرد على الحراك، عن العهدة الخامسة نهائياً، لكن العصابة أثقلت رغبة التخلي الرئاسية بسلسلة من الشروط تضمن لها الاستمرار لسنة أخرى لتحضير مغادرتها أو تغيير جلدها. جاء ت مظاهرة 8 مارس لتؤكد على شيئين، رفع سقف المطالب، ورحيل العصابة الفوري عن السلطة. وبدأت المظاهرات تتنامى بينما ظلت العصابة تراهن على وهن الحراك وتراجعه، فتصاعد من 12 مليون مشارك في المظاهرات، إلى 15 مليوناً، إلى 17 مليوناً في المظاهرة الأخيرة، وكلها بينت قوة التنظيم وجماله وتحوله إلى حالة إدهاش عالمية لم يعهدها العالم العربي ولا العالم الحديث. كلمة «سلمية» أصبحت حقيقة وليست كلاماً عاماً. لم تشهد الجزائر في كل تاريخها مظاهرات بهذا الحجم، وهذا الوعي، وكأننا كنا أمام شعب آخر: السخرية القاتلة والرقيقة والجميلة ظهور سلسلة من الأغاني المنتقدة للعهدة الخامسة من عمق الحراك، لشباب حرموا من القنوات الوطنية التي استولت عليها الرداءة والحسابات الضيقة والمحسوبية والابتزاز الجنسي. الأغاني في عمق المسيرات، وكأننا في أعراس يشترك فيها الطفل والشاب والشيخ، مطلب واحد: مواطنة حقيقية، وجزائر أجمل، لدرجة أن تساءل الكثيرون: أين كل هذا الشعب الجميل الذي يتظاهر، ويحمل الورود، اللبق، الذي ينظف الشوارع بعد انتهاء المسيرات. لدرجة أن أفراداً من الشرطة المضادة للشغب التحقوا بالشعب على صوت: «وان تو تري، فيفا لالجيري»، وعلى وقع البارود والزغاريد. على مدى خمس أسابيع من حراك الملايين، لم تسجل ضحية عن طريق الخطأ. في كل أسبوع، يمنح الشعب الجزائري درساً جديداً في الإبداع والخلق والجمال في حراكه. يستحق هذا الشعب جائزة نوبل للسلام. يستحقها بامتياز.