جبهة الإصلاح الغنائي التي يتزعمها «النقيب» هاني شاكر

كمال القاضي
حجم الخط
3

مشكلة الأصوات الغنائية العشوائية التي تفاقمت وأدت إلى تدخل نقيب الموسيقيين هاني شاكر للحد من خطورة الظاهرة العبثية على العملية الثقافية والذوق العام، هي بالقطع مشكلة تستحق الاهتمام والمُعالجة، لا سيما أن الرقابة على المُصنفات الفنية عجزت بالفعل منذ سنوات عن تتبع نشاط الشركات التي تُنتج ألبومات غنائية وتطرحها في الأسواق بدون توافر شروط الصلاحية الفنية والإبداعية، وعلى أثر ذلك استشرى خطر الأصوات المفروضة بالقوة المالية والاقتصادية في السوق الحرة للغناء العشوائي فتكونت الظاهرة السيئة المُتفشية الآن في مُعظم المناطق الشعبية والعشوائية في مصر، سواء في العاصمة القاهرة أو بقية المُدن الأخرى.
ولأن الجمهور المُغرق في الشعبية منح مطربي الأفراح رخصة الغناء في احتفالات الزفاف وأعياد الميلاد وجعل من الشارع مسرحاً كبيراً لهم ليكتسبوا جماهيرية ويزداد مؤيدوهم، فإن المُعالجة القسرية على النحو الذي يفرضه نقيب الموسيقيين هاني شاكر لن تغير من الأمر شيئاً ولن تُجدي في القضاء على ظاهرة إفساد الذوق العام، لأن الظاهرة ذاتها ولدت في الشارع واستمرت في الشارع وسيتولى حمايتها جمهور الشارع أيضاً.
التباين في الذوق الفني وخاصة الغنائي مسألة قديمة ومُتجذرة، فمنذ عصر منيرة المهدية وسلامة حجازي وعبده الحامولي وسيد درويش وأم كلثوم وعبد الوهاب والفروق في الميول والرغبات والأذواق موجودة. ففي الوقت الذي كانت تُغنى فيه الأدوار والطقاطيق، لكبار المطربين والمطربات، كانت تنتشر أنماط كثيرة مُسفة وخليعة ومُخجلة في بعض الأحيان، ومع ذلك لم يصدر قانون يمنع الخارجين عن أصول الطرب من الغناء أو يوقع عليهم الجزاء، لكن الطريقة المُثلى للقضاء على الفن الهابط كانت تتأتى دائماً بفعل النبذ والابتعاد وتجنب ما يسيء وما يُشين بقرارات جماهيرية جماعية، وبالتجاهل تموت الظاهرة نهائياً وتُدفن وكأنها لم تكن.
وغاية هذا القول أن الارتقاء بمستوى الإبداع يتحتم بدرجة الوعي العام ومدى رقيه أو انحطاطه، والوعي العام مسؤولية المِؤسسات الثقافية والتربوية التي قصرت في أدوارها ومهامها فانفلت الزمام وتراكمت المُشكلات وعظمت التجاوزات بفعل الإهمال فحلت الكوارث وفسد الذوق ضمن ما فسد من أشياء كثيرة تتصل بذات القضية المُتماسة بدرجات مع الأخلاق والتعليم والتثقيف وغيرها من أسباب التدني والتراجع.
إذن فإن ما يُصر علية المطرب هاني شاكر من تكسير حناجر المُغنين الشعبيين المُتكسبين من الأفراح وخرس ألسنتهم ليس من الحكمة في شيء، لأنه قد ينجح في منعهم من الغناء في الأماكن التي تحتاج لتراخيص لمزاولة المهنة، لكنه لن يستطيع بأي حال نفيهم تماماً خارج الساحة الفنية الحرة التي تصدح أصواتهم فيها بكل حرية كالأفراح البلدي وطقوس الاحتفالات المختلفة، وهذا هو بيت القصيد في مسألة التحجيم والمواجهة والحد من النشاطات التي يعيشون عليها ويتعايشون من دخولها، فهناك ألف مستوى للأغنية الشعبية في مصر ويوجد بدلاً من حمو بيكا وحسن شاكوش وأبو ليلة ومجدي شطة وأحمد موزه وأبو الروس المئات غيرهم، فمعامل تفريخ الأصوات مُستمرة في الإنتاج وتعمل على قدم وساق ليل نهار لأن الغناء أصبح متداولاً بالعدوى والفرص مُتاحة للجميع في ظل وجود الأجهزة والإستديوهات الحديثة التي تُنقي الأصوات وتجعل من المُنتحل والمُتسلق مُطرباً ذائع الصيت له جمهور بالملايين.
كان الأجدى بالمطرب الكبير هاني شاكر تشديد العقوبات بفرض الغرامات المالية على من يمتهن مهنة الغناء بدون ترخيص من نقابة الموسيقيين، تأسياً بما هو سائد في نقابة المهن التمثيلية التي تسمح لمن يرغب في التمثيل بالمشاركة في الأفلام والمُسلسلات بعد استخراج التصريح الخاص المُتعلق بهذا الشأن نظير رسوم منصوص عليها في اللائحة النقابية يدفعها المُنتج الذي يعمل الممثل أو الممثلة طرفه، وبهذا يزيد دخل النقابة العائد على الأعضاء في صورة خدمات ويتم إحكام قبضة النقابة على الممارسين لمهنة التمثيل من الهواة غير المُحترفين إلى أن يتم اعتمادهم رسمياً بعد استيفاء كافة الشروط التي تحددها النقابة ذاتها بهيئتها التنظيمية القانونية.
ولا شك في أن هناك لوائح خاصة بنقابة الموسيقيين تنظم العمل بها وتفرض الالتزام على أعضائها المُسجلين، كما أنها تنظم أيضاً عمل المُنتسبين والهواة، وبالقطع يُمكن لنقيب الموسيقيين ضبط إيقاع العملية الغنائية بالشكل القانوني للأصوات المُناسبة من دون سياسة الإقصاء التي تستفز المُغنين الشعبيين وتُشعرهم بالاضطهاد بحسب تقديرهم الخاص للأزمة التي يرونها تهدد مستقبلهم وحياتهم وتحرمهم من ممارسة هوايتهم في النور.
وإذا كان هاني شاكر نقيب الموسيقيين يرى في بعض الأصوات الممارسة نشازاً وتشويهاً للتراث الغنائي المصري فيُمكنه إصدار بعض التوصيات بضرورة انتساب الراغبين في ممارسة الغناء للمعاهد الموسيقية بقسم الدراسات الحرة كي يتم تثقيفهم وتبصيرهم بالقواعد العلمية للغناء والتلحين، وبذلك يكون قد أدى ما عليه تجاه المواهب الجديدة وليترك الحكم لقانون الساحة الفنية كي تطرد الأصوات الجيدة الأصوات الرديئة وبهذا يكون قد رفع الحرج عن نفسه وعن النقابة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية