كان ـ «القدس العربي»: في زمن ما في المستقبل سيتحكم الإنسان في جسده كما لو كان لوحة إبداعية يرسمها أو يخلقها، سيصبح بإمكان الإنسان أن يسيطر على جسده ليخلق في داخله أعضاء جديدة. هذه العلاقة الإشكالية بين حرية الإنسان في التعامل مع جسده، وتصور الدولة وسلطاتها لما يجب أن يكون عليه الجسد، وما هي الصورة «الطبيعية» للإنسان، هي جوهر فيلم «جرائم المستقبل» المتنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي (17 إلى 28 مايو/أيار الجاري) للمخرج الكندي الصادم دوما والمبدع دوما، ديفيد كروننبرغ.
يصور «جرائم المستقبل» جسد الإنسان كعمل إبداعي دائم التطور والتغير للتكيف مع معطيات الحياة، كما يصور أن رغبات الإنسان وشهواته، مثل اشتهائه للطعام أو الجنس، أمور أيضا دائمة التغير، وأنه مهما حاولت السلطات وضع صورة جامدة لما يجب أن يكون عليه البشر، سيجد الناس سبلهم للتمرد على القوالب والأنماط الموضوعة لذلك.
لا يقدم «جرائم المستقبل» مشاهدة يسيرة، كما هو الحال مع العديد من أعمال كروننبرغ التي تنتمي إلى سينما «رعب الجسد» مثل فيلميه «الذبابة» و»تحطم». «جرائم المستقبل» فيلم يتطلب حضورا نفسيا وعقليا، فيه من المشاهد المؤلمة الصادمة الكثير. لكن مشاهدته تفتح لنا الكثير من الأبواب للتأمل والتفكير في الإنسان وماهيته وتطوره وقدرته على الإبداع. وعلى الرغم من بعض مشاهده الصادمة، إلا أن الفيلم يقدم تصورا فيه من الأمل الكثير لجسد بشري لا يتصارع مع المعطيات البيئية المحيطة به، بل يتكيف معها.
يبدأ الفيلم بمشهد طفل يلعب على الشاطئ، بينما تلوح في الأفق سفينة غارقة غمرت مياه البحر جزءا كبيرا منها. إنها معطيات تنبئ بمستقبل يتعايش فيه الإنسان مع الكثير من الكوارث ليصبح من العادي والطبيعي أن يلهو طفل وسط المياه المليئة بالحطام والركام. إنه تصور صادم للمستقبل، لاسيما أن الصبي يعود إلى المنزل، لنجده يلتهم بتلذذ ونهم وعاء صُنع من البلاستيك، يقضم قطع البلاستيك بأسنانه ويمضغها بيسر ويبتلعها بتلذذ. يبدو الطفل وهو يلتهم البلاستيك كائنا غير طبيعي أو آدمي، فتكتم أمه أنفاسه بالوسادة حتى يموت، لأنها رأت في قدراته الجسدية الغريبة على التغذي على ما هو ليس بطعام للبشر خللا يُخرج الصبي من مصاف البشر ويجعله في نظرها مسخا.
يتضح لنا في الفيلم أن هذا الصبي ليس بالحالة الفريدة وأن الكثير من التغيرات والتطورات حدثت للجسد الإنساني ليواكب ما يحدث في البيئة من تغييرات. يدفع هذا السلطات في الفيلم إلى إنشاء مؤسسة جديدة تحت اسم «سجل الأعضاء البشرية الجديدة» لمراقبة التحولات الطارئة على جسم الإنسان والقضاء على التحولات التي تعتبرها غير مرغوب فيها أو غير بشرية بالقدر الكافي.

الشخصية المحورية في الفيلم هي سول تنسر (فيغو مورتنسون) الذي تراقبه السلطات عن كثب واهتمام، وهو فنان يستخدم جسده كلوحة أو كعمل إبداعي خاص به. لا يخط تنسر أعماله على جسده من الخارج، بل إن لديه القدرة على تشكيل وتطوير جسمه من الداخل، يمكنه أن يخلق داخل جسده أعضاء حية جديدة وزوائد. وفي مجتمع يصبح فيه الإنسان قادرا على تحمل الجراحة دون ألم ودون تخدير، يواصل تنسر عمله الإبداعي بمساعدة زوجته كابريس (ليا سيدو) وهي طبيبة جراحة في السابق، وفنانة تشكيلية في الوقت الحالي، تتخذ من أدوات الجراحة أدوات لتشكيل جسد زوجها وأجساد الآخرين كما يروق لها ولهم.
في «جرائم المستقبل» يكتسب ما يسمى في الفيلم «الجمال الداخلي» معنى جديدا، فهو ليس صفات الشخصية أو سماتها، بل قدرة الإنسان على تعديل أعضائه الداخلية وتحويرها وتخليق أعضاء جديدة، سواء كان ذلك استجابة من جسده لتعليمات من عقله، أو تدخلا من فنان يغير أعضاء الإنسان كما يحلو له. وفي الفيلم تتحول الرغبات الجنسية للإنسان، حيث يصبح تعديل الجسد وإحداث جروح تشبه الوشم فيه من الداخل هو سبيل تحقيق اللذة الجنسية بين سول وزوجته كابريس. يقولان لضيف لهما إن «الجنس القديم» لم يعد مشبعا لهما. لا يفسر كروننبرغ في الفيلم هل اختفى ما يوصف بالجنس التقليدي تماما، وإن كان كذلك كيف يتوالد الإنسان ويتكاثر.
يناقش الفيلم مفاهيم الجمال ومقاييسه، يسعى الإنسان دوما إلى تغيير صورته بحيث تتواكب مع مقاييس معينة للجمال، مقاييس وضعها المسؤولون عن صيحات الأزياء وأدوات الزينة وغيرها. ويسعى البعض إلى ألا يتبعوا الركب فيتبنوا أسلوبهم الشخصي في الجمال، من الوشم وتعديلات الجسد وغيرها من الأمور.
لكن ثمة ما يشير إلى أن تلك القدرة الفائقة على السيطرة على الجسد وعلى تحويله إلى لوحة يغيرها صاحبها، كما يحلو لها أمر بالغ الخطورة، على الرغم من النشوة الكبيرة الناشئة عنه. نجد سول دوما شاحبا عليلا متدثرا بعباءة سوداء لأن جسده دائم الإحساس بالبرد. حين نراه لأول مرة، نجده ممددا على جهاز يشبه السرير مزود بأيد آلية يمكنها التجاوب مع أوجاعه وآلامه والحد منها. جسد سول لا يشعر بالألم عند جرحه أو عند شق بطنه لاستخراج الأعضاء الجديدة التي تنمو له، لكنه في الوقت ذاته جسد عليل. ترى هل يمكننا أن نستشف من ذلك أن تطور الجسد مقبل لا محالة، لكنه لا يجعل الإنسان محصنا من المرض، وأن الإنسان مهما حاول امتلاك جسده وتطويعه والسيطرة عليه فإنه لن يتمكن من التغلب على الموت الذي قد يأتيه على حين غرة.
يناقش الفيلم مفاهيم الجمال ومقاييسه، يسعى الإنسان دوما إلى تغيير صورته بحيث تتواكب مع مقاييس معينة للجمال، مقاييس وضعها المسؤولون عن صيحات الأزياء وأدوات الزينة وغيرها. ويسعى البعض إلى ألا يتبعوا الركب فيتبنوا أسلوبهم الشخصي في الجمال، من الوشم وتعديلات الجسد وغيرها من الأمور. في «جرائم المستقبل» يشغل هذا السعي في البحث عن الجمال الكثيرين، حيث يصبح مدى سيطرتهم على أعضائهم الداخلية وتخليقهم لأعضاء جديدة نوعا جديدا من أنواع الجمال والتجميل، تقام له مسابقات خاصة. يجعلنا الفيلم نتساءل ترى إن كنا لا نشعر بالألم كما هو الحال مع شخصيات الفيلم، هل كنا سنسعى كل يوم إلى إحداث تغيرات في أجسادنا للتعبير عن ذاتيتنا وتفردنا.
يفتح الفيلم الآفاق حول تطور الإنسان والجنس البشري. يشير إلى جماعات تسعى لتعديل جسم الإنسان، بحيث يكون قادرا على تحمل المواد السامة الناجمة عن الصناعة والتلوث البيئي. مجموعات ثورية، من بينها والد الصبي الذي نراه في بادئ الفيلم يلتهم البلاستيك، تحاول بشكل منظم أن تعدل جسد الإنسان ليتغذى على المواد السامة ومخلفات الصناعة، حتى يكون جسد الإنسان ذاته هو سبيل البشرية للتخلص من التلوث الذي سببه الإنسان. إنها تغيرات كبيرة في جسم الإنسان تحاول السلطات المستقبلية السيطرة عليها، بسن قانون يقنن ماهية البشر. ربما يود الفيلم أن يجعلنا نرى أن محاولات تقييد العقل البشري ومحاولات السيطرة على الجسد الإنساني ورغباته وتطوره أمورا مستحيلة مهما حاولت السلطات منع التغيير أو تصدت له.