جدل واسع في السودان بسبب تظاهرات لاستكمال هياكل السلطة الانتقالية

صلاح الدين مصطفى
حجم الخط
0

الخرطوم-“القدس العربي”: انقسمت قوى الثورة السودانية حول موكب دعت له قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية التي تكونت بعد الإطاحة بنظام البشير في نيسان/أبريل من العام الماضي.
وانتشرت في الأيام الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات وجداول لتظاهرات مليونية تهدف لاستكمال هياكل السلطة الانتقالية في السودان، وشهدت نهاية الأسبوع أولى هذه التظاهرات في العاصمة والولايات.
وتباينت آراء الناشطين حول تظاهرة الخميس الماضي في العاصمة الخرطوم وبعض مدن الولايات، لكن الغالبية اتفقت على أنها أقل كثيرا من تظاهرات الحراك التي أسقطت حكومة البشير والتي ناهضت المجلس العسكري لأسابيع وسبقت قيام الحكومة الانتقالية.
وانتهت التظاهرة إلى مباني مجلس الوزراء، وقدم المتظاهرون مذكرة لعبد الله حمدوك رئيس مجلس وزراء الحكومة الانتقالية والذي قال في تغريدة له على تويتر: “تسلمت اليوم مذكرة تجمع المهنيين السودانيين المتعلقة باستكمال هياكل السلطة الانتقالية، أؤمن أولاً بالمطالب التي تضمنتها المذكرة، كما أشيد بالدور العظيم الذي قام به تجمع المهنيين وكافة قطاعات الشعب السوداني التي شاركت في هذه الثورة المجيدة، وأؤكد ضرورة وحدة قوى الثورة بكل مكوناتها من أجل العبور بالبلاد إلى بر الأمان.”
وتضمنت المذكرة مطالب عدة أبرزها استكمال هياكل السلطة الانتقالية وذلك بتعجيل تعيين الولاة المدنيين وحكوماتهم المدنية، وتكوين المجلس التشريعي القومي والمجالس الولائية، إضافة لبعض المطالب الأخرى مثل ضبط المال العام والقضاء على الفساد الموروث من النظام السابق.
وتزامنت تظاهرة العاصمة مع مواكب في عدة ولايات أبرزها في مدن عطبرة ووودمدني والقضارف، وكسلا، تركزت مطالب التظاهرات الولائية في إعفاء حكام الولايات العسكر واستبدالهم بحكام مدنيين يلبون أهداف الثورة حسب اللافتات والشعارات التي رددها المتظاهرون.
وسبق التظاهرات جدل واسع حول المشاركة فيها حيث دعا العديد من قوى الثورة لعدم المشاركة باعتبار أن ذلك يضعف الحكومة التي يقفون من خلفها بينما اعتبرت مجموعات أخرى أن التظاهرة ضرورية للضغط على الحكومة لإكمال مهامها .
وشاركت بقوة لجان المقاومة بمنطقة الخرطوم بحري ومناطق أخرى، بينما رفضت المشاركة فيها لجان منطقة برّي (شرقي الخرطوم) والتي عرفت بشراستها أثناء الحراك الشعبي وتلقّب بأسود البراري، وأصدرت بيانا أعلنت فيه رفضها لما سمته “مواقف وتكتيكات استغلال لجان المقاومة لتصفية الصراعات السياسية وتمرير أجندة سياسية بعينها على حساب المصلحة الكلية للوطن “.
وقالت لجان البراري إنها مع النقد المباشر للحكومة عبر النوافذ المتاحة، مشيرة إلى أن “الحكومة التي جاءت بها الثورة وعلى رأسها الدكتور حمدوك تجد قبولا غير مسبوق من الشارع ودعما لا محدود منا وتفهما لكامل التحديات التي تواجهها وسنظل معها بالرأي والنقد حتى نكمل الانتقال الديمقراطي متحدين في رؤيتنا وفي أحلامنا بدولة المؤسسات والوطن الذي صمدنا لأجله”.
وفي تغريدة له أشاد رئيس حركة تحرير السودان مني آركو مناوي بموقف لجان المقاومة التي رفضت التظاهر وخص بالذكر لجان البراري على تجاوبهم مع (الدعوة الباطلة للخروج) على حسب تعبيره .
وطالب حزب الأمة القومي الذي يرأسه الصادق المهدي بتهدئة الأوضاع في هذا التوقيت وقال في بيان له: “مع اتفاقنا مع أهداف الحملة الشعبية لاستكمال هياكل السلطة الانتقالية، نرجو من تجمع المهنيين العدول عن قرار المواكب المليونية الاحتجاجية وذلك لتفويت الفرصة على المتربصين بالثورة”.
وناشد حزب الأمة تجمع المهنيين بالاستمرار في القيام بواجبه في حراسة الثورة وتنسيق الجهود مع كل الأطراف من أجل تجاوز تحديات الفترة الانتقالية وأضاف: “نحن في حزب الأمة القومي من جانبنا سنستمر في دورنا في تشجيع كل الأطراف المواصلة في تمتين أواصـر الشراكة القائمة حتى نصل إلى التحول الديمقراطي المنشود وإنجاح الفترة الانتقالية.”
ودار نقاش وجدل واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد للتظاهرة ومتحفظ عليها ورافض لها وللجدول الذي أعلن أنه سيكون في الشهر المقبل لمزيد من التظاهرات للضغط على الحكومة .
وطالب الكاتب والمحلل السياسي وائل محجوب بضرورة التحلي بالمسؤولية في هذه المرحلة التي وصفها بالصعبة والمعقدة، مشيرا إلى مزيد من الضغط الشعبي وإنجاح الحملة الشعبية في الشهر المقبل، مؤكدا أن “الاختلاف الذي ظهر بين الناس حول المليونيات المعلنة هو أمر جيد، ففي الاختلاف رحمة” مشيرا إلى أن هذا هو الحال منذ بداية الثورة بوجود العديد من التقديرات المختلفة “ومع ذلك شقت الثورة طريقها بثبات وجسارة وذكاء وتغليب المصالح العليا”.
ويؤكد المحلل السياسي يوسف الجلال شرعية المطالب التي قامت من أجلها التظاهرات، مشيرا إلى ضرورة تكوين المجالس التشريعية بوصفها جهات مهمة لمراقبة أداء الحكومة ومساندتها على ملاحقة رموز النظام السابق والمساعدة كذلك في وضع حلول للضائقة الاقتصادية.
ويتفق الجلال مع قوى الحراك في ضرورة تعيين حكام مدنيين للولايات “التي ما زال بعضها يحكم بأجهزة تنفيذية محسوبة على المجلس العسكري السابق بل ونظام البشير”. ويقول إن هذا المنطلق هو الذي دعت من أجله قوى الحرية والتغيير للتظاهرات.
لكن يوسف الجلال يقول لـ”القدس العربي” إن مطالبة قوى الحرية والتغيير بتحقيق تلك الأهداف عبر التظاهرات حوت الكثير من التناقضات باعتبار أن الجهة التي دعت وخرجت للشارع تمثّل الحاضنة السياسية للحكومة وهي تعبّر عن التحالف السياسي الذي يحكم الآن، مضيفا : “لا يمكن أن تكون أنت الحكومة وتعارضها في الوقت نفسه”.
ويشير إلى أن ما جرى فيه الكثير من التناقضات ويمكن أن يقود بصورة أو أخرى لحالة من الشقاق بين قوى الحرية والتغيير وقوى الكفاح المسلح “بل بين قوى الحرية في مكوناتها المختلفة” ويعزز قوله بوجود أكثر من حزب وجهة نقابية أعلنت مبكرا أنها لن تكون جزءا من هذه المواكب.
ويضيف قائلا: “أعتقد أن ما حدث سوف يقود لمزيد من الشقاق وهو أمر يضر بقوى الحرية والتغيير التي تقاتل في عدة جبهات على رأسها الثورة المضادة وقوى الردة التي تتحين أي فرصة للانقضاض على الثورة.”

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية