جدل في تونس حول اتفاقية التبادل الحر والشامل مع الأوروبيين

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”:  تشهد الساحة السياسية التونسية جدلا واسعا وتجاذبات بين مختلف الأطياف بسبب “الأليكا” أي اتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمق بين تونس والاتحاد الأوروبي. ووصل الأمر بالمنظمات الوطنية الكبرى من حيث التأثير والمساهمة في صنع القرار، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين، إلى اعتبار الاتفاقية استعمارا جديدا مقنعا لتونس وضربا لواحد من أهم مقومات البلاد، أي الفلاحة.

إضرار بالقطاع الفلاحي

وفي هذا الإطار يؤكد الباحث المختص في الشأن الاقتصادي التونسي محسن الرزقي لـ “القدس العربي” على أن مناهضي الأليكا متفقون على اعتبار أن قضية الفلاحة التونسية هي خط أحمر وعقبة كأداء لهذا الاتفاق. وحسب محدثنا فإن اتحاد الفلاحين يبرر رفضه لإمضاء الاتفاقية كونها ستسهم في تدهور وضعية حوالي 250 ألف فلاح صغير من ذوي وسائل الإنتاج التقليدية وغير القادرين على مواجهة فلاحة أوروبية ممكننة وعصرية وذات قدرات عالية من الإنتاج والجودة، مشددا رفضه القطعي للتوقيع على اتفاقية الأليكا في صيغتها الحالية، داعيا إلى ضرورة تأهيل القطاع الزراعي الذي يشكل أولوية وطنية مع عدم ربطه بملف الشراكة.

ويضيف الرزقي: “لقد التحق الاتحاد العام التونسي للشغل بالجوقة عبر محاذير المستشار الاقتصادي للاتحاد سامي العوادي من الأليكا وتأثيراتها السلبية خاصة على القطاع الزراعي والأمن الغذائي الوطني”. مشددا على عدم استجابتها لشروط تكافؤ الفرص بين الجانبين. وهذا ما دفع الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي إلى التأكيد على وجوب مواصلة الضغط لمنع الاتفاقية إذا لم يشارك في المفاوضات، داعيا إلى ضرورة ضخ القدرات العلمية والكفاءات التونسية المستقلة فيها من أجل الدفاع عن مصالح تونس.

ولعل هذا ما جعل رئيس الحكومة يوسف الشاهد يؤكد على أن هذه الاتفاقية دقيقة جدا ويجب تفعيلها على مراحل، مضيفا أن تونس لن تتبنى أي اتفاق يسمح بالمساس بالقطاع الزراعي أو بالسيادة الوطنية. وبهذا التصريح حاول رئيس الحكومة الإمساك بالعصا من الوسط للحد من تفاعلات الشارع حول الاتفاقية التي تتزامن مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة والتي يعول عليها وحزبه لكسب مغانم كثيرة منها ومن ثمة سحب البساط من تحت أقدام خصومه الذين لم يقدموا بدائل مقنعة لرفضهم للاتفاقية، متناسيا بالمناسبة أنه في 24 نيسان/ابريل 2018 تعهد بأن تكون السنة الحالية التحديد النهائي للنقاط الأساسية لاتفاقية الأليكا على أن يتم تطبيقها تدرييجا، وذلك بدون أن يعود صاحب القصبة (مقر رئاسة الحكومة) إلى البرلمان”.

اتفاقية شاملة

ويرى الرزقي أنه في ضوء هذا الشد بين الحكومة ومعارضي الاتفاق تتجلى جملة من الحقائق الموضوعية في الاتفاقية التي لا تعني فقط القطاع الزراعي كما قد يتبادر للذهن، فهي شاملة لقطاع الخدمات أيضا وهو قطاع حيوي بدرجة عالية في تونس ومساهمته في الناتج الإجمالي للبلاد لا تقل أهمية عن القطاع الزراعي. ولئن بدأ البعض، حسب محدثنا، وعبر اجتماعات متواترة خاصة من المهن الحرة يعبرون عن رفضهم للاتفاق خوفا من تأثيراتها على اقتصاد ضعيف الإنتاج، فإنهم يتناسون، أن إتفاقية “الأليكا” هي استكمال لاتفاق الشراكة مع أوروبا الموقع في حزيران/يونيو1995.

والجدير بالملاحظة، أن المبادلات الاقتصادية التونسية مع الاتحاد الأوروبي تمثل اليوم نحو 80 في المئة من جملة صادرات البلاد مقابل65 في المئة من الواردات وقد كان لاتفاق 1995 انعكاس ايجابي على الميزان التجاري للبلاد بعد التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ العجز سنة 2015 نسبة 12.6 في المئة مقابل 50 في المئة قبل العمل بالاتفاقية. ويؤكد الرزقي على أن كبير المفاوضين التونسي هشام بن أحمد شدد مرارا على أهمية عدم التماثل عند التطرق إلى المواضيع التفصيلية للمفاوضات لا فقط بالنسبة للزراعة بل للخدمات أيضا مع وجوب الأخذ في الاعتبار عدم التكافؤ بين الجانبين تجاريا واقتصاديا وتكنولوجيا مع الأخذ في الاعتبار مجالات السوق هنا وهناك.

 ويختم حديثه بالقول: “لقد طالبت تونس في مفاوضاتها مع الشريك الأوروبي بمنوال مشابه لما تم التوصل إليه سنة 1995 مع فترة إمهال لا تقل عن عشر سنوات قبل دخول الاتفاقية الجانب العملي منها ويبدو هذا منطقيا، كما أن ضخ موارد هامة في الفلاحة التونسية من الطرف الأوروبي يعد أيضا إيجابيا للرفع من مستواها وجعلها في مستوى نظيرتها الأوروبية إنتاجا وتسويقا وجودة صناعية، وهو ما كانت أوروبا قامت به مع دول مثل جورجيا وأوكرانيا. كما تحرص تونس على قضية أخرى هامة في الاتفاقية وهي حرية الحركة بينها والفضاء الأوروبي، حيث تطالب بتسهيلات كبيرة لدخول الأشخاص إلى الفضاء الأوروبي خاصة رجال الأعمال والكفاءات العلمية والطلاب وما شاكلهم.

ولا بد من النظر إلى المعارضة الشديدة خاصة من الأحزاب اليسارية والعروبية لاتفاقية “الأليكا” من زاوية الانتخابات المقبلة ذلك أن المعارضة تحاول أن تمسك بهذا الملف لجعله حصان طروادة الذي سيكون أداة لعودة الاستعمار الجديد للسيطرة على مقدرات البلاد المحدودة جدا، في الوقت الذي أجمع فيه العديد من الخبراء بمن فيهم النزهاء حسب رأي المعارضة، على أهمية الاتفاقية في مداها البعيد على الاقتصاد التونسي وعلى الزراعة خاصة التي ستحظى بتدفقات مالية مهمة قد تخرجها من طورها شبه البدائي وتحسن مردوديتها بعد دخولها أسواقا جديدة في القارة العجوز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية