في وقت متأخر من بعد ظهر تموز/يوليو 1960 وبعد مكالمة هاتفية أجراها الفنان الفرنسي جان جاك لوبيل مع السريالي السويسري جان إيف تينغالي وبمساعدة صديق، ألقى لوبيل منحوتة أنجزها تينغالي في قناة ديلا جوديكا – البندقية/ إيطاليا، وشاهد هذا الحدث المثير نحو 60 شخصاً. ما حصل كان جزءاً من حدث سريالي أكبر بدأ في بالازي كونتاريني كورفو في منطقة فينيتو شمال شرق إيطاليا، حيث توافد المتفرجون استجابةً لبطاقة دعوة صغيرة كُتِبَ فيها: «ما وصفَهُ الفنان الأمريكي آلان كابرو لاحقاً بأنه أول حدث على الأرض الأوروبية، كانت طقوسَ دفنٍ أو حدثاً تذكارياً لنينا ثويرين الشابة الإيطالية التي قَدِمتْ من البندقية إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعيش مع والدها ودراسة الأنثروبولوجيا في لوس أنجلوس وتعرَّضتْ للاغتصاب والقتل من قبل جار والدها الذي كان يبيع نسخاً من الكتاب المقدس، قبل فترة وجيزة من ذاك الحدث».
وباعتبار نينا ثويرين جزءاً من مشهد الفنانين الشباب وصديقة للوبيل آنذاك، وضع تينغالي أعمالَه التي شارك بها تحت تصرُّف المنظِّمين وهو يعلم جيداً أنه نادراً ما يتم بيع أي شيء. كانت تعليماته بشأن احتمال أن يكون تمثاله من بين تلك الأعمال التي لم تَجِد مشترٍ (غامض) مختَصَرةً بجملة قصيرة: «فقط قمْ برميها في القناة». عندما سمع لوبيل نبأ مقتل نينا ثويرين، سعى للحصول على موافقة تينغالي لدفن العمل، ونَظّم مقّدمة للحدث في شكل قراءات في بالازي كونتاريني كورفو، فقرأ لوبيل نَصّاً للماركيز دو ساد، ثم تلا الأمريكي آلان أنسن مقتطفات من نص «الملعون» لجوريس كارل هويسمانز، بعدها تَعَرَّضَ تينغالي نفسه للطعن (المسرحي) بالنحت بغطاء شاحب (كترميز شفاف يشير إلى الإكليروس)، تلاه موكبٌ من «المُعَزِّين» وحمل أربعة رجال العمل «المقتول» إلى قارِب كبير سارَ عبر القناة الكبرى، وتبِعَهُ المزيد من القوارب لنقل الضيوف. في النهاية شَكَّل (الأسطول الرمزي) دائرةً وتمَّ إنزال التمثال ببطء في مياه البحيرة. في ذات العام تم استبعاد لوبيل من الحركة السريالية مع الشاعر والناقد الفرنسي آلان جوفروا في عام 1960، بعدما تمحورت حياته المهنية التشكيلية بأكملها هناك، ومع ذلك فقد تأثرت معظم أعماله بفكر أندريه بريتون، ماكس إرنست، ومارسيل دوشامب.
من استقلال الجزائر
إلى حرب العراق
يعتبر لوبيل فناناً مخضرماً وشخصيةً رمزية لجيل «الثورة الثقافية» لفناني الستينيات من القرن الماضي وأحد «المهربين» الرئيسيين لجيل الـ Beat Generation أي الحركة الأدبية التي بدأتها مجموعة من المؤلفين وثارت أعمالهم الفنية على السياسات الأمريكية والأوربية وتركت أثرها بشكل واضح على النبض الثقافي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكَردَّة فعل على المناخ السياسي في ذلك الوقت وخصوصاً بعد اغتصاب وتعذيب القوات الفرنسية للممرضة السابقة والمقاتلة الجزائرية من أجل الحرية جميلة بوباشا. في الحقيقة لم تكن جميلة معروفةً للوبيل شخصياً، لكن التعذيب الذي تعرضت له والذي رعته الدولة الفرنسية التي كان بعض ضباطها متورطين بتعذيب وقتل عشرات الآلاف من المقاومين الجزائريين، كانت قد ألهمته لبدء رسم لوحة جماعية كبيرة مناهضة للفاشية، على نطاق واسع في استوديو ميلانو روبرتو كريبا. وسرعان ما انضم إليه أربعة رسامين ثلاثة إيطاليين هم إنريكو باج، وجياني دوفا وأنطونيو ريكالكاتي والفنان الأيسلندي إررو. عُرضتْ اللوحة الجماعية الضخمة المتمردة في ميلانو عام 1961، وتم تمزيق نقَّالتها وطَيِّها واختطافها من قبل قوات كارابنييري (القوى الأمنية التي كانت تعتبر السلك الأول في الجيش الإيطالي) وأخفتها لمدة 26 عاماً على أحد الرفوف قبل أن يتم تسليمها بعد فترة طويلة للفنانين. إلا أن ليبيل رَمَّمها ليعرضها لاحقاً في فيينا، ستراسبورغ، هامبورغ، باريس، نانت، مدريد والأهم في الجزائر. وهو ما أكده لوبيل خلال حواره مع أندريس باردي أمين متحف تينغالي في بازل والذي شدد فيه على دور الفن كواحد من أدوات الضغط على الحكومات التي تكيل بمكيالين، إذ كيف لجندي فرنسي يقاتل تحت راية العلم الفرنسي وتحرر من النازية منذ عدة سنوات، أن يقاتل ضد شعب يريد التحرر من الاستعمار!
