جدل متواصل بشأن مشروع قانون تجريد جنسية الجزائريين في الخارج

رضا شنوف
حجم الخط
13

الجزائر-»القدس العربي»:  قانون الجنسية الذي طرحه وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي، والذي يستهدف بالأساس الجزائريين المقيمين في الخارج أثار جدلا واسعا لا يزال قائما إلى حد الآن، بين من رأوا أن هذا القانون في حال تمريره ستكون له تداعيات خطيرة بالإضافة إلى أنه لا يمكن تجريد أي جزائري من جنسيته الأم مهما كانت الأسباب سياسية أو أمنية، ومن دافعوا عن المشروع كونه أحسن حل لردع من يتمادون في الإضرار بمصالح دولتهم ويهددون أمنها واستقرارها خاصة من ينخرطون في أجندات دول مصنفة كدول عدوة والذين هم على رأس المعنيين من مشروع القانون.

 جاء مشروع قانون تجريد الجنسية في ظل معطيات سياسية خاصة بالجزائر، تصدرها عودة حراك الشعب مع ذكرى اندلاعه الثانية في 22 شباط/ فبراير الماضي، والذي يطالب بالتغيير الجذري للنظام، وفي ظل أيضا تحذيرات أطلقتها السلطة من تهديدات خارجية للجزائر تستهدف استقرارها وأمنها عبر حرب إعلامية تقف وراءها دول معينة وأيضا من خلال إغراقها بالمخدرات.
ومع الإعلان عن مشروع القانون خلال اجتماع حكومي، تناسلت المواقف سواء لدى الطبقة السياسية أو على مواقع التواصل الاجتماعي. وبالنظر إلى توقيت الإعلان عنه، ذهبت قراءات إلى أن المقصود من الخطوة المعارضين الجزائريين الذين يقيمون في دول أوروبية خاصة في فرنسا وبريطانيا.

الحق في الطعن

وكان وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي، قد قدم مشروعا تمهيديا أمام اجتماع الحكومة في الثالث من الشهر الجاري «ينص على استحداث إجراء للتجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية أو المكتسبة يطبق على كل جزائري يرتكب عمدا أفعالا خارج التراب الوطني من شأنها أن تلحق ضررا جسيما بمصالح الدولة أو تمس بالوحدة الوطنية». كما يطبق هذا الإجراء على «الشخص الذي ينشط أو ينخرط في منظمة إرهابية، أو يقوم بتمويلها أو تمجيدها» ويخص هذا الإجراء أيضا «كل من تعامل مع دولة معادية» مؤكدا أن «الأحكام المنصوص عليها تبقى متوافقة مع الاتفاقيات الدولية المعمول بها في هذا المجال، والتي تضمن الحق في الطعن».
ويأتي مشروع القانون الحالي إضافة إلى الحالات التي يتم فيها التجريد من الجنسية المكتسبة حسب ما ينص عليه قانون الجنسية الجزائرية في المادة 22 والتي تشير إلى حالات من بينها تلك التي تتعلق بالحكم «على المعني من أجل عمل يعد جناية أو جنحة تمس بالمصالح الحيوية للدولة». وإذا قام «لفائدة دولة أجنبية بأعمال تتنافى مع صفته كجزائري أو كانت تلك الأعمال مضرة بمصلحة الدولة الجزائرية .
وكان البرلمان الجزائري قد أقر تعديلا في سنة 2005 يعترف بازدواجية الجنسية، وكان ممنوع على الجزائريين اكتساب جنسية ثانية، لكن كان يتم التغاضي عن تطبيق القانون بالنظر إلى ان أغلب أفراد الجالية الجزائرية في الخارج وخاصة في فرنسا يملكون جنسية بلد الإقامة.

