لوس أنجليس – «القدس العربي» : في الأعوام الأخيرة عرض مهرجان كان السينمائي عدداً من الأفلام العربية في تظاهراته الرسمية، لهذا فإن اختياره لفيلم عربي واحد وحسب، هذا العام، وهو المغربي «علي صوتك» للمشاركة في منافساته الرسمية صدم صناعة الأفلام العربية، ودفع البعض إلى اتهامه بالتحيز لإسرائيل لاختياره ثلاثة أفلام إسرائيلية، وهي «ركبة عهد» و»سيكون صباحا» و«دفتر أسود» التي شاركت في المنافسة الرئيسية ومنافسة «نظرة ما» والعروض الخاصة على التوالي.
إذا تمعنا في هوية تلك الأفلام الإسرائيلية نجد أن مخرجيها هم يهود معادون للصهيونية، ومن أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية وسياستها التعسفية تجاه الفلسطينيين.
مخرجون ناقمون على دولتهم
مخرج فيلم «دفتر أسود» وهو شلومو الكابيتس، قال لي إنه رفض المشاركة في أي من فعاليات البعثة الإسرائيلية، التي حضرت المهرجان برئاسة وزير الثقافة. ولم يحضر إلا حفلاً واحداً، وذلك لكي يلتقي بالوزير ويطالبه بإلغاء القانون الذي يفرض الهوية الإسرائيلية على أفلام المخرجين الفلسطينيين، الذين يحصلون على دعم من صندوق السينما الحكومي. وذلك لأن القانون أجبر بعض هؤلاء المخرجين على الهجرة إلى أوروبا بحثاً عن دعم مادي هناك، يمكنهم تقديم أفلامهم في المهرجانات العالمية كأفلام فلسطينية تعكس واقعهم وثقافتهم وحضارتهم. إحدى تلك المخرجات هي ميسلون حمود، التي أنتج الكابيتس فيلمها «بر وبحر» عام 2016. الكابيتس يرفض الصهيونية ويعتبر نفسه يهودياً عربياً لكونه إبن عائلة مغربية هاجرت إلى إسرائيل بداية الخمسينيات وواجهت التمييز العنصري في دولة كان يهيمن عليها اليهود الأشكناز الأوروبيون. ويؤكد أن إسرائيل ما زالت دولة عنصرية في كل مجالات الحياة، من ضمنها صناعة السينما، حيث جميع المخرجين هم يهود أوروبيون وبيض ما عدا اثنين من اليهود العرب. «نشأت على مشاهدة أفلام إسرائيلية تطرح دائماً من منظور اليهودي الأبيض، ولم أر نفسي فيها. لهذا فيلم «لإتخاذ زوجة» الذي صنعته مع أختي رونيت عام 2004 كان صدمة للمجمتع الإسرائيلي، لأن شخصيته لم تتصرف مثل النساء الاشكنازيات بل كامرأة يهودية نشأت في بيت عربي» يقول الكابيتس، الذي صنع وأخته ثلاثية أفلام سبراً فيها حياة إمرأة يهودية مغربية منذ زواجها حتى طلاقها.
وفي فيلمه الأخير «دفتر أسود» يسجل سيرته المهنية وأخته، التي توفيت فجأة عام 2016 إثر إصابتها بسرطان الرئة، ويتناول بحثهما عن هويتيهما كيهود عرب وارتباطهما ببلد والديهما المغرب.
أما ناداف لبيد، مخرج فيلم «ركبة عهد» فهو معروف بانتقاداته اللاذعة لإسرائيل وحكومتها وثقافتها وفنها في أفلامه، واصفاً إياها بالدولة الفاسدة أخلاقياً والخالية من الحضارة.
ورغم فوز فيلمه بجائزة حكام مهرجان كان، إلا أنه تعرض لاستنكار النقاد الأمريكيين، الذين اعتبروه عدائياً لإسرائيل ووصفوا لبيد بأنه يعض اليد التي تطعمه، وذلك لأن الفيلم مموّل من قبل صندوق دعم السينما الحكومية.
«ركبة عهد»
«ركبة عهد» يستحضر اقتراح عضو كنيست إسرائيلي بإطلاق النار على ركبة الناشطة الفلسطينية، عهد التميمي، بدلاً من حكم السجن عليها بعد صفعها لجندي إسرائيلي، لكي تشل وتعجز عن المشي إلى الأبد.
ويحكي قصة مخرج إسرائيلي معاد للصهيونية ينطلق إلى منطقة صحراوية نائية لاختيار ممثلة لأداء دور عهد وصنع فيلم عنها بعيداً عن أنظار رقابة وزارة الثقافة الإسرائيلية ليتفادى إيقاف إنتاج الفيلم. وعلى مدى ساعتين، يستنكر الفيلم فساد الحكومة الإسرائيلية وبشاعة الاحتلال ويطهر بسالة المقاومة الفلسطينية ويحط من قيمة الفن والثقافة الإسرائيلية ويسخر من سطحيتها.
لكن الفيلم الذي أثار الجدل وتحول عرضه إلى مناسبة للاحتجاج على القانون الإسرائيلي، الذي يفرض الهوية الإسرائيلية على الأفلام التي تموّل من قبل المؤسسات الحكومية، كان «سيكون صباحا» للمخرج عيران كوليرين، وذلك بفضل رفض طاقم ممثليه الفلسطينيين حضور عرضه في المهرجان بسبب تقديمه كإسرائيلي مع أنه يطرح قصة فلسطينية من سيناريو كاتب فلسطيني وهو سيد كشوع، الذي استلهمها من حالة الحصار التي وصفها الشاعر الفلسطيني، محمود درويش.
الفيلم يحكي قصة سامي، فلسطيني يحمل جنسية اسرائيلية ويقطن في القدس، يسافر مع زوجته وابنه إلى مسقط رأسه ليحضر عرس أخيه، ويعلق هناك عندما يفرض الجيش الإسرائيلي حصار على البلدة ويمنعه الجنود من العودة إلى القدس، ما يسفر عن خسارته وظيفته وحرمان ابنه الذهاب إلى المدرسة ووقوعه في مشاكل مع عائلته. كورليرين، المعروف بفيلم «زيارة الفرقة» الذي عرض في نفس المنافسة عام 2007 ويحكي قصة فرقة موسيقية مصرية تعلق في بلد صحراوية نائية عند زيارتهم إسرائيل، صرح عن تضامنه مع طاقم ممثليه الفلسطينيين وندد بالقانون الإسرائيلي ووصفه بـ التعسفي. «ليس من حق أي حكومة أن تفرض هويتها على فنان أو على عمل فني،» قال في مؤتمر صحافي.
إذا رغم أن إسرائيل شاركت في ثلاثة أفلام في مهرجان كان إلا أنها تضررت أكثر ما استفادت من ذلك، إذ استغل مخرجوها منصة كان العالمية للتنديد بها وبقوانينها التعسفية والاستهتار بفنها وفضح ظلمها للفلسطينيين وبشاعة احتلالها لأرضهم.