تونس-»القدس العربي»: مَنُّوبَة هي مدينة تونسية ومركز لولاية تحمل إسمها، تقع في الشمال الشرقي للبلاد تحدّها شرقا ولايتا أريانة وتونس وشمالا ولاية بنزرت وغربا ولاية باجة وجنوبا ولاية زغوان. وبالتالي فهي واحدة من ولايات تونس الكبرى الأربع، أي أنها محاذية عمرانيا للعاصمة وملاصقة لها بعد أن توسعت مدينة تونس وتداخلت مع قرطاج وأيضا مع مدن صغيرة محاذية لها من مختلف الاتجاهات على غرار منوبة ورادس والزهراء والمرسى وأريانة وغيرها، حتى باتت جميعها جزءا من العاصمة أو ما تسمى تونس الكبرى.
أصل كلمة منوبة يعود إلى اللغة البونية أو البونيقية وهي لغة قرطاج التي هي مزيج من الكنعانية المشرقية واللوبية الشمال أفريقية، وتتركب الكلمة من «منّة» ومعناها الخير و»وبة» ومعناها السوق أي سوق الخير. ويعود ذلك إلى خصوبة الأراضي المحيطة بمنوبة التي كانت توفر عبر التاريخ وإلى اليوم أجود الخيرات والمنتوجات الفلاحية باعتبار توفر المياه في الولاية بكميات هامة ومعتبرة بسبب مرور نهر مجردة وروافده وقنواته وأيضا بالنظر إلى أهمية التساقطات على مدار العام وأيضا المياه الجوفية بالمائدة المائية، فهي سوق فلاحي مليء بالخيرات بكل ما للكلمة من معنى.
حضارة زراعة ومياه
استوطن الإنسان منوبة منذ أقدم العصور بسبب خصوبة الأراضي ووفرة المياه وهو ما تثبته الآثار والحفريات والمعالم المنتشرة في كل ربوع الولاية التي أصبحت مع الوقت تضم تجمعات سكانية وقرى لوبية بونية باعتبار قربها من قطب الرحى ومركز الحضارة والدولة أي مدينة قرطاج وأيضا من مدينة أوتيكا الفينيقية أو عتيقة. كما تقع منوبة في مكان حيوي يربط بين مدن هامة وفاعلة في الحضارة القرطاجية مثل قرطاج نفسها وثابركا أو طبرقة كما تسمى اليوم والتي كانت من أهم الموانئ الفينيقية التي اعتمدت عليها قرطاج كثيرا في العصر البوني اللاحق.
وفي العصر الروماني تعاظم شأن منوبة ومحيطها فلاحيا باعتبار أن روما قد ورثت عن قرطاج ولعها بتطوير الفلاحة وجعلها أهم روافد الاقتصاد إلى جانب التجارة البحرية التي برع فيها القرطاجيون أسوة بأسلافهم الفينيقيين الكنعانيين. فتم في هذا الإطار استصلاح الكثير من الأراضي وإدخال زراعات جديدة وبنيت الجسور وتم التحكم في الثروة المائية من خلال عديد المنشآت مثل القنوات والصهاريج والجسور وغيرها.
ومع قدوم العرب إلى شمال أفريقيا محملين برسالة الإسلام أصبحت مدينة القيروان هي مركز الثقل الحضاري لقرون، وأفل نجم قرطاج التي قطعت عنها المياه على يد القائد الأموي حسان بن النعمان. لكن بالمقابل توسعت قرية تونس التي أقام فيها الأمويون دارا لصناعة السفن، ومع الوقت التصقت عمرانيا بمنوبة وقرطاج إلى أن أحرق الغزاة من بني هلال وبني سليم مدينة القيروان في العصر الصنهاجي فاضطر الموحدون ومن بعدهم الحفصيون وحتى المستعمرون العثمانيون إلى إعادة مركز الثقل إلى مجمع مدن وقرى وضواحي تونس قرطاج.
وأنجبت منوبة الكثير ممن شهد لهم الناس بالولاية والصلاح على غرار قطبي التصوف السيدة عائشة المنوبية التي استمدت اسمها من المدينة وسيدي أبي سعيد الباجي الذي سميت بإسمه الضاحية السياحية الشهيرة «سيدي بوسعيد». كما أنجبت القرى المجاورة والتي باتت اليوم جزءا من ولاية منوبة سيدي علي الحطاب قرب المرناقية وسيدي بن عيسي في طبربة وآخرين.
ومثل منطقة باردو المجاورة تحولت منوبة في عصر الدولتين المرادية والحسينية إلى واحدة من أهم الأماكن التي يحبذ السلاطين والملوك والأمراء وكبار رجال الدولة الإقامة بها وامتلاك الضيعات الفلاحية في الأماكن المحيطة بها. فبنيت القصور الفخمة التي بقيت إلى اليوم شاهدة على تلك الحقب الملكية من تاريخ تونس وعلى الماضي الملكي لهذه المدينة الهادئة التي هددت أراضيها الخصبة المباني الحديثة.
وخلال الحقبة الاستعمارية استقرت بمحيط منوبة جالية إيطالية امتهنت النشاط الفلاحي، كما سيطر مستوطنون فرنسيون على عدد لا بأس به من أخصب الأراضي الزراعية. وقد تم إجبار هؤلاء لاحقا على المغادرة بعد تأميم الأراضي الزراعية من قبل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي وقع على قانون التأميم في نفس التاريخ الذي أجبرت فيه فرنسا بجيوشها ملك البلاد محمد الصادق باي قبل ثمانين عاما على إمضاء معاهدة احتلال تونس، وتم توقيع القانون أيضا على الطاولة ذاتها التي أمضيت فيها المعاهدة الاستعمارية في حدث رمزي هدفه استبدال الأحداث السيئة بأخرى تبعث على النخوة في الذاكرة الوطنية.
وبعد إلغاء النظام الملكي في تونس وإعلان الجمهورية سنة 1957 تم وضع آخر ملوك البلاد محمد الأمين باي في الإقامة الجبرية بقصر الوردة بمدينة منوبة ثم في شقة متواضعة بقلب العاصمة حيث فارق الحياة مع بداية ستينيات القرن العشرين. وبقيت منوبة طيلة سنوات جزءا من ولاية تونس العاصمة إلى ان صدر قرار مع بداية الألفية الثانية بجعلها مركزا لولاية أو محافظة مستقلة بذاتها بعد أن ارتفع عدد سكانها وأصبح لا مفر من تقريب الخدمات الإدارية إليهم.
معالم متعددة
من أهم معالم منوبة قصر الوردة الذي أنشئ سنة 1798 في عهد الملك حمودة باشا الحسيني والذي كان ملجأ للراحة والإستجمام بين أشجار منوبة وبساتينها لواحد من أفضل وأعدل ملوك تونس في العصر الحسيني. وتحول قصر الوردة في عهد الملك أحمد باي الأول سنة 1840 إلى ثكنة عسكرية للخيالة غير بعيدة عن مركز الحكم في باردو .
وقد بني القصر وسط حقول وبساتين لم يبق منها اليوم شيء باعتبار التوسع العمراني. وهو تحفة معمارية بكل ما للكلمة من معنى خصوصا في الداخل حيث النقوش والزخارف والفن المعماري التونسي الأصيل. وتحول القصر اليوم إلى مقر للمتحف الوطني العسكري التونسي وهو مفتوح للعموم لمشاهدة التاريخ العسكري للخضراء منذ العهد القرطاجي الذي عرف نشأة أول جيش نظامي عصري يرتقي إلى درجة «مؤسسة» في تاريخ البلاد.
ومن بين قصور منوبة الملكية أيضا قصر قبة النحاس الذي بني في عهد محمد الرشيد باي في القرن الثامن عشر وحصلت عليه إضافات في عهد الملك حمودة باشا الحسيني مع بداية القرن التاسع عشر. وهو قصر جميل جدا من الناحية المعمارية امتزجت فيه مؤثرات عديدة منها التونسي والعثماني والأندلسي والإيطالي، وسمي بقصر قبة النحاس نظرا لوجود قبة نحاسية كبيرة في سقفه.
وتضم منوبة أيضا برج العربي زروق الذي بني في نهاية القرن الثامن عشر زمن حكم الملك حمودة باشا الحسيني وهي فترة برزت فيها تونس مجددا في المنطقة المتوسطية كقوة يقرأ لها ألف حساب تمكنت من إجبار البندقية على إبرام صلح مذل بعد صراع بحري مرير. والعربي زروق هو من كبار رجال الدولة الحسينية في تونس وتقلد مناصب هامة مثل وزير المالية والوزير الأكبر في العصر الذهبي لهذه الدولة التي حكم ملوكها تونس قرابة ثلاثة قرون وأطاح بهم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه الذين أنهوا الحكم الملكي وأعلنوا تونس جمهورية. وقد تحول القصر اليوم إلى «المركز القطاعي للتكوين في الإلكترونيك» التابع لوزارة التكوين المهني والتشغيل.
ومن معالم منوبة قنطرة وسد البطان القريبة من قرية طبربة الأندلسية، والتي أقيمت على نهر مجردة وهو أطول أنهار البلاد التونسية وأهمها حيث يجعل هذا النهر وروافده وقنواته وسدوده الأراضي المحيطة به من أخصب أراضي البلاد في الميدان الفلاحي. وقد شيد الجسر في عهد يوسف داي في القرن السابع عشر وأضيف السد في نفس القرن في فترة حكم محمد باي الذي قيل عنه أنه استعان فيه بخبرات هولندية باعتبار براعة سكان البلاد المنخفظة في التعامل مع المياه.
ومن معالم منوبة الحنايا الرومانية وهي قنوات لنقل المياه من مدينة زغوان المعروفة بمياهها العذبة إلى مدينة قرطاج وقد تم هدمها من قبل العرب عند الفتوحات واقتلع لاحقا بنو هلال حجارتها المصقولة وباعوها إلى الأندلسيين الذين كانت سفنهم تنقلها لاستغلالها في بناء القصور. وبقي جزء من هذه القناة العجيبة بولاية منوبة بين منطقتي صنهاجة ووادي الليل ويتم إهمالها وعدم الاعتناء بها رغم أنها كانت تصنف في عصر ما ضمن عجائب الدنيا بالنظر إلى اتقان هندستها في نقل المياه إلى مسافات طويلة وبين مدن متباعدة.
وتوجد بمنوبة زوايا الأولياء الصالحين وأهمها على الإطلاق زاوية السيدة عائشة المنوبية وهو في الحقيقة بيت عائلتها الذي ولدت فيه سنة 1197 للميلاد وتوفيت به سنة 1267 ميلادية لكن يقال أنها دفنت بمنطقة السيدة قرب مدينة تونس العتيقة. وقد عرفت هذه المرأة بزهدها وتصوفها وفعلها للخير وصلاحها منذ نعومة أظافرها، كما عرفت بعلمها وثقافتها الواسعة وهي التي تتلمذت على يد أقطاب العلم والتصوف مثل سيدي أبي سعيد الباجي وسيدي أبي الحسن الشاذلي صاحب الطريقة الشاذلية.
لقد أصبحت عائشة المنوبية (نسبة إلى منوبة) أو السيدة المنوبية واحدة من أهم نساء تونس على الإطلاق وباتت زاويتها في منوبة مزارا لمريديها إلى يوم الناس هذا حتى أصبحت منوبة في أذهان البعض تساوي السيدة عائشة المنوبية. وتعتبر الزاوية تحفة معمارية بنيت على الطراز المعماري التونسي القديم وقد تم تعهدها على مدى قرون بالصيانة والترميم من مختلف السلالات الحاكمة المتعاقبة.
كما تضم ولاية منوبة زوايا لأولياء صالحين آخرين ومنها زاوية سيدي علي الحطاب قرب منطقة المرناقية وسيدي بن عيسى بمنطقة طبربة وسيدي عمر في مدينة منوبة ذاتها. وما زالت هذه الزوايا تستقطب المريدين والفقراء إلى الله من أتباع الطرق الصوفية وتقام فيها الاحتفالات ويتم إطعام ضعاف الحال من «إسلام طرقي شعبي» ترسخ في عادات التونسيين وبات مكونا من مكونات هويتهم.