القانون يستهدف من يمتلك أكثر من جنسية

وأثار  مشروع القانون العديد من الملاحظات أبداها خبراء من الجهة القانونية، على غرار الخبيرة الدستورية البروفيسور فتيحة بن عبو، التي أكدت  أنه عمليا لا يمكن نزع جنسية أي جزائري يحمل الجنسية الجزائرية فقط، لأن الجزائر حسبها انضمت لاتفاقية جنيف الخاصة بعديمي الجنسية، والتي تمنع عن أي دولة عضوة في الاتفاقية ان تجرد أحد رعاياها من جنسيته في حال كان يتمتع بجنسية واحدة فقط.
وحسب الخبيرة الدستورية فتيحة بن عبو فإن اتفاقية جنيف وفق الدستور الجزائري لديها قيمة قانونية أسمى من القانون الجديد. وفي حال تمريره يمكن معارضة القرار من خلال  اللجوء إلى إجراءات الدفع بعدم الدستورية. وفي تقدير الدكتورة فإن مشروع القانون لا يستهدف أصحاب الجنسية الواحدة، بل من يحمل أكثر من جنسية.
من جهته رأى الخبير الدستوري الدكتور عامر رخيلة بأن الجزائر لا تعاني من فراغ قانوني، يدفع نحو استحداث قانون جديد لمعالجة به هكذا قضايا، وحسبه فإن مشروع القانون لم يكن منتظرا ولم يأخذ الوقت المناسب، وأوضح أن هناك «بعض الممارسات وتصرفات لبعض الإخوة الجزائريين خارج البلد لهم مواقف يمكن معالجتها قضائيا أو إداريا وحتى سياسيا وهي موجودة في النصوص المنظمة للجنسية الجزائرية». وأكد الخبير الدستوري والعضو السابق في المجلس الدستوري في تصريحات له حول الموضوع بأنه «لا توجد أي ضرورة إصدار قانون تجريد الجنسية يؤلب، على الجزائر بمضمونه الكثير من مؤسسات حقوق الإنسان والكثير من القوى التي تصطاد في المياه العكرة والكثير من القوى المتحالفة مع جزائريين متآمرين على الجزائر».
وفجر مشروع القانون نقاشا واسعا وسط الشارع الجزائري، وكان تمسيرات الحراك في الجمعة التي أعقبت الإعلان عنه، رفعت شعارات رافضة له واعتبرته محاولة لإسكات الأصوات المعارضة في الخارج، وكان القانون أيضا مثار جدل على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيدين ومعارضين للخطوة.
وكتب الوزير السابق والدبلوماسي عبد العزيز رحابي في تدوينة على صفحته بموقع «فيسبوك» تجريد الجزائري من جنسيته «أمر  خارج الزمن ولا يخدم انسجام الأمة. أي طفل يولد لأم أو لأب جزائري يكون جزائريًا بالكامل ولا يمكن بالتالي حرمانه من جنسيته». وأضاف قائلا «لا يمكن التشكيك في هذا الحق الطبيعي لأسباب سياسية أو أمنية أو لأسباب أخرى يستشهد بها مشروع الحكومة» واعتبر رحابي أن هذا الاقتراح ينبع «من النزعة الشمولية للنظام ليتم تفعيلها في كل مرة يطالب فيها الشعب بمزيد من الحقوق والحريات، خاصة في وضع يتسم بتقييد مجال الحريات الفردية والجماعية».

 تباين المواقف

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر الدكتور توفيق بوقعدة في تصريح لـ»القدس العربي» أن مشروع تجريد الجنسية «أضر بسمعة الجزائر من دون ان يحقق أي مصلحة منه». والمبررات «التي تم التسويق بها للقانون غير مقنعة من ناحية الإجراءات القانونية، حيث يوجد هناك نصوص في قانون العقوبات الجزائري تسمح بنزع الجنسية المكتسبة من الذين تتم إدانتهم بجرائم تمس بمصالح الدولة. وبالتالي ما الفائدة من تكرار نص قانوني؟».
وفي قراءته لمشروع القانون المثير للجدل يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر بأنه «لا يمكن التعامل بازدواجية بالنسبة للمجرمين من الذين يحملون الجنسية الجزائرية سواء الذين يتواجدون داخل الوطن أو خارجه» وكان من الأفضل حسبه «تقوية جهاز العدالة والجهاز الدبلوماسي في توقيع اتفاقيات تسليم المجرمين وتحقيق العدالة في حقهم بدل إجراء نزع الجنسية».
وفي سؤال حول الخلفيات التي تقف وراء المبادرة بمشروع القانون في هذا التوقيت وهل له علاقة بالأصوات المعارضة في الخارج، قال المتحدث بأن «السياق الذي جاء فيه القانون الهدف منهم يفهم ذلك، لأنه في عز الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر في التسعينيات لم تلجأ السلطة لمثل هكذا إجراء رغم الضرر الذي كانت تشكله تلك الأطراف التي قاعدة خلفية التمويل والترويج للعمل الإرهابي، وإضعاف الدولة في الخارج. وحتى بعد الاستقلال لم تطالب الدولة بنزع الجنسية عن الحركى الذين تعاملوا مع فرنسا».
وفي السياق يرى الدكتور توفيق بوقعدة أن «القانون ينم عن ضعف السلطة إعلاميا في مواجهة هؤلاء، وضعفها دبلوماسيا في إقناع الدول الأخرى باستعادة المجرمين، باللجوء إلى الحلول السهلة في تقديرها».
وبخصوص إمكانية ان يحقق القانون الهدف من عرضه للمناقشة قبل التصديق عليه، يقول المتحدث بأن: «مثل هكذا قانون لن يحقق هدفه، بل بالعكس لاحظنا حالة الغضب ورفض للقانون من أطياف عديدة في المجتمع سواء المعارضة أو الموالية للسلطة» وأضاف قائلا «ان مشروع القانون ولد ميتا، وأتصور ان السلطة سوف لن تجيزه على الأقل في هذه المرحلة التي تعاني فيها من ضغوط دولية. والدليل أنه لم يعد للمصادقة في مجلس الوزراء بالإضافة إلى شبهة اللادستورية» التي تحيط بمشروع القانون.
في المقابل يدافع البروفيسور إدريس عطية استاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر عن مشروع القانون ويرى في اتصال مع «القدس العربي» ان الهدف منه هو «للحد من الإضرار بالمصالح الوطنية للدولة ومواجهة الانخراط في العمليات الإرهابية والتخريبية كان إعلان الجزائر» وحسبه «هناك اعتبارات دفعت الحكومة الجزائرية للتفكير في هذا المشروع أبرزها تنفيذ استراتيجية الضربات الاستباقية لمواجهة العمليات الإرهابية قبل وقوعها».
وطرح البروفيسور إدريس عطية اعتبارات يمكن ان تدفع بالدول الأوروبية بتأييد هذا القانون، حيث قال في معرض حديثه «أن هناك تفسيرات أخرى تتعلق بردع المهاجرين أو اللاجئين من الانضمام للتنظيمات الإرهابية التي ربما تستقطب الشباب الجزائري المهاجر إلى الدول الأوروبية ولاسيما المهاجرين بطرق غير نظامية، الأمر الذي سبب قلقاً مزدوجاً لدولة الإرسال (الجزائر) ودول الاستقبال (الدول الأوروبية) وهو ما سيلقى تأييداً أوروبياً» مضيفا بأن ذلك من شأنه «تحييد قدرات التنظيمات الإرهابية في الخارج على تنفيذ عمليات إرهابية عبر التواصل مع عناصر تابعة لها في الداخل».
من جانب آخر دعا البروفيسور عطية «إلى ضرورة المراجعة العميقة لإجراءات منح أو سحب الجنسية لفئات مجتمعية مختلفة» بموازاة «الاستمرار في تطوير مسيرة بناء قدرات الدولة، وتشجيع قدوم المستثمرين، ومكافحة الإرهاب وحماية الأمن الوطني ومحاصرة الجرائم الدولية وتعزيز الوحدة الوطنية». وبخلاف تطبيق بعض الدول قوانين صارمة مع مزدوجي الجنسية، فالجزائر حسبه «مطالبة بتقديم تسهيلات في منح الجنسية أيضا للعديد من الكفاءات النادرة من العلماء والأطباء والمثقفين والمتخصصين والموهوبين في أفريقيا والعالم العربي وتشجيع تدفق الاستثمار في البلاد عبر تمديد تراخيص الإقامة وإعطاء منطق جديد للهجرة العكسية ومنح الفرصة لأصدقاء الجزائر في الخارج».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية