تذهبُ سارة حوَّاس وحيدةً نحو عالمها الخاص، مُتسلِّحةً بما حملتْ، طارحةً سؤالَها عن كينُونتها، وهُويتِها، صائغةً رُؤيةً لذلك العالمِ الغريبِ المُتوحشِ الملآن بالكائناتِ العجيبةِ، بشكلٍ يفوقُ أو يتماس مع «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزويني (600-682 هجري/1203-1283 ميلادي).
هذا ديوانٌ كتبتهُ سارة حامد حوَّاس وهي تهدِرُ، فاللغةُ ليست ساكنةً، والمجازات مغايرةٌ تذهبُ دوماً نحو طريقِ الاختلافِ رُبما لأنها قادمةٌ من أفْقٍ آخر يخُصُّها، وينشرُ نورَهُ مُنذ النصِّ الأول «من أربعةٍ إلى واحد»، حيثُ رسمتْ صُورةً لها تطوِي فيها النُّورَ وتسم نفسَها بالقداسةِ، ترى « الدنيا واحداً صحيحاً، لا ينكسرُ، ولا يتجزَّأ، ولا ينقسمُ».
هذه شاعرةٌ آتيةٌ من عوالمِ «علمِ اللغةِ» بما يحملُ من مستوياتٍ صوتيةٍ وصرفيةٍ وتركيبيةٍ ودلاليةٍ ومُعجميةٍ، لكنَّها لم تنطلق من اختصاصِها اللغوي الإنكليزي- حيثُ درستْ – لكنَّها ذهبتْ نحو اللغةِ الأصل (العربية)، وتركَتْ رُوحَها لعفْويتِها وذوقِها وإحساسِها؛ لتطيرَ «بأجنحةِ يمامةٍ»، تُحِب جناحَ طائرٍ جاءها بخاتمِ سُليمان.
في هذا الديوان «جبلٌ على كتفي» نحنُ أمام لسانٍ مُغايرٍ ليس شفهيّاً، وليس أكاديميّاً، يحتفي باللغةِ في إشراقِها وتجلِّيها؛ مُبتعداً عن القوالبِ المُقنَّنةِ، والمحفُوظةِ أكاديميّاً، فقد تخلَّت الشَّاعرةُ في نصُوصِ كتابِها الشِّعْري عن أكاديميتها الصَّارمة، والشِّعْر بطبيعته كائنٌ فوضويٌّ يبحثُ عمَّن يُسْكِنُ هذه الفوضى في حركيةٍ مُستمرةٍ.
سارة حوَّاس تعيدُ تشكيلَ ذواتِها المُتأرجِحة – فليسَ صحيحاً أنَّ الإنسانَ ذاتٌ واحدةٌ – مُنتجةً شعراً ليس وصفيّاً مُستغلةً طاقتَها الإبداعيةَ التي كمنت طويلاً؛ كي تُفجِّر جُزءاً من سيرتها مع أمكنةٍ وأزمنةٍ وبشرٍ، وكان مِبضعُها حادّاً، وهي تقطعُ أوصالَ الأنفسِ التي التقت في مسيرتِها، سائرةً في خطٍّ مُوازٍ تارةً، ومُتقاطعٍ تارةً أخرى لتُقدِّمَ سماتٍ لرُوحِها المُنشطرةِ، والتي رأيتُها طبقاتٍ فوق بعضِها البعض.
هذا كتابٌ شعريٌّ يمكنُ أن تقرأَه بوصفِه سيرةً لرُّوح، أو تتعاملَ معه بوصفِهِ سجَّادةً فارسيةً، تتكوَّنُ من نسيجٍ واحدٍ، اشتغلته يدٌ عارفةٌ ماهرةٌ في توزيعِ الألوانِ وتداخُلِها، بحيثُ عندما تنتهي من القراءةِ تكُونُ قد خرجتَ برؤيةٍ كُليةٍ لعالم سارة حوَّاس عبر شبكةٍ من الجمالياتِ والعلاقاتِ التي تحملُ النصَّ الكُليَّ إلى أفقٍ جديدٍ (منذُ ولادةِ ذاتي الجديدة).
فسارة حوَّاس حسب بيانِها الشِّعْري- قصيدتها «لماذا تكتبين؟» تكتبُ (ليسيلَ لُعاب سماءٍ بلا غيُومٍ)، (لأنفضَ غبارَ وجعٍ تعفَّنَ في رأسي)، (لأجدَ نافذةً تطلُّ على ريحٍ تاهت من قبرٍ ميِّتٍ).
تكتبُ سارة حوَّاس بضميرِ المُتكلِّم، ولكن ليس من بابِ التعظيمِ والتفخيمِ، فالشَّاعر الشَّاعر لا يفعلُ ذلك؛ لأنهُ آتٍ من مناطق الهزيمةِ والضعفِ والانكسار، والكتابة تُقوِّيه، وتضعُهُ في مرتبةٍ ومكانةٍ أخريين.
ولكنَّها ذهبتْ نحو ضميرِ المُتكلِّم للالتفاتِ بشكلٍ تلقائيٍّ من دُونِ تعمُّد أو تكلُّفٍ؛ كي لا يسأمَ قارئها أو يمَلَّ، جاذبةً إيَّاه، وأيضاً للاعترافِ والكشفِ وإزالة السُتُرِ والحواجزِ. ولا شكَّ أنَّ الشَّاعرةَ سارة حوَّاس على وعي بأنَّ الشِّعْرَ هو الجنسُ الأدبيُّ الذي يُمارِسُ فيه «ضمير المتكلم» طغيانَهُ، فنحنُ نرى «أنا» الشَّاعرة القلقة الباحثة عن المعنى، معنى وجُودها، ولُغتها، تحملُها مُخيِّلةٌ قوية تتسمُ بالبكارةِ والجِدَّةِ، ومن ثم جاءت النصُوصُ التي قامت على هذا الضمير سلسةً، عمادُها الوضُوحُ، وليس المُباشرة والتقريرية. فالذات الشَّاعرة تهدمُ وتبني في الوقت نفسه، فهي تقلبُ حقائقَ الأشياءِ والكائناتِ، إذْ لها نظرٌ خاصٌّ إلى هذا العالم، مُستخدمةً إيقاعاتٍ خافتةً من خلالِ التكرارِ وتتابُع ضميرِ الشَّاعرةِ الذي يتكلَّم. وقد تجلَّى ذلك في نصُوصٍ كثيرةٍ في كتابِها الشِّعْري «جبلٌ على كتفي» القائمِ على العلاقاتِ الشكليةِ والدلاليةِ المُبتكرةِ بين أجزاءِ التعبيرِ الشِّعْري.
يتحققُ الانسجامُ والتماسُكُ النصِّيُّ والترابط بين الأجزاءِ المُتناثرةِ في الكِتابِ الشِّعْري، واستخدام سارة حوَّاس لضمير المتكلمِ وتوظيفها له، أضفى على نصِّها حيويةً وحركةً في أدائها، وجعلَ جوهرَ المعنى قريباً رغمَ بُعدِهِ الذي يحتاجُ إلى تأويلٍ أكثرَ ممَّا يحتاجُ إلى شرحٍ أو تفسيرٍ.
لا تقعُ الشاعرةُ في النمطِ السَّائدِ، فهي تكسرُ ما تعارفَ عليه، وتُغامرُ لغويّاً خارجةً عن السِّياقِ الشَّائعِ، فهي تغادرُ ما هو تقليديٌّ وسائدٌ ومكرُورٌ، بحيثُ نجدُ أنفسَنا طوالَ الوقتِ أمام دهشةٍ لم تكُن مُنتظرةً. فالشَّاعرة تُحوِّل كُلَّ ما تراهُ إلى مادةٍ شِعريةٍ، مُستنطقةً ذاتها بأكثرِ من طريقةٍ أسلوبيةٍ، ذات الشَّاعرة التي تأسَّستْ على ضميرِ المُتكلِّم (أنا) جاءت في الكتابِ الشِّعْريِّ فاعلةً ومُنتجةً للفِعل، وبانيةً للدلالة، حتى أنها تُمثِّلُ عصبَ الكتابِ الشِّعْري، حيثُ تثري النصَّ بدلالاتٍ مُتنوِّعةٍ.
وبقدرِ ما كشفتِ الشَّاعرةُ فقد أضمرتْ وأخفتْ وستَرَتْ؛ لإدراكِها أنَّ الشِّعْرَ فنُّ الكشفِ والإخفاءِ معاً.
وقد وظَّفَت الشَّاعرةُ سارة حوَّاس ضميرَ المُتكلمِ في كتابِها الشِّعْري بشكلٍ اعتمدَ على حاسَّتِها وحَدْسِها في تعامُلها مع اللغةِ؛ الأمر الذي جعلَ النصَّ الشِّعْريَّ يأتي واحداً محمُولاً على الترابُطِ والتماسُكِ.
ترتكزُ سارة حوَّاس على مشهديةٍ لافتةٍ مُتغيِّرةٍ تُعوِّلُ على تحولاتٍ نفسيةٍ ورُوحيةٍ تصعدُ وتهبطُ، مستفيدةً مما انتهى إليه الشِّعْرُ في العالم، وما وَقَرَ في صدرِ ذاكرتِها التي لا تَنسَى، مُعتبرةً (الشِّعر لحظة ميلادٍ بعد موتٍ طويلٍ)، وأنهُ (ولادةٌ من رحِمٍ تتألمُ)، وأنه (لغةٌ لا تعرفُ الكلامَ)، (نزيفٌ صامتٌ)، (جسدٌ بقلبينِ). وبمُصاحبتها الفطريةِ للشِّعْرِ جعلتها تكشفُ عن قانونِها غير الملزمِ لها أو لأحدٍ سواها؛ لأنهُ يتغيرُ بتغيُّرِ الحالِ، فجرحتْ قانونَ السُّكونِ والحركةِ في إيقاعِها الشِّعْري وارتأت أنَّ الشِّعْرَ (مُوسيقى تاهت من نُوتتها)، و(ساعةٌ بلا عقارب)، و(تفاحةٌ سقطتْ على رأسِ نيوتن).
ففي كتابها الشِّعْري تستبعدُ أيَّ نظامٍ مُسبقٍ من عقيدتِها الشِّعْريةِ، وهي تركضُ داخلها حيثُ يطيرُ كلامُها بعيداً، وهي عادةً ما تتحركُ داخلَ النصِّ تحرُّكاً مُنضبطاً حتى وإن شطحتْ، وما رأيتُ أحسنَ من الشَّطْحِ عندَ الشَّاعرِ؛ لأنهُ لا يصدُرُ إلا عن أهلِ المعرفةِ، حيثُ التباعُدُ والاسترسالُ، ومن يتجوهرُ يشطح، وهو مُستحَبٌّ في الشِّعْر وسواه من الفنون.
وكُلَّما أقدمتْ سارة حواس على كتابةِ قصيدةٍ تشعُرُ بما لا يشعُرُ به غيرُها، فهي تنظرُ بدقَّةٍ في وجُوهِ الكلام، من دُون أن تُلزِمَ نفسَها بقيدٍ يكتُمُ طاقتَها، أو يحاصرُ شطْحَها.
تَتْبَعُ الشَّاعرةُ في كتابها نظريةَ الامتلاءِ والفيضِ، فكما يفيضُ النُّورُ عن الشَّمسِ، تفيضُ موجُوداتُها المختزنةُ أو المولُودةُ حديثاً عن مبدأ واحدٍ أو جوهرٍ واحدٍ، فكثُرتْ عوالمُها، وسالت من ضِفَّتيْ نهرِها الذي تحتفي به كثيراً في نَصِّها، ولم تطق الكتمَ فباحت (بالسرِّ إنْ باحُوا تُباحُ دماؤُهُم/ وكذا دماءُ العاشقين تباحُ) ـ السهروردي.
ولذا نرى الشَّاعرةَ كلما فاضتْ نقُصَتْ:
«كلما كتبتُ قصيدةً
شعرتُ بالنقصَانِ
كأنَّني أزرعُ قطرةَ ماءٍ
في نهرٍ بلا جناحٍ»
بشكلٍ عام تخرجُ الشَّاعرةُ عن النسقِ العام بعدما خبرَتْهُ من خلالِ خبرتِها بالشِّعْر الإنكليزي، والشِّعْر الأمريكي (وهُما موضُوع دراستِها وتخصُّصِها وانشغالِها الشِّعْري). أي أنَّها تُحطِّمُ المثالَ أو تنأى عنه، آملةً أن تقدِّمَ كشُوفَها الخاصَّةَ التي تعتمدُ على الحُلمِ والرُّؤى الشَّخصيَّةِ. وهذا التحطيمُ ليس لمُجرَّدِ الانتهاكِ والمُغايرةِ، ولكن لكتابةِ الذَّاتِ من دُون أن يتعالقَ النصُّ مع نصُوص الآخرين (السَّابقين)، بحيثُ لا يكونُ هناك تشابهٌ بينَ نصٍّ وآخر أو بينَ عدةٍ نصُوصٍ، مع أنَّ التداخُلَ سمةٌ تُميِّزُ النصُوصَ الشِّعْريةَ، ولا يخلُو نصٌّ من ذلك التعالُق. فالحوارية في الخطاب النصَّيِّ مطلُوبةٌ، ولكن كيف يتحقَّقُ ذلك، هذا هو سؤالٌ الشَّاعر لنفسِه، وداخِل النصِّ الذي يكتبُ. وما نراهُ عند سارة حوَّاس هو تناصٌّ غير مباشرٍ، فهي لا تستحضرُ نصّاً أو تحيلُ إليه، بل تُنْصِتُ إلى ذاتِها.
وعُمُوماً الشَّاعر أو الكاتب دومَا ما يختبئ وراءَ نصُوصٍ كبرى أسهمتْ في تكوينِه مثل الكُتبِ المُقدِّسةِ والملاحمِ والأساطيرِ وسواها من مصادرِ التكوين؛ كي تنتجَ معنى يبحثُ عنه.
تشحنُ الشَّاعرةُ لُغتَها، ليس بهدفِ التوصيلِ ولكن احتفاءً بجمالِ اللغةِ والوعي بأهميتِها في النصِّ؛ مما يُؤكِّدُ خُصُوصيتَها، فـ «الشُّعراء أمراءُ الكلام»، إذْ إنَّ سارة حوَّاس لديها قدرةٌ على البناءِ اللغوي، واختيارِ المُفردة، والقُدرة على الصِّياغةِ والتركيبِ، كأنَّها تصوغُ حُلِيّاً بيدِها. فهي تُتْقنُ المزجَ بين ما هو مجازيٌّ وما هو حقيقيٌّ، الأمرُ الذي جعلَ نصَّها يحملُ مُعجماً خاصّاً من فرطِ سُهولته وعُلو نسبِ الفيضِ فيه.
ولا ننسى أنَّ الشَّاعرةَ سارة حوَّاس لُغويةٌ في الأساس ابنة لُغويٍّ أيضاً، وهذا ما جعلها تُوظِّفُ إمكاناتِ اللغةِ من مُنطلقِ وعي جديدٍ بها، حيثُ اهتمت بالأبنيةِ الصوتيةِ والمُعجميةِ والنحوية مُقترحةً أخيلةً وأبنيةً مختلفةً، مُتكئةً على نفسِها، مُستقيةً من بئرِها التي حفرتها بيدِ الشِّعْر، سعياً إلى البكارةِ، مُستهدفةً الخُصوصية؛ كي تصلَ إلى مناطق تصيرُ الورقةُ البيضاءُ نفسها هي التي تكتبُ وليس قلم الشَّاعرة:
«تساؤلاتٌ تطيرُ من عقلي
إلى ورقتي البيضاءِ
تُمسِكُ قلمي بدلاً عنِّي
تكتبُ نفسَهَا
رُبَّما
تصيرُ قصيدةً»
والشَّاعرة سارة حامد حوَّاس وهي تغامرُ مع لُغتِها فهي تُحرِّر نصَّها الشِّعري بعيداً عن الإنشادِ والشَّفاهيةِ، والقيُودِ والقوالبِ، حيثُ تنفتحُ قصيدتُها على التعدُّد القرائي، خالقةً مرجعيتَها، كأنَّها تقولُ: لا مرجعَ لي إلَّا ذاتي المُتحقِّقة في الكتابةِ الشِّعريةِ: «صفحةٌ بيضاءُ/ محَتْ أيَّ لونٍ زائدٍ عليها».
والشَّاعرة في قصيدتها «صفحةٌ بيضاءُ»، تُعلنُ تمرُّدها، مُؤكِّدةً أنَّها «صارت حُرَّة»، ومن هذه الحريةِ التي خلقتها تصعدُ إلى الأفقَ الجماليَّ، عبرَ وعيِها باللغةِ، وبأنَّ الشَّاعرةَ في نقصانٍ حتى لو كان في تمامِ كمالها، إذْ الشاعرة دارت كثيراً في اللا مكان، واللا شيء.
ولعلَّ التخييلَ الغريبَ – الذي هو إحدى ركائز الشِّعر- من أبرز سمات كتاب سارة حوَّاس الشِّعري إذْ تعتمدُ طاقتَها الداخليةَ في خلْقِ مجازاتٍ اعتمدت على ما هُو أسطوريٌّ ورمزيٌّ ودينيٌّ، فهي تظنُّ وتتوهمُ، وكائناتها وموجوداتها وعوالمها التي وردت في الكتابِ لا تماثلُ الواقعَ الذي تعيشُ وهذا هو الإبداعُ، فما تكتبهُ يعلُو على ما تراهُ عيناها، ويبارحُهُ ويفارقُهُ، ومن ثم يخلقُ عالماً أسطوريّاً عجيباً، إلى درجةِ أنَّ الشَّاعرةَ تتشكَّكُ فيما تكتبُ: «هل هذه قصيدةٌ/ أم لوحةٌ رسمتُها/ في حلمي الأوَّل».
فالشَّاعرة لا تُحاكي، بل تبنِي، لا تُشابهُ بل تخلُقُ، لا تُكرِّرُ بل تُحْدِثُ مُحقِّقةً الاستقلالَ، عارفةً أنَّ ما تراهُ ينعكسُ على مرآةِ مُخيلتِها «بوصفها مخزِناً للصورِ التي تراكمتْ وشكَّلتْ سجلّاً لذاكرةِ الأنا بكلِّ تجاربها وخبراتها وأحوالها ومواقفها».
سارة حوَّاس لا تكُفُّ عن السُّؤال،ولا تقدِّمُ أجوبةً، وتلك ليست مَهمَّة الشَّاعر،الذي يرمزُ ويُشيرُ ويُومىءُ: (أردُّ بإيماءةٍ رماديةٍ)، (أردُّ بهمهمةٍ سريعةٍ تكادُ توقظُ ذراعيَّ)، (أجيبُ برعشةٍ خفيفةٍ مُوحيةٍ )… وهكذا تلجأ الشَّاعرةُ إلى الصَّمتِ المُوحِي، مُكتفيةً بالنَّظرِ إلى الأشياءِ التي لا تمرُّ إلا من خلالها، وهي غارقةٌ في (صمتٍ ملآنَ بالكلام)، سائرةً نحوَ المعنى الذي يُمثِّلُ ركيزةً أساسيةً في النصِّ الشِّعْري، من دُون أن تغفلَ أنَّ (الشِّعْر صياغةٌ وضربٌ من التصوير) حسب مقولةِ الجاحظ (776 -868 ميلادية) الشَّهيرة التي وردت في كتابه «الحيوان».
والمعنى في نصِّ سارة حوَّاس لا يصلُ إليه المتلقِّي من ظاهرِ اللفظِ، ولكن سيجدُ نفسَه أمام معنى المعنى الذي يحتاجُ إلى واسطةٍ، وهي حُسْنُ التأويلِ والتلقِّي، وبوصفِها لُغويةً تُدركُ أنَّها تبتغي (معنى المعنى الذي أشار إليه أحدُ أبرز اللغويين العرب عبد القاهر الجرجاني (400 – 471هجرية/1009- 1078ميلادية) في كتابهِ «دلائل الإعجاز «، أي أنَّها تنشدُ البلاغةَ الخاصةَ بها.
إنَّ سارة حوَّاس في كتابِها الشِّعْري «جبلٌ على كتفي» تُقدِّم الخيالَ على ما سواه، من دُون أن تلعبَ لُعبتها مع اللغةِ، ورُبَّما تتبادلُ الركيزتان الأدوارَ داخلَ النصِّ، كما أنَّها لم تُسْقِط الركائزَ الأخرى بل جعلتها ثانويةً مُحتفيةً بإيقاعها الخاصِّ من دُون غُلوٍّ في النثريةِ.
وفي ظنِّي أنَّ «جبلٌ على كتفي» يُمثلُ سُلطةً شعريةً ما؛ لما فيهِ من جذبٍ للرُّوحِ وتحكُّمٍ فيها، وأيضاً لما حمل من تجاوزٍ، وكسْرٍ للمُعتادِ، ومُفارقة للمجازِ المُتعارف عليه. إذْ نحنُ أمام قوةٍ في الخيال، وقُدرةٍ على الإفصاحِ المحمُولِ على الإشاراتِ، وقد كان لمعرفةِ الشَّاعرةِ سارة حوَّاس بأنَّ «الشِّعْر صناعةٌ وثقافةٌ…» كما حدَّده ابن سلام الجمحي (140 – 231 هـجرية / 757 – 846ميلادية) في كتابهِ الأشهر «طبقاتُ فحُول الشُّعراء»، السبب الرئيس لأن تأتي بما لا يشعُرُ به غيرُها. ففي شِعْرِها كثيرٌ من الماء، كما أنها تستقي من مخزونٍ ثقافيٍّ مختلفٍ مُتراكمٍ لا انقطاعَ فيه، مع شُعورٍ يقظٍ وفِطنةٍ في التوظيفِ والتعامُل، وجوْدة في البناءِ الصِياغي والدلالي يعتمدُ الفكرَ «المعرفة» والوجدانَ معاً.
والشَّاعرة سارة حوَّاس ابنةُ سياقٍ ثقافيٍّ يحتفي بالشِّعْر، ومن ثم حرصت بشكلٍ عفويٍّ أن يكُون نصُّها الشِّعري في مرتبةِ «القصيدة الثقافية» المنسُوجة من الخيال «الشاطح الجامح».
تشتغلُ الشَّاعرة سارة حوَّاس كثيراً في كتابها الشِّعْري هذا على مناطقِ الظلِّ والهامشِ؛ ومن ثم لم تأت النصُوصُ حبيسةَ نمطٍ تقليديٍّ مسيطرٍ على الكتابةِ، فهي تذهبُ نحو المساحاتِ الوَعِرةِ غير المألُوفةِ أو المُمَهدةِ؛ فتنيرُ ما هُو مُعتمٌ أو منسيٌّ أو مترُوكٌ أو مسكُوتٌ عنه،حيثُ تحتفي بما هُو خارجُ المركز أو البؤرة مانحةً طاقتَها للظلال، ومن ثم جاء نصُّها مساحةً تستكشفُ فيها تفاصيلَ الحياةِ العاديةِ المخفيةِ، كاشفةً التناقضات، فهي تنزعُ نحو الهامشِ لتستكشفَ الإنسانَ في شتَّى أحوالِهِ بعيداً عن الأُطُرِ التقليديةِ الضيِّقةِ. ولو تأمَّلنا حديثَ الشَّاعرة الصَّامت لرأينا كم هي الكائناتُ من حولها ناقصةٌ، بل مُشوَّهةٌ مُحاوِلةً الرَّصدَ والإصلاحَ (الكمال) معاً، فالشَّاعرة التي تُفكِّرُ في أبجديةٍ جديدةٍ لقصيدتها الحُرَّة التي تسدُّ ثقوبَ (غمام النور) سنجدُ في نصِّها (حديثٌ صامتٌ) بعضَ التحليل: (لماذا كلُّ الكائناتِ حولي ناقصَةٌ؟).
وقد أحصيتُ كائنات الشَّاعرةِ في كتابِها فوجدتها سبعةً وعشرين غير حقول تلك الكائنات التي تمثَّلتْ فيما يسبحُ ويزحفُ ويطيرُ ويمشِي على أربعةٍ مثل يمامة، قط، عُصفور، غُراب، ثُعبان، كلب، سمكة، حمام، ثُور، هُدهد، نسر، فراشة، حُوت، غزالة، وطواط، كروان، نعامة، عقرب، بُومة، نملة، بعُوضة، حرباء، قُنفذ، ثعلب، مُهرة… ولا شك أنَّ كلَّ كائنٍ مما أحصيتُ له دلالةٌ ما في وعي ولا وعي الشَّاعرة.
ورُبَّما هي المرةُ الأولى التي نجدُ كُلَّ هذا العدد من الكائناتِ والموجُوداتِ في كتابٍ واحدٍ، تمارسُ (عملَها- فِعلَها) وهي ناقصةٌ أو مُشوَّهةٌ، بمعنى آخر هي كائناتٌ خارجةٌ من كتاب الغريبِ والعجيبِ وغير الموجُود على الأرض أو في البحرِ أو في السماءِ.
سارة حواس: «جبل على كتفي»
بيت الحكمة للثقافة، القاهرة 2025
123 صفحة.