كما تضم منوبة آثارا ومواقع بونيقية من العصر القرطاجي وأخرى من الحقبة الرومانية وأيضا آثارا من زمن الإنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ وهي منتشرة في أغلب ربوع الولاية. ففي هنشير صار، اكتشفت مدينة برمتها تقع على جبل الأنصارين ويبدو أنها نشأت في العصر القرطاجي وحتى اللوبي ولكنها نمت وازدهرت خلال الحقبة الرومانية، وفي تيبوربو مينوس، الرومانية أو طبربة التونسية وجدت آثار قرطاجية وفينيقية باعتبار وأن أص المدينة هو قرية بونية قرطاجية. وتوجد مواقع أخرى عديدة تم فيها اكتشاف مدن قديمة تضم أواني ولوحات فسيفسائية ومقابر وغيرها.
منوبة اليوم
المدينة اليوم هي مركز لولاية فلاحية هامة لكن أراضيها الخصبة مهددة بالتوسع العمراني الذي يقضم أجود الأراضي التي أقيمت عليها فلل وعمارات سكنية استقطبت في عمومها أبناء الطبقة الوسطى ومثلت متنفسا ورصيدا عقاريا هاما لإسكان الأجيال الجديدة من أبناء العاصمة. كما بنيت هذه المباني الجديدة على حساب البساتين والحدائق الغناء التي تحيط بالقصور الملكية وعلى حساب المواقع الأثرية التي تم الإعتداء على بعضها.
كما تعتبر منوبة مدينة صناعية بامتياز فهي تضم مناطق صناعية في اختصاصات متعددة تشغل اليد العاملة وتساهم في الحركة الاقتصادية مثل المنطقة الصناعية بقصر السعيد. وتعاني هذه المصانع اليوم من صعوبات مالية وخسائر تسبب فيها جائحة كورونا التي استهدفت القطاع الخاص بالدرجة الأولى حتى باتت بعض المؤسسات مهددة بالإفلاس في غياب شبه تام للدولة.
كما تعتبر منوبة قطبا علميا جامعيا هاما ففيها جامعة منوبة التي تضم عددا من الكليات على غرار كلية الآداب والعلوم الإنسانية ومعهد الصحافة وعلوم الإخبار والمدرسة العليا للتجارة وغيرها. وتعتبر هذه الجامعة بمختلف كلياتها من أهم جامعات البلاد من حيث الإختصاصات المتوفرة بها ومن حيث جودة التكوين طيلة مراحل الدراسة.
وتعتبر منوبة أيضا قطبا صحيا لضمها لمستشفيات مختصة هي مستشفى القصاب لتقويم الأعضاء وهو الوحيد المتخصص في هذا المجال في كامل أنحاء البلاد، ومستشفى الرازي للأمراض العصبية والنفسية وهو أيضا الوحيد المتخصص في هذا المجال. ومن المتوقع أن يتم تشييد مصحات خاصة خلال الأعوام القليلة المقبلة في بلد بات يولي الأهمية الكبرى للقطاع الخاص على حساب القطاع العمومي، وهو توجه يلاقي انتقادات واسعة باعتبار أن تونس عرفت على الدوام بأنها دولة اجتماعية تضم طبقة وسطى هامة ومعتبرة العدد، تلقى العناية والرعاية من الدولة ضمن القطاع العمومي، وهي ملامح بصدد التغير في السنوات الخيرة فاسحة المجال لبروز دولة رأسمالية متوحشة.
وتفتقر منوبة إلى أماكن للترفيه رغم أنها كانت ملجأ الملوك للاستجمام، فقد تعطل على سبيل المثال إنجاز مسبح بها تستغله الأندية الرياضية في اختصاص السباحة وذلك بالرغم من وجود مسبح بالمعهد الأعلى للرياضة والتربية البدنية الذي يتخرج منه أساتذة الرياضة والواقع بمنوبة نفسها. ولعل المتنفس الرياضي الوحيد لأبناء المدينة هو ميدان سباق الخيول الأكبر والأضخم والأهم في البلاد والذي تقام فيه سباقات الخيول وتعطى فيه سنويا جائزة رئيس الجمهورية بحضوره أيا كان إسمه وسط أجواء منعشة يحتفى فيها بالحصان الفائز وفارسه ومالكه.