أما عن غزو الجيش الأمريكي للعراق يقول ليبيل: «عندما غزا الجيش الأمريكي العراق أثناء إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، استولى على سجن أبو غريب سيئ السمعة بالقرب من بغداد، حيث تم اعتقال وتعذيب معارضي نظام صدام حسين. في عام 2003، دارت عجلة التاريخ بضع درجات، وحان دور أنصار صدام ليتم حبسهم هناك ليتعرضوا للتعذيب والاغتصاب وجميع أشكال الانتهاك الجنسي والإذلال الشديد على أيدي العسكريين الأمريكيين بالزي الرسمي. المكون الجديد الوحيد لهذه المأساة الأبدية على ما يبدو هو مجموعة الصور التي التقطها الجلادون الأمريكيون أنفسهم، والتي تقدم دليلاً على سلوكهم الإجرامي، والتي نشروها بفخر على الإنترنت ليراها الجميع. هذه الوثائق التاريخية الأصيلة، التي ما تزال متاحة بسهولة، تشكل أساسَ تركيب المتاهة الخاص بي. لقد قمتُ بطباعة وتوسيع اللقطات الملونة التي أخذها الجلادون، وخَلطْتُها بالصور الصحفية بالأبيض والأسود لمدن عراقية دمرتها القوات الجوية الأمريكية بالكامل حيث لم ينج من هذه التفجيرات أي من السكان. بعدها أعلن جورج دبليو بوش نجاح عملية (تحرير) العراق أمام لافتة عملاقة كُتب عليها (أُنجِزتْ المهمة) الهدف من هذا المشروع هو حث المشاهد على التأمل في عواقب الاحتلال والغاية منه».
مانيفستو مناهضة الإكليروس
شكل مانيفستو ANTI-PROCESS تجسيداً رداً حقيقياً على الجريمة التي اقترفت بحق نينا ثويرين بغطاء إكليروسي وبَلوَرةً للأفكار التي نادى بها الكثير من السرياليين وعلى رأسهم آلان جوفروا وجان جاك لوبيل.
يبدأ المانيفستو بمقولة سريالية للفنان الفرنسي فرانسيس بيكابيا: «الأكاذيب هي الحلفاء الموثوق بهم أخلاقياً، الأخلاق هي تدمير الإنسانية!». ومن بعض ما جاء فيه: «يهدف هذا العرض مع أحكامه الأخلاقية، إلى تسريع الحركة التي ستنطلق في وقت واحد في جميع أنحاء العالم لمقاطعة الفن (الرسمي) الذي ينبغي مقارنته مع تَمزُّق مستقبلية كاندينسكي منذ عام 1910 والحركة الدادائية التي بدأت عام 1916 وانتهت بعد ثلاث سنوات. يمر الفن اليوم بأزمة مماثلة، لقد أُلغيت جميع الفروق بين الأنواع الأدبية للسريالية، تلك التي نجحت في الماضي بجذب آرب وميرو ودالي وإرنست، وقد علمتنا أن ندير ظهورنا لجماليات الضرورات والاستثناءات. على العكس من ذلك، نحن نؤمن بالضرورة المطلقة لفن لا يشكل من أجله الرسم والشعر والموسيقى سوى صرخة واحدة، صرخة نشوة الإنسان بأكملها، نحن نعارض ظهور أي «اسم» جديد فاعل تابع لما مضى أو يعبد ماضيه ويستثمر فيه. لم تعد الحداثة ثوريةً، إننا نؤمن فقط باستقلالية كل فنان مبدع وضرورة الاتفاق العام الذي يمثل أهمية حيوية لإدارة المخاطر التي تستدعي وقف أعمال روتينية يُمليها ما يسمى بتجار الفن. هذا غير مقبول وعلينا تغييره». التاريخ 18 حزيران/يونيو 1960، والتوقيع آلان جوفروا، جان جاك لويبل.
تلخيصاً لمسيرة امتدت لأكثر من ستين عاماً، عرض الفنان الفرنسي المخضرم جان جاك لوبيل خلال عام 2022 معرضه الذي أقيم مؤخراً في متحف تينغالي – مدينة بازل السويسرية، والذي عرض فيه المانيفستو وصوراً لطقوس الدفن السريالية في قناة البندقية/ إيطاليا، بالإضافة إلى رسالة كان الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب قد كتبها بخط يده وأرسلها له في السادس من نيسان/ أبريل 1962، تركيبه المهم «بورتريه نيتشه» 1961 ولوحاته «دوستويفسكي» 1965، «عودة باكونين» 1988، و«العمل الشاق» 1993.
قدم لوبيل الذي ولد سنة 1936 وما يزال على قيد الحياة، أعمالاً فنيةً تجمع بين الشعر والرسم والمسرح بالإضافة إلى تركيبات عكست التزامه السياسي من خلال عروضه التي تلاحقت كإيقاع قصيدة للحرية، و انسجمت رؤيته مع الأفكار التي طرحها الفنان الأمريكي آلان كابرو في نيويورك، وارتبط فنه بالحدث و لكن بتقنية جديدة حيث رسم خارج المفهوم المُسطِّح للرسم، واستثمر مساحات مختلفة الأبعاد، وانضم إلى نظريات السريالي الفرنسي أنطونين أرتو فرفض الواقعية وتمرد عليها، لكنه ذهب إلي مدى أبعد من ذلك ليعيد الفن من منفاه و يستطيع الوقوف من جديد في مواجهة الإكليروس بكل أنواعه.