جدلية الحضور والغياب في «ذاكرة ليوم آخر» لعبد اللطيف الوراري

يتخلق الشعر من خلال تلك المواجهة بينه وبين العالم. في هذه الوضعية، لابد للذات أن تبحث لها عن موقع وإقامة رمزية في اللغة والوجود. وبالتالي فاهتمام وتجربة الشاعر تمتد لمكتوبه ونصه. لهذا تتعدد النصوص، وتتنوع في طبقاتها التكوينية وتشكيلها الجمالي. فعلى قدر العدة وقلقها، تتمظهر المتون الإبداعية دلاليا وجماليا. لهذا الاعتبار، فالنص ـ كخلق ـ يدلنا على الجدية أو الفداحة. حضرتني هذه الفكرة المركبة، وأنا أقرأ المجموعة الشعرية للشاعر عبد اللطيف الوراري المعنونة بـ«ذاكرة ليوم آخر» التي تحتوي على نصوص موغلة في سفرها المتشعب في الزمن العربي المليء بالانكسارات والثقوب. لهذا من الضروري، إدراك خلفية الشاعرعبد اللطيف الوراري أولا ـ بدون إسقاط ـ باعتبارها طاوية على قيم الرفض والنبل المتجلي في مواكبة الجغرافيات الشعرية، منخرطا في الطرح والمدارسة. في هذا الصدد، يؤكد على بعض المفاهيم في تناول الشعر، الأمر يتعلق بمفهوم الحساسية الشعرية، عوض الجيل. فالأول أكثر مرونة واتساعا، ونابعا من خصوصية الشعر، باعتباره يرتكز على الذات، وتعدد الاقتراحات الجمالية.
يهمني هنا، حضور ذات الشاعر وانتقالاتها الموضعية، باعتبارها حمالة قيم ومكتظة بالقلق. الشيء الذي أدى إلى التفاعل مع أصوات في كتابة الشعر (المعتمد بن عباد، أبو العلاء المعري، أبو القاسم الشابي، أمل دنقل، نازك الملائكة، عبد الله راجع). فتتم مجادلتها على ضوء التراجيديات الراهنة. وبالتالي، هناك إضافة لما يعرف بالقناع. فاستحضارها أولا له ما يبرره، كون الجراح مترابطة. لهذا لابد من تعضيد الصوت اليتيم الذي يستجمع الشاعر فقده كخيط سار في نهر الزمن الجريح، اعتمادا على حوارات شبيهة، تتم من طرف واحد أو على لسان النص، ما أدى إلى توارد الحالات وتراسل الحواس، ضمن مرثيات حديثة، تنهض على نفس غنائي جديد. فالأمر لا يتعلق باختيار اعتباطي لتلك الأسماء، بل تلتقي جميعها بدون قطع في مواجهتها للعالم والأنساق الموصدة ضمن سلط مستبدة. وبالتالي خلق ذاك التجاور الرؤيوي بينها وبين الشاعر. كأن الأمر يتعلق بسلالة كتابة تبحث منذ الأزل مع أصوات نصوص كبرى ومؤسسة عن أفق، وعن حياة متوهجة. نقرأ من ديوان «ذاكرة ليوم آخر» في نص شعري بعنوان «العشاء الأخير للمعتمد بن عباد»:
تجوع ريح
بباب الكرم
أسمعها تجوع
من مر قرب البئر يسمعها مثلي، ويطعمني جوعي
يداي هنا، في البيت، لا تسندان البرق إن عوتا من الغيوم
أنا المجروح أفرك عيني شاعر، وأربي حنطة. وبلا جدوى أطول
لئلا ينفق الأمل

تتخلق من داخل الحالات والتأملات ولو في لغتها، إلى وصف شعري يؤثث كونه على نفس سير ذاتي، بلمسة مغايرة في التوظيف، إلى رؤية مأساوية، تنتصر للشرارات في الاحتمال والكشف.

تسند هذه المجموعة في بنائها الحوار والوصف، باعتبارهما يشخصان الحالات والمواقف الوجدانية والفكرية. فنألف أنفسنا أمام مشاهد مكتظة بالخيبة؛ وهي تتخلق على ضوء بعيد. فكل المعطيات السابقة تتلون بما هو ذاتي، فتتخذ لبوسا جديدا دلاليا وتخييليا، تعميقا لنغمة الفقد والحنين. في هذه الحالة يمكن الحديث عن غنائية أخرى، تعمق «الأنا» كمسكن شعري للحياة والوجود، «أنا» يتحول إلى خيط سابح، ليس في الزمان فحسب؛ بل في المكان السائل. كل ذلك، أوجد له حلة لغوية وجمالية لا تسعى إلى التعبير فحسب، بل تعميق جماليات الشعر، انطلاقا من سؤال الواقع والوجود بين ما هو كائن (مرفوض) وما ينبغي أن يكون، إلى لغة مثوتبة تتخلق من داخل الحالات والتأملات ولو في لغتها، إلى وصف شعري يؤثث كونه على نفس سير ذاتي، بلمسة مغايرة في التوظيف، إلى رؤية مأساوية، تنتصر للشرارات في الاحتمال والكشف.
يصاغ هذا القلق، ضمن نفس سير ذاتي. لكن بدون تطابق مع الواقع والمرجع. أي أن هذا النفس يتخذ خصوصيته داخل الشعر. كون هذا الأخير ينطلق من واقعة لها امتداداتها في المعيش والذاكرة، فتتعدد الوقائع على ضوء إعادة الصياغة والتخييل الذاتي ـ الشعري. لهذا تدون الذات هنا جوانب من الحياة الفردية، وفق رغبة في البوح، تكسر منطق الإخبار. ضمن هذا المد، يمكن ذكر علاقة الشاعر بأمكنة عبرها أو تفاعل معها في التاريخ والذاكرة الجمعية (الجديدة، أم الربيع ـ أزمور، أكادير، مراكش، الأندلس)، وظلت سارية في الأعماق ـ كسؤال ـ متفاعلة مع الأشياء ضمن السقوط المفجع. وعلاقة بشخوص بين الحضور والغياب؛ ابتداء من الأب إلى شعراء عميقين وإشكاليين (المعتمد بن عباد، أبو القاسم الشابي، نازك الملائكة، عبد الله راجع، أمل دنقل، سركون بولص). هنا يبدو أن الذات تجذب ذلك إلى داخل مرتعش، وقلق ساع إلى الانوجاد والإقامة ـ كصوت مناهض ـ في الحياة والكتابة. ورد في نص شعري بعنوان «إرادة الحياة (تتمة حديثة)» من نفس الديوان قيد الدرس:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
رمى الشعب بالليل في سلة المهملات،
وفك عن المستحيل القيود، ولبى القدر
وفي الفجر ردد لحن أبي القاسم الصعب
في جملتين، وقال:
إلى النار هذا البريد الكذوب،
إلى الريح رؤيا السفر
كما لا يمكن تغافل المعطى الإيقاعي الذي وسع من الدال العروضي، من خلال التكرار بأنواعه (حرف، كلمة، عبارة)، إضافة إلى التقابل، باعتماد نفس الصيغ الصرفية. فضلا عن التقديم والتأخير. هذا فضلا عن علاقة البياض بالسواد وتوزيع السطور، تبعا للدفقات الشعورية والمقامية. هنا يبدو ـ في تقديري ـ أن المجموعة هذه، تتصف بايقاع متنوع، يليق بنص مركب يسعى إليه الشاعر بكله العاطفي والفكري. على اعتبار، أن النصوص ـ في هذه المجموعة ـ تنطلق من مداخل واقعية ومعرفية أيضا، يمكنها من محاورات عميقة، بنكهة شعرية تعمق الجرح، فيتعدد، ليتضمن جرح الشعر أيضا. نقرأ في نص شعري معنون بـ «عبد الله راجع»:
من أمس
مثل شارد
أسأل عنه
أسأل البلاد في يوم الحصاد،
والحصاد من دم الطاعون.
ثم أسأل الريح التي لم تر،
والباب الذي تصفقه وراءها
كجملة تعوي من الإيقاع
يكتب الشاعر عبد اللطيف الوراري نصوصا شعرية، جديرة بهذه الصفة، تعلن بقوة تموقعها الخلاق ضمن الجغرافيات الشعرية بين الماضي والحاضر. ولا غرو في ذلك، لأن صديقنا لا يهدأ له جفن في الحياة والكتابة، استنادا إلى متابعة وتجربة تجادل وتبني. لهذا كانت نصوصه أهلا لحوار مع التاريخ والمعرفة الشعرية أيضا. معمقا منجزه، وفاتحا إياها على ما يجري من جمال في الشعر وما يجري من قتل وبشاعات رهيبة تطارد المعنى، والشعر الجدير بهذه الصفة. لهذا، لا بد من الإصرار على الإمساك أو العض على تلك الجمرة التي توحد الشعراء في الحرقة.
ومواصلة المسير على تلك الحافة. كما يفعل صديقنا عبد اللطيف الواري بدون أن يلتفت بين الشعر وظله.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية