ليبيا ـ «القدس العربي»: أصالة وتاريخ وحضارة تجسدت في تضاريس حفرت على أرض ليبيا، ونقشت معها حياة أناس وعائلات ترعرعوا في أحضان الطبيعة والجبال والآثار. تضاريس ظلمت ولم يذكرها الإعلام ولم تصلها عدسات الكاميرات، ولم توثق جمالها وأصالتها، ورغم مرور الزمن ما زال الجمال يحتضنها وما زالت القصص تسجل على أرضها.
جبل نفوسة أو الجبل الغربي هو سلسلة جبال صخرية تقع في المنطقة الشمالية الغربية لليبيا، وتحديدا جنوب شرق تونس وحتى نالوت، وتستمر وصولاً إلى غريان وتنتهي شرقي غريان، وتستمر سلسلة الجبل بشكل متقطع حتى الخمس ويبلغ ارتفاع أعلى قمة بالجبل 968 مترا.
اسم جبل نفوسة هو قديم قدم سكانها وموجود منذ وجودهم ويعود إلى اسم قبيلة نفوسة التي استوطنت الجبل فعُرف بها، أما الآن فيطلق عليه إداريا اسم بلدية الجبل الغربي أو شعبية الجبل الغربي سابقا والتي أسست في العام 2007 وضمت أجزاء من الشعبيات السابقة يفرن، وغريان وشعبية مزدة.
الجبل الغربي
المصادر التاريخية القديمة جداً تبين أن قبائل نفوسة كانت تسكن بعض أجزاء هذا الجبل ومنها عرف هذا الاسم. أما التاريخ القديم في عهد الإيطاليين وما قبله وجد اسم الجبل الغربي في كثير من المصادر وبعضها وجد اسم جبل غريان أو جبل نالوت لبعض أجزاء هذا الجبل، ولكن اسم الجبل الغربي كان الأكثر انتشاراً في معظم الوثائق وهو ما عرف به جبلنا معظم سكان ليبيا والعالم.
المنطقة التاريخية التي صنعتها الطبيعة تحدها كل من جفارة والزاوية شمالا والمرقب وسرت، والجفرة شرقا ونالوت غربا، ووادي الشاطئ جنوبا، وتمتد إداريا على مساحة 76 ألفا و717 كيلومترا مربعا، وتمثل نسبة 4.58 في المئة من مساحة البلاد وتجاوز عدد سكانها حسب إحصاءات عام 2006 ثلاثة ملايين نسمة.
وحسب أول دراسة مسجّلة في ليبيا أجراها الباحث والضابط الإيطالي هنريكودي أغسطيني عام 1917 وعرضها في كتابه «سكّان ليبيا» يُصنّف سكان نفوسة وعموم الغرب الليبي إلى بربر «أمازيغ» وعرب وعرب بربر، وقولوغلية «انكشاريين» ويهود.
ويعود أول ذكر لنفوسة في خطاب تّاريخي في الأخبار عن احتلال مدينة طرابلس من قِبَل عمرو بن العاص في أواسط القرن السّابع الميلادي. فابن عداري المراكشي هو أوّل مَن تحدّث عن استنجاد سكّان طرابلس بقبيلة نفوسة أثناء حصارها من قِبَل الفاتح عمرو بن العاص في سنة 22 للهجرة.
اعتنقت قبيلة نفوسة المذهب الإباضي واشتهرت بثورتها على حكم الأغالبة 896 م – 283هـ، واعتصمت بالجبل المسمى على اسمها، وقد تداخلت معها في الجبل قبائل أخرى من هوارة وزناتة، ثم استوطن معهم العرب من بني سليم من زعب والمحاميد وآخرين، ويسمى سكان الجبل حالياً بالجبالية، ويرجع أصول جزء منهم للأمازيغية، وقد تعرب بعضهم واتبعوا المذهب المالكي، أما معظم الذين ما زالوا ناطقين حالياً بالبربرية النفوسية فيتبعون المذهب الإباضي.
احتلت قبيلة نفوسة مكانة متميزة بين قبائل المغرب، خاصة الدينية من خلال المذهب الإباضي، ومشاركتها في جميع الأحداث التي مرت بها بلاد المغرب؛ لذلك عُدت من أهم وأكبر القبائل المغربية. من خلال المادة العلمية المتاحة لنا، أمكن التعرض لدراسة دور قبيلة نفوسة من جميع جوانبها سواء الدينية، والسياسية، والحضارية. فقد تميزت قبيلة نفوسة بأصولها العريقة، وبكثرة قبائلها، ومضاربها، ومدتها، وتنوع سكانها، كما رأينا كيف عمل أهل قبيلة نفوسة على المحافظة والتمسك بعاداتهم وتقاليدهم الموروثة. أما فيما يتعلق بانتشار الإسلام فيها وتعريبها، فقد أقبلت قبيلة نفوسة على اعتناق الإسلام، بل وعملوا على دراسته، ونشره بين قبائل جبل نفوسة خاصة، وقبائل البربر عامة.
قرى صغيرة في أحضان الجبل
تقسم منطقة جبل نفوسة منذ القدم إلى قرى صغيرة في أحضان الجبل وقد كتبت العديد من الكتب والدراسات حول طبيعة حياة السكان في باطن الجبل، حيث قيل أنهم كانوا وما زال بعضهم يسكنون في الغيران وبيوت الحفر وثم ومع تقدم التكنولوجيا تحولوا إلى البيوت المبنية والقصور والمساجد، وتتمثل مواد البناء التي تم الاعتماد عليها أساسًا في الحجارة والجبس وجذوع النخل وأغصان الزيتون.
هذه القرى الصغيرة لعل أهم ما يميزها أنها بنيت على القمم والتلال، والشكل العام لها حيث تتواجد بشكل منظم ومتراص فوق بعضها البعض على شكل هرم، فتبدو للناظر من بعيد كأنها تتسلق التل، وغالبًا ما يفصل الكتل البنائية طرقات متعرجة يمكن الوصول منها إلى قمة الجبل حتى تشاهد لوحة فسيفسائية شكلتها قرى متناثرة هنا وهناك، بعضها أصبح مهجورًا، فيما ما زال عدد قليل منها معمّرًا إلى الآن.
وتقول المصادر التاريخية أن صعوبة الحياة سابقا جعلت السكان يختارون نمطا معينا للمعيشة وهو التجمع حول مصادر المياه خاصة الوديان، حيث تتواجد ضفة وادي لالوت التي تقع تحديدا في مدينة تيغيت التي تعرف حاليًّا باسم أولاد محمود وإلى الشمال من لالوت تقع بلدة تاغرويت المشهورة بعيونها وغزارة مياهها.
وكما قلنا أن السكان تجمعوا في محيط تواجد المياه فتقع مجموعة من القرى قرب وادي أمسين ووادي جلازن، منها فسّاطو، أما وادي إكرّاين فتقع على ضفافه مجموعة من القرى مثل إبناين والقلعة وتلات، وعلى ضفاف وادي الزرقاء تقع الجمارى وتيندباس ومزغورة وويفات وتوكيت.
ولم تكتمل الوديان ومصادر المياه الموجودة في الجبل بل تتواجد مجموعة أخرى من القرى قرب وادي شروس كما تقع هناك مدينة شروس التي يسمّى الوادي باسمها، وتقع على الضفة الشرقية لهذا الوادي بلدة الجزيرة، وإلى الغرب منها نجد مجموعة من القرى مثل دركل وبغطورة ودجي وتنزغت وجريجن وويغو وتمنكرت وزعرارة.
وبشكل عام يضمّ الجبل مديريّات ثلاث تنتمي إليها أغلب الفِرَق الاجتماعية التّي تُشكّل هذه المجموعة القَبَليّة، وهي مديريّة يفرن وفوسطاو ونالوت، وقد يُضاف إليهم في بعض الأحيان القسم الشّرقي الذي تُشكّله مديريّة ترهونة ومسلاتة. ويوجد وصفٌ دقيقٌ لأهمّ طرق وقصور المُديريّات الثّلاث في المؤلّف الذي وضعه الفقيه ابراهيم بن سليمان الشّماخي في نهاية القرن التّاسع عشر بالأمازيغية، وذلك بطلبٍ من المُستمزغ الفرنسي موتلنسكي الذي قام بنشر ترجمةٍ فرنسيّةٍ له بباريس، سنة 1898.
معالم تاريخية
تعتمد مدن المقاطعة بشكل أساسي في كسب رزقها على الزراعة والرعي، وبالأخص في الفترات الزمنية السابقة، ويسمح وقوع الجبل بين السهول الخصبة؛ كسهل الجفارة والظاهر بممارسة الزراعة بشتى أنواعها.
واشتهرت منطقة جبل نفوسة بزراعة الحبوب، وعدد مختلف من الأشجار المثمرة، بالإضافة إلى شهرتها في توفر الثروة الحيوانية فيها خاصة الأغنام، والماعز، والأبقار، ما يجعل أهالي الجبل يحترفون صناعة الألبان، والأجبان أيضاً.
ولعل أهم ما يميز قرى ومدن جبل نفّوسة، تواجد العديد من المعالم التاريخية التي تعود إلى مئات السنين، ومن أجمل هذه المعالم التي ما زالت شاهدة على حضارة نفوسة هو قصر كاباو.
ويعتبر قصر كاباو أهم معلم تاريخي في المنطقة، هذا المبنى الشامخ الذي يزيد عمره عن تسعمئة سنة تقريبا عبارة عن مبنى دائري قطره من الداخل حوالي 20 مترا وارتفاعه 18 مترا تقريبا ويتكون من 6 طوابق، منها طابقان تحت الأرض ويضم 360 غرفة لتخزين المنتجات الزراعية من زيت وتمر وتين وقمح وشعير.
تشير النصوص التاريخية إلى تشكل كاباو الأثرية نتيجة لهجرات السكان الأمازيغ الذين نزحوا من المدن المتناثرة على سفوح جبال المنطقة المحيطة بها خلال القرنين الخامس والسادس بسبب التهديدات الأمنية التي شهدتها تلك المناطق، ما دفع السكان إلى التكتل داخل مدينة واحدة لتأمين أنفسهم.
ويعود تأسيس القصر العتيق إلى 900 سنة تقريبا، وقد حظي بمنزلة خاصة لدى سكان المنطقة والمدينة بالخصوص نظرا للدور الهام الذي لعبه حيث كان مكانا مخصصا لتخزين المواد الغذائية كما وارتبط فضاؤه بالكفاح والجهاد وحماية المدينة.
كان هذا القصر عبارة عن سوق كبير يجتمع فيه الأهالي لبيع البضائع المحلية والآتية من الخارج خاصة من جنوب الصحراء، كما كان له دور مهم في الدفاع عن المدينة والتصدي للهجمات سواء الآتية من الشرق أم الغرب.
وتشير المصادر التاريخية أن ساحة القصر أيضًا كانت بمثابة منتدى ثقافي واجتماعي، حيث تُقام فيها أمسيات لتداول الشعر والقصص، أما الجانب الاجتماعي، ففي باب القصر كان هناك طبل له نغمتان واحدة للحرب وواحدة للسلم، عندما يسمع الأهالي نغمة الحرب يتوجهون مباشرة للقصر، أما نغمة السلم فتكون عادة للاحتفال.
وتشير الكتب التاريخية إلى أن بناء القصر لم يأت خلال فترة واحدة، حيث تم على مراحل عدة، في البداية تم الاقتصار على الطوابق السفلية، ومع الوقت وازدياد حاجة أهالي الجبل لأماكن أكثر لتخزين الأغذية تم زيادة عدد الطوابق لتصل في النهاية إلى ستة.
فكرة القصر في مجملها تشكلت من تخصيص غرفة لكل عائلة من سكان كاباو، وتعود فكرة بناء القصر إلى كون الأهالي قديمًا كانوا يخرجون في مواسم الزراعة وحراثة الأرض خارج البلاد، لذلك كانوا في حاجة إلى أماكن آمنة لحفظ ممتلكاتهم الثمينة فيها، وتكفي البضائع الموجودة في الغرفة مؤونة سنة كاملة للعائلة.
قصر فرسطاء
كما تتواجد في الجبل فرسطاء، وهي قرية من قرى جبل نفوسة تقع إلى الغرب من طمزين، ويمكن الوصول إليها من مدينة كاباو التي تبعد عنها بنحو 6 كيلومترات، في حين تبعد عن طرابلس في اتجاه الجنوب الغربي بنحو 240 كلم. ويمكن الوصول إليها بواسطة الطريق المعبد طرابلس العزيزية، تيجي ويتفرع منه طريق نحو اليسار صاعدا الجبل، وبعد نحو 13 كم يتفرع طريق نحو اليسار ينتهي بعد 4 كم. يترجل الزائر سالكا طريقا صخريا منحدرا نحو الوادي فتظهر فرسطاء أمامه وقد انتشرت أطلالها على سفح جبل يمتد أسفله واد واسع خصب هو وادي طمزين في حين يكتنفها سهل الجفارة من الشمال.
وتتواجد في المدينة بعض المعالم الأثرية لعلم من أبرزها قصر فرسطاء الذي شيد على شكل مستطيل، وكانت وظيفته الرئيسة هي التخزين، إذ يخزن الأهالي فيه الحبوب وزيت الزيتون والسمن والصوف وغير ذلك ويقوم على حراسته حارس من ذوي الثقة والأمانة نظير أجر متفق عليه خصصت له فيه حجرة بعد مدخله مباشرة.
ويلاحظ الداخل إلى القصر الاهتمام بالجانب الدفاعي، فهو حصين إذ ترتفع أسواره ما بين 6 و9 أمتار وله مدخل واحد يفتح في اتجاه الجنوب الشرقي، إضافة إلى حفر صهريج (ماجن) بداخله تنساب إليه مياه الأمطار، مع وجود برج به أو ما يعرف في منطقة جبل نفوسة بالقصبة (بضم القاف) وهي مرتفعة عن أسوار القصر، والغرض منها المراقبة ويبدو أن الأهالي يلجأون إلى القصر للاحتماء به عندما يحتاجون إلى ذلك.
ورغم عدم اهتمام الدولة بالآثار الموجودة بالمنطقة وبجمالها الطبيعي الخلاب يصر سكان المدينة على التمسك بعاداتهم الجميلة وبالمباني التاريخية العريقة وبالمساكن التي أخذت حيزا من الطبيعة والتراث.
ما زالت النساء في جبل نفوسة يرتدين ما يسمى بالحولي، وهو زي تقليدي يتكون من قطعة قماش مستطيلة تحيط بجسد المرأة، يتم صناعتها يدويا من عدة ألوان وتدرجات وكل شكل يعبر عن تراث المنطقة.
أما الرجال فيرتدون ما يسمى بالوزرة التي تلف على النصف السفلي من الجسم وهي شبيهة بالفوطة، ويعتمد سكان المنطقة على صوف الحيوانات لحياكة ملابسهم، ويمكن أن تستعمل النساء أيضًا وبر الإبل لحياكة الحولي.