“جاهة الفزعة”.. مخاتير غزة وشبابها يهبون لإتمام خطبة لاجئ من عين الحلوة على فتاة غزية

أشرف الهور
حجم الخط
1

 غزة– “القدس العربي”: لم يكن الشاب الفلسطيني محمود أحمد قاسم، الذي يقطن وعائلته مخيم عين الحلوة، أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، يعلم أن خطبته على فتاة تقطن وعائلتها قطاع غزة، ستشهد حضوراً كبيراً من الوجهاء والمخاتير والمواطنين، ضمن “جاهة” سيظل سكان القطاع يتحدثون عنها، لكبرها حجمها وكم الوجهاء والمواطنين الذين شاركوا فيها، رغم عدم وجود عائلة لهذا الشاب للاجئ في غزة.

بداية القصة في الخطوبة غير المستغربة في هذا الوقت، بدأت باتفاق لخطوبة الشاب محمود على الفتاة الغزية سارة صبيح، حيث طلبت عائلة الفتاة، وفق العرف المتفق عليه في غزة، بأن يقدم إلى منزلها وفد من الرجال “جاهة” لخطبة ابنتهم، وإشهار الخطوبة.

وفي غزة لا يوجد أقارب لعائلة الشاب محمود، التي هاجرت جمعها منذ نهايات أربعينيات القرن الماضي إلى مخيمات اللجوء في لبنان قسرا، بعد شن العصابات الصهيونية جرائم وهجمات ضد المدن والقرى الفلسطينية في العام 1948، وهو عام “النكبة” الذي هاجر فيه مئات آلاف الفلسطينيين إلى مخيمات في سوريا وأخرى في لبنان والأردن، ومخيمات أقيمت في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن بعد المسافات، وصعوبة حضور أهل العريس من لبنان إلى غزة، لم يكن عائقاً أمام إكمال مراسم الخطوبة، واحضار “الجاهة”، والتي كانت عبارة عن “فزعة”، وهو مصطلح يطلقه الفلسطينيون على كل حدث تعاوني يشارك فيه حشد كبير من السكان.

وعلى فيسبوك نشر حسن الداودي، الشاب الفلسطيني المقيم في غزة، وهو صديق للعريس محمود، تعارف عليه عن طريق مواقع التواصل، تدوينة كانت عبارة عن دعوة عامة لتشكيل تلك الجاهة، التي يتقدمها، وفق العرف والعادة، شخصيات مجتمعية بارزة ومخاتير، وحشد من المواطنين.

الصورة من فيسبوك

فكتب حسن: “الأصدقاء الأعزاء، محمود، صديق عزيز من أبناء شعبنا اللاجئ في لبنان يريد أن يخطب فتاة من غزة، وقد قام بتوكيلي بعقد القران في غزة، وبعد تواصله مع عائلة العروس طلبوا منه جاهة خطوبة من غزة تنوب عنه في طلب العروس، فمن يرغب بالحضور في جاهة العريس يوم السبت مساءً فليتواصل معي”، وختم التدوينة يقول “فإن كانت عائلة محمود ليست هنا فنحن عائلته، ودامت دياركم عامرة بالحب والأفراح ودام شعبنا موحدًا رغم كل الحواجز والحدود”.

ولم تمض سوى ساعات حتى صدحت التدوينة في كافة أرجاء قطاع غزة، وتناقلها الشبان عبر حساباتهم، وأقر الكثير منهم خطط الحضور لخطبة الفتاة، وقدم بعضهم من أقصى جنوب غزة، وآخرون من مناطق الشمال، لم يكن يعرف غالبيتهم بعضهم البعض، لكنهم التقوا حسب الترتيب المحدد عند منزل عائلة العروس، وهناك قدم أيضا حشد من المخاتير والوجهاء، ودخلوا سويا إلى مكان إشهار عقد الزواج، ليشكلوا واحدة من أكبر جاهات الخطوبة في غزة، وليتمموا فرحتهم بتناول الحلويات، والتأكيد على أن بعد المسافات والأسلاك والحدود لم تمنع الفلسطينيين من إتمام فرحتهم.

وبعد وصول حشد كبير من المشاركين في الجاهة لمنزل العروس، تقدم أحد الوجهاء، وألقى كلمة بدأها بالديباجة المعهودة للخطوبة، وطلب يد العروس للعريس، وأكملها بجملة تؤكد على وحدة الشعب الفلسطيني رغم بعد المسافات، فما كان من والد الفتاة إلى أن وقف وأعلن على مسمع الحضور الموافقة على الطلب.

وعقب إتمام المراسم المتبعة كتب صاحب الدعوة: “باختصار شديد لقد كان يومًا تاريخيًا توج بقبول أهل العروس سارة صبيح جاهتنا لخطبة ابنتهم للصديق محمود قاسم، من شمال قطاع غزة إلى جنوبه لبوا النداء ليمثلوا عائلة العريس، لفرحة تمتد من عين الحلوة إلى غزة”.

وعلق سامي أبو سالم، أحد المشاركين في جاهة الخطوبة، في تدوينة على فيسبوك: “وحدة ساحات من نوع آخر”، لافتا إلى أن الشبان الذين شاركوا في جاهة الخطوبة، ورغم وضعهم الاقتصادي الصعب “لملموا بعض الشواقل من بعضهم كي يشتروا بعض الحلويات وليستأجروا سيارتي تاكسي لنقل بعض المخاتير، الذين تطوعوا أيضا لهذه المهمة الوطنية بامتياز”، وأضاف: “الجميع كان متحمسا ليمثل أحد أبناء اللاجئين في الشتات، لم يطغ على الحدث سوى روح وطنية، ذابت الطبقية والنعرات الكاذبة والشعارات التجارية”، وتابع: “الغالبية الساحقة، وعلى رأسهم أنا، لا نعرف العريس ولم نقابله أو نتحدث معه من قبل، ولا نعرف أي شيء عنه، لكن طالما المهمة هكذا فكنا وكأننا في مهمة توطيد أواصر أهلنا في غزة بأهلنا في لبنان بأرضنا في طبريا، التي تبعد 11 كم عن قرية العريس (قرية تلحوم) التي دمرها الاحتلال خلال النكبة عام 1948، وهجر سكانها إلى لبنان وسوريا في عملية تطهير عرقي”.

وأضاف: “كانت الحماسة والفرح يطغيان على الشبان بشكل غريب وكأنهم يقولون إن أهلنا في الشتات منا ونحن منهم، ولا نذكرهم فقط في استحضار المصائب، بل في الفرح وفي ديمومة الحياة أيضا”.

أما الصحفية منى خضر، فكتبت: “هذه غزتنا هبت وفزعت لتقول نعم نحن في غزه أهل الوطن نتوحد مع من ينادينا من الشتات، هب الشباب والشياب، ليكونوا الجاهة للعريس محمود قاسم من مخيم عين الحلوة على ابنة غزة سارة صبيح، هبوا دون أن يعرفوا العريس أو العروس ليقولوا نحن في غزه مع كل فلسطيني”.

وقد جرى مشاركة قصة العروسين محمود وسارة بشكل واسع على مواقع التواصل، وبات الحديث عنهم يتصدر أيضاً مجالس الغزيين، خاصة أن الحكاية تروي من جديد قصص التهجير والابتعاد القسري عن الوطن.

والجدير ذكره أنه أصبح في غزة من الأشياء الاعتيادية أن تتزوج فتاة من خارج القطاع، أو أن يتزوج شاب غزيّ من فتاة من خارج القطاع، سواء كانت فلسطينية مقيمة في الخارج، أو فتاة عربية أو أجنبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية