للسيد أمام منجز كبير في مجال الترجمة إلى العربية بداية من كتابه الأول الذي صدر في بداية تسعينيات القرن الماضي «الشعرية البنيوية»، ومرورا بترجمته لقاموس السرديات لجيرالد برنس، والليالي العربية لأولريش مارزوف وريتشارد فان ليفن، وانتهاء بوقفته الطويلة وترجمته لجزء كبير من منجز إيهاب حسن. ولكن هذا المنجز في مجال الترجمة الذي يجذّر قيمته بوصفه مترجما من مترجمي الصف الأول عن الانكليزية يغيّب دون شك دورا مهما له وجود ملموس، هو دور المثقف الواعي بمشروعه، ذلك المشروع الذي يوجهه بالضرورة إلى أعمال بعينها تحتاجها اللحظة، لأن الترجمة في الأساس فعل من أفعل الاختيار الواعي.
ولكن الطريق الوحيدة لاستجلاء ملامح دوره الوعي تتمثل في المقدمات التي كتبها لكتبه، ففيها تتجلى ملامح مشروع فكري تنويري عقلي خاص، خاصة بعد أن أصبح منحازا لآلية في التواصل أكثر سرعة وأكثر تأثيرا بعيدا عن نمط التنويريين في النصف الأول من القرن الماضي وتابعيهم في النصف الثاني حيث يقدمون مشروعهم في إطار كتاب متكامل أو موزعا على مجموعة كتب، ولكنه يتجلى منحازا لفكرة السرعة في التواصل، وفكرة النتف والجزئية ربما استجابة لصوت العصر السريع في تغيره وتحولاته المختلفة.
تتجلى ملامح هذا المشروع في مجموعة من الجزئيات بداية بفهمه للعقلانية والتنوير، مرورا بعلاقتنا بتراثنا العربي، وعلاقتنا بالآخر، وختاما بآلية مقاربته لموضوع ما خاصة مقدمته التي كتبها لترجمة موسوعة الليالي العربية، كاشفا من خلال هذا التناول عن نسق تراتبي طبقي يشكل طبيعة وحركة المجتمع باختلاف العصور، مما يرشحه لأن يكون علة مستديمة تتقنع في كل عصر بقناع جديد.
تساءل بعض المترجمين في واحد من حواراته: هل المترجم ساعي بريد؟ وربما يكون هذا السؤال السبب الأساسي للإشكالية الحقيقية التي تجعل البعض لا يشعر بمشروع سيد إمام التنويري والفكري، فنحن حين نوافق على ذلك نهمل كون الترجمة في الأساس فعل اختيار ومحبة على حد تعبيره. والاختيار بالضرورة يرتبط بسياق حضاري يعيش فيه المترجم، ويؤثر فيه ويتأثر به، ويكون موجها له، ويظل ذلك الترابط ممتدا في إطار جدلية مستمرة.
تتولد أهمية لبعض الأسئلة، منها: أيهما يحرّك الآخر الترجمة أم الاهتمام الثقافي؟ وهل هناك أسبقية لتوجه دون آخر؟ أم هناك حالة من التداخل الشديد بين المجالين؟ فكل مجال منهما يرفد الآخر فالترجمة ترفد المثقف برؤية ذات خصوصية، والثقافة أو المثقف تؤثر بالضرورة في الاختيار.
تأتي وقفته الطويلة أو توجهه إلى ما بعد الحداثة لافتة للنظر وكاشفة عن جدل مستمر بين المثقف ومجال اشتغاله أو ترجمته، فهناك أفكار بالضرورة تسربت وأسهمت في تشكيل رؤية المثقف. ويمكننا التوقف في حالة السيد إمام بوصف الترجمة فعلا انتقائيا عند جزئيتين: الأولى تتمثل في غياب اليقين وغياب الحقائق المطلقة، فليست هناك حقيقة يمكن الوثوق بها، ولهذا تجده في كل ما يكتب متدثرا بالشذرات وبالجزئي والبسيط. والأخرى تتمثل في كون العوالم الماضية عوالم خطابية لغوية في الأساس، ولهذا فهي أيديولوجية لا تخلو من التحيز، ومن ثم يمكن التوقف لاستجلاء خطابات قابلة ومباينة لها تفتت هذا التصور الأحادي المتفق عليه.
في ظل هذا الفهم يبدو مفهوم المثقف أكثر حضورا وقيمة، لأنه يتعاظم على دور المترجم أو ساعي البريد أو الروبوت على حد تعبير سيد إمام بالرغم من أهمية ذلك الدور، خاصة في ظل تحديد غرامشي للمثقف العضوي الفاعل. فالمثقف من خلال وعيه الخاص يسبق مجتمعه، ويظل قادرا على حمل المسؤولية التاريخية المرتبطة بالفكر والهوية للحفاظ على تمددها دينامية غير متحجرة. المثقف في ظل هذا الوعي المتقدم يعرف جيدا إطار الحركة للأمام، ويدرك ما يعرقل هذه الحركة وهذا التوجه.
المثقف ليس قارئا يختزن ما يقرأ، وليس مترجما يترجم كأنه آلة، ولكن المثقف من يجيد الاشتباك والنزال من أجل الفكرة، وهذه سمة أساسية في تكوين شخصية سيد إمام، ولهذا يمكن التركيز على مساحات الاشتباك مع الخارج الثقافي والاندماج في هذا الواقع مع التأكيد على أن مجال الاشتباك لا ينفصل أبدا عن التأهيل الفكري والتكوين الثقافي الخاص، وفي طريقة وآلية اشتباكه مع محيطه ومجتمعه.
تتوزع اهتمامات سيد إمام في تجذير دوره التنويري في مجالات عديدة، منها ما يرتبط بإعادة النظر في أنظمة وطرائق التفكير، فهو في ذلك السياق مهموم بإعادة مقاربة كل التصورات القديمة، والتأويلات المستكينة الهادئة والمفاهيم البالية، والأحكام الجاهزة المتفق عليها حول الإنسان والعالم والوجود.
وهذا قد يشدنا إلى سمة أخرى من سمات مشروعه أو سمات توجهه، فهو مهموم ومتجذر في الآني وسياقه الحضاري، وينطلق منه إلى المستقبل، ويقف في توجه مباين ومضاد لكل الماضويين الذين يثبّتون اهتمامهم في رحابه، ويستمدون منه إطارا لحركتهم بالرغم من الاختلاف الكبير بين السياقين.
وتتعدد اهتمامات سيد إمام في إرساء منحاه التنويري، منها ما يرتبط بالثقافي، ومنها ما يرتبط بالنقد المباشر للظلاميين، وما يرتبط بالماضويين ناقدا تغرّبهم عن زمنهم مشيرا إلى خطأ التوجه واستمراره، ومنبها إلى مشروعية رأيه من خلال بدائل أو مظاهر عديدة ترتبط بالسخرية والنسبية وتعدد وجهات النظر في مقاربة أي موضوع، لافتا النظر إلى غياب اليقين في أي شيء، مندهشا من أصحاب اليقينيات الجازمة المشدودة للهشاشة الاتباعية ومحدودية التجربة. في حواراته يكون المدى واسعا، لكي يترك نفسه للحديث بحرّية عن مجموعة المشاكل التي تظلل الشخصية العربية، في علاقتها بتراثها وطبيعتها الممتدة وتحولاتها، وفي علاقتها بالآخر، وآلية الارتباط به من الوقوف خلفه والنقل عنه، وكأن ما تقوم به فعل من أفعال الاجترار، أو تقف على بساط متساو للوصول إلى فاعلية الإسهام والمشاركة في إنتاج المعرفة من خلال إعادة تدويرها وتخصيبها انطلاقا من لحظتنا الحضارية الخاصة.
ينحاز سيد إمام إلى النمط الثاني، ومن ثم يأتي تصوره لفعل الترجمة مختلفا عن الوقوف عند فكرة النقل أو فكرة ساعي البريد التي ألمحنا إليها سابقا. الترجمة – على حدّ تعبيره- ليست عشوائية، ولا يجب أن تكون بل يجب أن تؤطرها رؤية، وأن تكون ضمن مشروع، وأن تخضع لسؤال: أترجم ماذا؟ ولماذا؟ أنا شخصيا لا أترجم عملا لا أحبه، أترجم في العادة كتابا أرى أنه سوف يضيف لمعرفتي ولمعرفة القارئ، يضيف شيئا إلى زاوية من زوايا الوجود.
إن تأمل منجز ونشاط الترجمة لدى سيد إمام على مدار رحلته يكشف عن ارتباط ووقفة طويلة ذات دلالة مع نظرية ما بعد الحداثة، سواء أكان ذلك الوقوف مرتبطا بترجمة كتب في مجالها الفكري والحيوي، أو في الوقوف وقفة لافتة في ترجمة منجز وإسهام علم من أهم أعلامها وهو المصري الأصل إيهاب حسن.
أشار سيد إمام في إجابته عن سؤال عن معايير الكتب التي يقوم بترجمتها إلى روح العصر، وكونها –أي الكتب- تعبيرا صادقا عن هذه الروح، فيتجلى وفق ذلك أنه ليس ابنا للماضي يركن إليه، ولا يسلك سلوك الخانع، فهو فيما يترجم ويكتب ابن لعصره ومن خلاله يتوجه للأمام دائما.
وانطلاقا من مجاله المعرفي يتوقف طويلا أمام النظريات والمناهج الأدبية والنقدية، مشيرا إلى أهمية الإضافة، وألا يقف عملنا عند مجرد النقل، وإنما يجب أن يرتبط بالتفاعل الحر، والتبادل الخلّاق الذي يقوم على القراءة الواعية والتدبر والتأمل والتفكير، حتى لا نتحول من خلال التقليد إلى أبواق أو إلى أوان مستطرقة.
في إجابته عن سؤال يرتبط بماذا ينقصنا اليوم للتقدم، أجاب سيد إمام إجابة واضحة وكاشفة عن النقد الذاتي قائلا: «يقتضي ذلك تغيير الذهنية العربية، وتخليصها من مجموعة معوقاتها وطريقتها في رؤية العالم، والنظر إلى الأمور، بالإضافة إلى تخلصها من ميراث الأسطورة والتفسير الخرافي للتاريخ، مما يعني باختصار دخولها إلى عصر الحداثة من باب الابتكار والإسهام في حركة العلوم الحديثة».
ينطلق سيد إمام بداية من فكرة مقررة من خلال التأمل، في أن هناك ثباتا في موقف الثقافة العربية في التلقي القديم واستمرّ هذا التلقي التاريخي في ممارسة دوره حتى بدايات النهضة. فموقف الثقافة العربية تأسس بداية من تجاهل المسعودي، ووصف الجاحظ للقصاص بالغفلة والجهل، ومرورا بحكم ابن النديم الذي أطلقه في الفهرست، وانتهاء برأي الإمام محمد عبده بقوله في وصف كتاب الليالي «عباراته سخيفة ومخلة بقوانين اللغة»، بالإضافة إلى مصادرة المحاكم المصرية للكتاب، لأنه يشكل خطرا يهدّد قيم الشباب المصري.
يلخص سيد إمام بعد ذلك في سعيه للوصول إلى أسباب التغييب المتعمد والتحجيم التي مورست ضد نص الليالي، فيشير إلى الأسباب التي قد تبدو للوهلة الأولى حاضرة وفاعلة، مثل هاجس خرق اللغة الكلاسيكية الممتدة أو خرق القوانين والمواضعات الدينية، أو خرق قيمة الصدق أو عدم المطابقة من خلال الغرائبية والغلو والإغراء.
فاستبعاد نص الليالي ليس للأسباب السابقة، وإنما السبب الأساس من وجهة نظر سيد إمام سبب نسقي تم بناؤه وتشكيله انطلاقا من فارق طبقي تراتبي، للتفريق بين الطبقة العليا والطبقة الدنيا، ومن ثم ظلت وامتدت فاعلية هذا التقسيم إلى آداب كل طبقة، فتشكل الثنائي المزعج والممتد في ثقافتنا العربية للإشارة إلى أدب رفيع وأدب هابط.
ففي تحليله يثبت أن لهذا السبب الطبقي تأثيرا كبيرا في أن يستمرّ نص الليالي غريبا مستبعدا ومهمشا ومنبوذا ومستهجنا. فجاءت الليالي كاشفة عن هذا النحو من الوجود ذات السمت الشعبي الذي ينظر إليه في الدراسات الأجنبية الحديثة على أنه نوع من الرد بالكتابة من هذه الطبقات المهمشة ضد الطبقة العليا بخلفائها ووزرائها من خلال تصوير هذه الطبقة داخلة في إطار من السذاجة، ومن خلال الكشف عن جميع أمراضها الراسخة في كل مرحلة أو طبقة معرفية خاصة.